قال الامام الصادق (عليه السلام): (كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وابلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً). فما هو المقصود من ذلك؟

إن أبا الفضل العباس (عليه السلام) بطل عظيم وشجاع، يمثل كل الأخلاق والقيم العالية السامية، وهذه الكلمة التي قالها الإمام الصادق (عليه السلام) في حق أبي الفضل (عليه السلام) تعبر عن عظمته وسمو شخصيته. يمكن أن نفهم بعض الاشياء القليلة عن هذه الشخصية، لكنها في الحقيقة اكبر من فهمنا لها.

والبصيرة مفهوم مقابل البصر وهو أحد الحواس الخمس التي نستطيع أن نتعرف بها على المدركات المادية، لكن البصيرة هو فهم لأمور ما وراء الادراك الحسي.

لنفترض مثلا أن أحدهم سألك: ماذا يوجد خلف ذلك الحائط الذي يمثل حاجباً بينك وبين بصرك، فلا تستطيع أن تعرف ما وراء الحائط، ولكن إذا أصبح لديك قدرة خاصة واستطعت أن تُبصر ما وراء الحائط، فهذا الشيء يكون خارج إطار المحسوس، فهو مرتبط بشيء آخر.

معنى البصيرة: المعرفة العميقة للحياة والوصول الى معنى الوجود ومعرفة الامام المعصوم (عليه السلام)، هذه المعرفة هي التي تؤسس للشخصية التي تستطيع فهم قواعد الحياة.

العباس (عليه السلام) كان يملك الفهم الكامل لمعنى الحياة، من خلال البصيرة الثاقبة والنافذة التي تخترق ما وراء الحجب المحسوسة والمرئية، فكان عنده نظرة معنوية كبيرة وفهما كبيرا بغايات الوجود، ومعرفة خاصة بالإمام الحسين (عليه السلام)، فالإمام المعصوم يمثل مرتبة عظيمة لذلك معرفته الحقة تحتاج الى قدرة خاصة.

أبو الفضل العباس لم ينحصر دوره في كربلاء، وهو ليس مجرد ناصر لأخيه وذهب للمعركة وبرزت فيه فضائله الأخلاقية وشجاعته وتضحيته، بل كان عنده فهم كبير وبصيرة عظيمة وقدرة على إدراك النظام الإلهي والكون والوجود، جعلت منه تلك الشخصية المميزة على طول التاريخ.

والمشكلة في كثير من الناس، أنهم ينظرون الى الامور بحواسهم وليس بمعنوياتهم ولا بأفكارهم ولا بعقولهم، لذلك تراهم غير ناجحين في حياتهم. مثل الطفل الصغير، عندما يولد، يضع كل شيء في فمه بحافز أن يتعرف على هذا الشيء الخارجي بفمه، فهو لا يملك ذلك العقل والإدراك المناسب كي يستطيع معرفة ما هو هذا الشيء، لذا فإن اغلب الناس يسيرون في هذا الطريق، ويعرفون الاشياء من خلال الماديات.

لكن بعض الناس وأولياء الله ينظرون الى الاشياء من خلال البصيرة، أو الإدراك الداخلي العميق لمعاني الحياة والوجود، وقد قال الامام علي (عليه السلام) في صفات المتقين: (هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ...).

فالبصيرة في علاقة متصلة مع اليقين، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر/99، وندرك أن هذه الدرجة لا يصل لها غير بعض الأشخاص الخاصين، وعن الإمام علي (عليه السلام): (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا)، (إني لعلى بينة من ربي، وبصيرة من ديني، ويقين من أمري). فالبصيرة تؤدي الى اليقين وسوف يلمس المتقي الوقائع والحقائق بيده، ولكن يفتقدها المادي والمترف الذي ينظر الى الحياة من خلال الماديات، أي من خلال الحواس الخمسة وغايته التلذذ الغرائزي فتبقى ارواحهم تدور في فلك الشك والضيق والضآلة والكآبة فتنزل الى الحضيض، لكن الذي عنده بصيرة تنفتح له رؤية الآفاق فيأنس بما استوحش به المترفون فيرتقي بروحه الى اليقين، لأنه يعيش المعنى والمعنى اكبر من المادة، فترتفع مؤشرات السعادة عندهم ويأنسوا بما يستوحش منه الجاهلون.

