التكريم يدخل ضمن إطار التشجيع والإطراء، لهذا السبب تشكلت جوائز متنوعة لمكافأة المبدعين، جوائز عالمية ومحلية، ومنها جوائز كبرى تعود على الفائز بشهرة كبيرة تفتح أمامه آفاقا مادية ومعنوية يحلم بها الجميع، ويأتي التكريم بصور وأشكال متنوعة، ولا ينحصر في جانب دون سواه، فيمكن تكريم من يقدم أعمالا ادبية وفنية وثقافية وفكرية وعلمية متميزة، ويمكن أن يكرّم العامل اليدوي، والماهر وغيرهما، كما يمكن تكريم الطالب في المراحل الدراسية كافة، ويمكن تكريم عامل التنظيف والطبيب والمرأة التي تنجح في مجال ما.

وتحت هذا التنوع في التشجيع والتكريم، هناك دافع مهم يقف وراء القيام بمثل هذه الخطوات التشجيعية، ومن أقوى هذه الدوافع، هو إشعار (المبدع) الذي يتم تكريمه بأنه موهوب ومتميز، وأن المجتمع يكن له الاحترام والاعتراف بقدراته ومواهبه، وأن عليه أن يواصل تقدمه الى الأمام لكي يقدم خدماته للمجتمع، وفي الوقت نفسه يفيد نفسه من الناحيتين المادية والمعنوية، وبالنتيجة تكون الفائدة ذات بعدين، الأول ذاتي يعود بالنفع على الموهوب نفسه، والثاني يقع خارج اطار الذات ويدخل في اطار الجماعة حيث تتحول الفائدة نحو تطوير المجتمع.

ويمكننا أن نتصور مجتمعا يتكون افراده من الموهوبين في اداء اعمالهم، وهم من السعاة نحو الابتكار دائما، والجادين في البحث عن المختلف المتطور المغاير للسائد، في هذه الحالة لا شك أننا سوف نكون أمام مجتمع متميز يضج بالمواهب والابتكارات التي تجعله في صدارة المجتمعات دائما، يحدث هذا في المجتمعات المتطورة وقلما نجده في المجتمعات المتأخرة.

في الدول التي تقودها أنظمة فردية أو عسكرية، تنحسر فرص التكريم، ويقل عدد الموهوبين والمبدعين، وتضمحل الكفاءات، مقابل ازدهار التملق وتغييب قاعدة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي ظل أنظمة سياسية وهذه يشعر الشعب بحالة من التحقير والإهمال، وغالبا ما تطوله الإهانة بسبب الاهمال الذي يتعرض له المبدعون والموهوبون، ليس هذا فحسب، بل تشن الجهات الحكومية المتخلفة حروبا ضد الكفاءات، فيطولها الإقصاء والإهمال المتعمد، ما يدفعها الى الهجرة خارج البلاد بحثا عن فرصة مناسبة، وهذا هو الهدف الذي تسعى له الحكومات الفاشلة.

هنا يعيش المجتمع تحت هاجس الشعور بالظلم، وحصر الاهتمام بالعناصر المقربة والساندة للنظام السياسي، فتكون المحسوبية والحزبية والمناطقية والولاء السياسي هي المعايير التي يتم من خلالها تكريم المثقف او العامل او الموظف.

الجميع يرغب بالتكريم

في المجتمع العراقي، نلاحظ في الوقت الحالي انتشار ظاهرة (التكريم)، يدعمها نوع من التكالب على التكريم في معظم ميادين العمل والابداع المختلفة، الحكومية منها أو الأهلية (منظمات المجتمع المدني/ الاتحادات/ النقابات)، الى درجة انعدام المقاييس الصحيحة لهذا الاجراء، ويعزو المختصون بدراسة المجتمع وعلم النفس، هذه الظاهرة الى الاوضاع التي كان يعيشها العراقيون في ظل الانظمة التي أهملت الكفاءات، وحصرتها بمن يؤيد النظام السياسي ويثبت ولاءه له، لذلك بات الجميع يتطلعون الى الاطراء والتشجيع تعوضا عن الاهمال السابق الذي تعرضوا له.

ومع كثرة المؤسسات والمنظمات والدوائر التي اخذت على عاتقها نشر ظاهرة التكريم، إلا أن هناك بعض الشوائب التي رافقت هذه الظاهرة، وقد أشرنا الى منهج الانظمة الفردية في وضع المعايير الخاطئة للتكريم وحصرها بمؤيديها فقط، او بأصحاب المناصب العليا من المسؤولين والموظفين، لذلك نأمل أن لا تتكرر هذه المعايير في ظل الاوضاع التي يعيشها العراقيون اليوم، على الرغم من أنهم يحاولون التعويض عما لحق بهم من ظلم في هذا المجال.