فالجاهل يخاف من الإقدام ويفتقد الشجاعة، حيث يخشى من التمسك بالمبادئ خوفا على مصالحه فيبقى حبيسا في دائرة جهله وشكه وقلقه ويخسر ما وراء الآفاق.

المتقّون لا يهابون الموت وقد فُسِّر اليقين بالموت، فعندما قال الامام الحسين (عليه السلام): (إني لا أرى الموت إلا سعادة)، فالموت ليس نهاية، بل بداية بالنسبة الى اصحاب البصيرة، واليقين هو بداية الارتقاء إلى مستوى أعلى من الفهم والادراك، فعن الإمام علي (عليه السلام): (لا بصيرة لمن لا فكر له)، فحتى في العبادة تحتاج إلى تفكّر وتأمل، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (تفكر ساعة خير من عبادة سنة)، والتفكر هو طريق العلم والفهم، فعن الإمام علي (عليه السلام): (لا علم لمن لا بصيرة له)، هؤلاء الذين يتصورون انهم العلماء (ألا إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه)، فأبصر الأبصار فهو الذي يصل الى المعنى الحقيقي للحياة، ولليقين، هذا كله عبارة عن مراتب لابد للإنسان أن يذهب ورائها حتى يحصل عليها.

علاقة الإيمان بالبصيرة

يُقال إن الفولاذ الصلب هو من الحديد المنقى، وهو مقاوم جدا للظروف التي تطرأ عليه، فصلب الايمان يعني انه لا يتزحزح أمام المغريات والتحديات والمواجهات، وهذا الايمان الصلب ينشأ من خلال البصيرة، لا يمكن أن نقول إن الانسان المؤمن يكتفي بالعلم فقط، حتى يؤدي به ذلك الى الايمان، بعض الناس لديهم علم لكنهم عند المواجهات يترددون ويتشككون، كم كان عدد الرجال مع الإمام الحسين (عليه السلام)، إنهم بالآلاف، لم يبق منهم مع الامام الحسين (عليه السلام) إلا فئة قليلة، هؤلاء كانوا يعرفون أن الإمام هو ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه امام معصوم مفترض الطاعة، ولكن في لحظات معينة اصبحوا مترددين، إنهم يملكون إيمانا لكن إيمانهم ليس صلبا يتبصر ما وراء الدنيا، لانه بحساباته المادية الدنيوية يعتقد أن هذه حرب خاسرة.

نحن دائما لنا مواقفنا في الحياة، وهي تعتمد على الحسابات المادية، لكن أولياء الله حساباتهم معنوية كبيرة، أعظم من الانتهازية والرضوخ والخنوع، وان اولياء الله المتقين وخصوصا الذين هم من اصحاب الائمة المعصومين (عليه السلام) الخاصين، هؤلاء يصلون الى مرتبة عالية بحيث لا يتزعزع ايمانهم للحظة، نرى في بعض الاحيان ان الايمان يتزعزع، إذ يمكن ان يكون الإنسان في موقف صحيح، لكن يوجد في قلبه بعض الوسواس والشك القليل أحيانا، أما صلب الايمان فلا يحصل التردد في ذهنه، ولا يخطر في باله انه في لحظة معينة يفكر بالتردد، بل هو في حالة يقين، فصلب الايمان يعني انه يملك اليقين التام بالموقف الذي فيه.

كيف يؤثر الاستسلام للشك والتشكيك على حياتنا؟

إن الشك والتشكيك من أكبر الأمراض التي تحطم الإنسان وتزعزع إيمانه، وتزعزع نفسه وتجعله مريضا نفسيا وفكريا، فالشك هو نوع من الامراض التي تحدث كنتيجة لفقدان البصيرة واليقين، ونرى مشكلة التشكيك متصاعدة في عالم اليوم، وقد سمّيَ هذا العالم بـ (عالم ما بعد الحداثة)، حيث قالوا أننا وصلنا إلى نهاية العلم، واختبرنا كثيرا من النظريات واخترعنا الانترنت والكهرباء والسيارات والطائرات والقطارات والمصانع، ووصلنا للقمر وحققنا الذكاء الاصطناعي، هذا العلم كله وصلنا إليه بالتجربة بواسطة إدراكنا وحواسنا، لذلك بدأ هؤلاء التشكيك في كل شيء، حيث شككوا بالله سبحانه وبالقيم الأخلاقية والمبادئ والفطرة الإنسانية، وبدأوا يخترعون أديانا جديدة، بسبب الغرور والتكبر الذي وصلوا إليه.

اليوم في عالم كورونا وصلوا إلى نوع من الانهيار في هذه النظريات الحسية، حين اكتشفوا إنهم لا يملكون شيئا، والعالم يعيش في فراغ كبير، فهذا الشك والتشكيك لم يوصلهم إلى شيء، بينما يحتاج الإنسان في الازمات الى يقين والى بصيرة وايمان، فلذلك نحن ننصح شبابنا ان لا يدخل الشك والتشكيك الى اذهانهم، نعم التفكّر والتفكير مهم فهو يبني الانسان، لكن الشك والتشكيك يدمر الإنسان، وهو يعني أنك تريد أن تحطم الأشياء التي تستند عليها.

أحد الشخصيات الغربية، قال: أنا لا اناقش ملحدا، سألوه لماذا؟ فأجاب: لأنه لا يقف على شيء ثابت، فعن أي شيء أناقشه، إنه لا يؤمن بشيء.

ونحن لابد أن يكون لدينا قضايا فطرية غير قابلة للنقاش، مثلا لا يمكن مناقشة أن الصدق صحيح، والكذب خطأ، ولا نناقش أن الظلم سيّئ والعدل حسن، هذه الأمور لا احد يناقش فيها، لأنها قضايا فطرية.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (في وصف اهل العلم: أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ...)، فلا فائدة من العلم الذي يولّد الشبهات، العلم يحتاج إلى بصيرة، بمعنى أن يتم النظر الى ما وراء الحجاب، والى ما وراء الماديات التي ننظر من خلالها الى انفسنا، وان ننظر الى الغايات العظمى في الحياة.

بعض الناس إذا نظر لشيء ما في الخارج، فقد يسيء الظنّ به وهو لا يعرف ان يحقق بالموقف الذي شاهده، مثلا إذا مر أحدهم من جانب شخص ما وألقى عليه السلام، وهو لم يرد السلام، فيسرع إلى انتقاده وتشويه سمعته، ويردد أمام كثيرين بأن هذا الانسان متكبر، لكنه لم يفهم حقيقة الموقف ولايقدر أن ذلك الشخص لم يره، أو لم يسمع كلامه وهو يلقي السلام عليه، الصحيح لابد ان يحقق ويسأل، لماذا لم يرد عليه السلام؟

يجب أن تكون البصيرة هي المعيار والشيء الذي يحكم حياتنا، حتى لا نقع في الشبهات والشكوك، لاسيما بالنسبة للشباب، ولابد ان يتأكدوا ويتعلموا ويتعرفوا ويبحثوا عن معاني الحقيقة، وطالما أنهم يحبون أبا الفضل (عليه السلام)، يجب ان يسيروا بسيرته في بناء الايمان الصلب والبصيرة العميقة عبر العلم والتعلم في مواجهة التشكيك والشبهات.

فكم هي المآسي التي يضج بها العالم بسبب العلم الفارغ من البصيرة والتكنولوجيا المضللة التي جاءت من دون أي فهم ولا أي معنى أو إدراك، فالعالم اليوم ممتلئ بالأسلحة النووية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والانترنت يحطم أكثر مما يبني، وهذا استغلال للعلم وتطوراته لأنه من دون وعي أو فهم، ولا يوجد إدراك لأهمية ان يكون هناك توازنا بين الشيئين، حتى يستطيع أن يؤثر العلم في بناء الإنسان الصالح.

مواقف أبي الفضل العباس (ع) العميقة

إن شخصية أبي الفضل تمثل كل القيم الأخلاقية، والمعاني العظيمة، لذلك يحبه الناس، ولكن ما نحتاجه في قضية أبي الفضل العباس (عليه السلام) أن نتعلم من سيرته، فعالم اليوم هو عالم السقوط المريع للأخلاق، ولنقل بصريح العبارة بأنه عالم بلا أخلاق تسيطر عليه الانتهازية والنفعية والماديات المتغولة.

لقد أصبح الإنسان لا قيمة له في هذا العالم، إنه عالم الماديات العجيب الغريب، لدرجة أن أهل المفاسد أصبحوا هم النماذج في هذا العالم، وهذا أمر في غاية الخطورة، فحين يصبح الإنسان الفاسد نموذجا للآخرين، فكيف يتربى العالم على أيدي هؤلاء؟

ان أبو الفضل العباس (عليه السلام) هو التجسيد العظيم للمعاني الأخلاقية، وقد لاحظنا مواقفه العالية والكبيرة في كربلاء، وذلك الموقف التضحوي الكبير عندما رمى الماء على النهر وهو في أوج عطشه، فقد كان بإمكانه أن يشرب الماء ويطفأ ظمأه، لكنه آثر التضحية العظيمة حيث ذكر عطش الحسين (عليه السلام) فرمى بها وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني.. وبعده لا كنت ان تكوني هذا الحسين وارد المنون.. وتشربين بارد المعين..

لاحظ تفانيه وتضحيته مع الإمام الحسين (عليه السلام)، مع إمامه وأخيه، لأن الأخوة هي من اعظم المُثُل الانسانية التي تجسد قيم البصيرة، كما أن الإيمان يرتبط بالأخوة، من هنا فالإنسان المؤمن يفهم معنى الأخوة، وهي من القضايا الفطرية، لذلك نحن ننصح شبابنا وأسرنا بأن يراعوا معاني الأخوة فيما بينهم لأنها رابطة اجتماعية عظيمة.

لقد قال الامام الحسين (عليه السلام): (الآن انكسر ظهري) حين أصيب العباس (عليه السلام)، الأخوة قيمة عظيمة، والاخ لا يأتي بسهوله، بعض الناس يتحسرون لأنهم ليس لديهم أخوة، وبعض الناس لديهم أخوة لكنهم يعيشون وسط المشاكل والنزاعات والصراعات، وينسون أن الأخوة قيمة كبيرة ونعمة عظيمة من الله أنعمها عليهم، فمن واجب للإنسان ان يقدر هذا المعنى من الأخوة.

إن أبا الفضل العباس (عليه السلام) في معنى الأخوة العالية العظيمة، لا يملك أخوة نسبية فقط، بل أخوة إيمانية أيضا، كما هي الأخوة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهي أخوة مبدئية مستمرة في المعاني الإيمانية والعظيمة الكبيرة.

الطموح الاعمى للسلطة

حدثت مواقف كثيرة في عاشوراء، منها أن بعض الأشخاص وأرادوا أن يغروا أبا الفضل العباس باعتباره من نفس العشيرة، وكان الهدف من ذلك أن يطمع العباس بالسلطة. فعندما بادر شمر بن ذي الجوشن إلى ابن مرجانة، فأخذ منه أمانا لأبي الفضل وأخوته، وأراد إن يستميلهم ويخرجهم من معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فقال له العباس بن علي عليهما السلام: (لَعَنَكَ اللّهُ ولَعَنَ أمانَكَ وَاللّهِ، إنَّكَ تَطلُبُ لَنَا الأَمانَ أن كُنّا بَني اُختِكَ، ولا يَأمَنُ ابنُ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وآله).

هذا الموقف العظيم والصلب والنافذ يعبر عن قوة ايمان أبو الفضل العباس وبصيرته المتيقنة في مواجهة اغراءات السلطة، لكن نلاحظ اليوم هناك لهفة كبيرة واندفاع نحو السلطة بشكل عجيب غريب، فبعضهم يذهب ويشتري المنصب بملايين الدولارات، سواء كان منصب وزير أو برلماني أو مدير، هذا الطموح الشره مدمر للإنسان، واغلب المآسي التي اطلعنا عليها في التاريخ، أو التي نلاحظها اليوم تحدث بسبب هذا الطموح الأعمى للسلطة.

هذه السلطة تجعل صاحبها أعمى، بل هو لا يدرك معنى هذه السلطة التي اشتراها، وبعض هؤلاء يصل إلى مرتبة عالية من الطغيان، لأن السلطة غايته كي يؤذي الناس ويعذبهم ويقتلهم ويفعل أي شيء من اجل السلطة، هؤلاء لديهم مثل يقول: (أنا وبعدي الطوفان)، هذه هي السلطة العمياء وهؤلاء هم العميان الحقيقيين في الحياة.

لكن أبا الفضل العباس صاحب بصيرة ولا ينخدع بهذه المغريات، ولا يتردد لحظة في الثبات على موقفه، لذلك فإن المشكلة الأساسية اليوم أن كثيرا من الناس يدّعي بأنه يحب أهل البيت (عليهم السلام)، لكنه يعمل عكس ما أراده أهل البيت (عليهم السلام)، لذا ننصح هؤلاء أن لا يكونوا عبيد السلطة العمياء.

انظروا إلى موقف أبي الفضل العباس (عليه السلام) التضحوي المعطاء، إنه صاحب البصيرة العظيمة النافذة التي جعلته لا يهتم للسلطة، ولا يتردد في رفضها للحظة لأنها لا شيء بالنسبة له، كما في قضية الإمام علي (عليه السلام) حيث قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ (عليه السلام) وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا)، فالحق هو الأساس أما هؤلاء فلا يقيمون حقا لأنهم عميان، ومن هنا لابد أن نضع مبدئية وموقف وبصيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ونتعلم منه أن لا نخضع للمغريات ونقاوم الاغراءات.

الحب اللامتناهي للعباس

عندما تتجول في بلاد العالم، سوف تجد سيرة ومواقف أبي الفضل العباس (عليه السلام) على كل لسان، سواء كان شيعيا أو غير شيعي، مسلما أو غير مسلم، وهذا الحب الكبير لهذه الشخصية العظيمة، نتيجة لمواقفه في كربلاء ووفاءه اللامحدود لأخيه الامام الحسين (عليه السلام)، تلك اللحظات انبثق منها هذا الحب اللامتناهي، حيث جعلته تلك التضحيات خالدا ومحبوبا من كل القلوب.

هذا الموقف يعد من الآثار الوضعية لمواقفه التي وقفها في كربلاء، ولابد أن نسعى ونعمل لكي نغرس هذا الحب اللامتناهي في أجيالنا، ونربي أنفسنا وأبنائنا ومجتمعنا على هذا الحب، عبر بناء وتقويم أنفسنا من خلال بناء الشخصية العباسية والحسينية الصالحة، حتى نستطيع أن ننشئ جيلا صالحا بطلا وشجاعا، لا يخاف إلا الله سبحانه وتعالى.

هذا هو السبب الذي جعل من أبي الفضل رمزا للتقدم في حياتنا، فعلينا أن نسير على سيرته ونحبه حبا جما، والمحب لمن أحب مطيع، فلابد أن يطيع العباس (عليه السلام) ويحاول أن يحقق شيئا من هذا الحديث، كي تصبح عنده بصيرة بالحياة، ويفهم ويتعلم كي يطّلع على الحقائق والمعاني في الحياة، يجب أن يتعلم ويتفكَّر من اجل أن يكون في طريق أبي الفضل (عليه السلام).

أيُّ سرٍّ يكمن في هذا الحب العظيم العجيب لأبي الفضل!!، فالإنسان عندما يدخل إلى ضريحه المقدس ويستمع إلى اسمه، يتفاعل تفاعلا وجدانيا كبيرا، ويشعر بالراحة والاطمئنان النفسي لأنه عند أبي الفضل (عليه السلام)، نرفع أيدينا بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا من السائرين على طريق أبي الفضل العباس والإمام الحسين (عليه السلام)، ومن السائرين في مسيرة صالحة، فيها العلم والفكر والبصيرة والإيمان القوي، واليقين التام بديننا وبمذهبنا وبأهل البيت عليهم السلام.

* نص حوار من مجموعة حوارات بثت على قناة المرجعية في أيام عاشوراء 1443

اضف تعليق


التعليقات

مهدي مشتاق
العراق
بحق الامام العباس بشفاء اختي2022-07-11