نعم كلنا نتذكر أن التشجيع الحكومي كان من نصيب المسؤولين الكبار في الدولة، او ذويهم أو المقربين منهم، بعيدا عن العدالة في هذا المجال، فالموهوب الحقيقي يتم إبعاده، ولا يتم شموله بالتكريم، فيما يمنح المقرب من المسؤول او المسؤول نفسه امتيازات وعطاءات لا يستحقها، هذا التكريم الظالم الذي غالبا ما يأتي على حساب ألاخرين الحقيقيين جعل الناس تشعر بالغبن، ومن حقها أن تشعر بذلك، لأنها تلاحظ بعينها كيف يتقدم عليها من هو اقل منها موهبة وابداعا، ولكن لأنه ابن مسؤول كبير في الدولة يحصل على فرصة التكريم، بدلا ممن يستحقها بالفعل.

هذا ما كان يحدث في ظل الانظمة العسكرية والفردية السابقة، بسبب غياب المعايير الدقيقة للتكريم، أما اليوم فنحن ازاء تكرار الظاهرة نفسها، فهناك كما ذكرنا تعطّش شعبي للتكريم، الكل يريد المكافأة والتشجيع، والكل يريد أن يبدو متميزا، والكل يريد أن يثبت بأنه ذو كفاءة، لا بأس في ذلك عندما تكون المعايير سليمة وصحيحة، ولا نريد تكرار معايير الزيف السابقة، ولكن للأسف حدثت أخطاء في هذا المجال، أي تم تكريم من لا يستحق واهمال من يستحق التكريم، حدث هذا في اكثر من مؤسسة حكومة ومنظمة مدنية، لماذا؟؟.

شاهد عيان من الواقع

قبل مدة ليست بعيدة، قامت إحدى المؤسسات التربوية في إحدى المحافظات (مديرية تربية محافظة)، برعاية مهرجان يحتفل بالطاقات الطلابية والشبابية، وتم استقبال وفود تربوية من محافظات أخرى، وتم تقديم كلمات للمسؤولين بهذه المناسبة، ولا بأس في ذلك، فالمعتاد أن يتم إلقاء كلمات في مثل هذه المهرجانات، مع أن المطلوب تجديد طريقة تقديم هذه الفعاليات وبث روح جديدة فيها، وليس جعلها حكرا على كلمات المسؤولين المعروفة مسبقا، والتي لا تقدم جديدا في مجال الابداع والابتكار.

بعد ذلك قدم مجموعة من الطلبة عملا مسرحيا جميلا وهادفا، نال إعجاب الجميع، الجمهور والمسؤولين والموظفين الحاضرين على حد سواء، الدليل على ذلك، حسن المتابعة والإصغاء والتفاعل مع العرض، فضلا عن المتابعة الجماهيرية، مع تميز المضمون الفني والفكري الذي تم تقديمه على خشبة المسرح، وقد نال هذا العمل استحسان وتفاعل الجميع بلا استثناء، حيث شارك فيه مجموعة من الشباب والأطفال، وبرعوا في تقديم أدوارهم الفنية، بالإضافة الى جهود الكادر الذي اشرف على هذا العمل الراقي.

بالنتيجة، ماذا حدث، لقد انتهت هذه الفعالية بما لم يكن في الحسبان، لقدم تم اهمال أجمل المواهب، وتم استثناءهم من التكريم، وتم تحويل استحقاقهم الى المسؤولين الذين هم ليسوا بحاجة الى هذا التكريم لسببين، أو هم بالفعل لا يحتاجونه مثل حاجة الطلاب له، وثانيا لم يقدم المسؤول شيئا يستحق عليه التكريم في هذه الفعالية او هذا المهرجان.

فقد تم تقديم الشهادات التقديرية للمسؤول الفلاني والمسؤولة الفلانية، تقديرا لجهودها الوظيفية التي (تأخذ مقابلها أجرا، راتبا شهريا)، أما المواهب الطلابية التي هي بحاجة كبيرة لهذا التكريم، كي تكون إضاءة مهمة في حياتهم تدفعهم الى الأمام في طريق الابداع، فإن هذه المواهب تم عزلها، وتم إلحاق الغبن بها (كما كان يحدث في الماضي) حيث تتدخل (الواسطة) والمحسوبية في تقديم التكريم لمن لا يستحقه.

هذا الذي حدث بالضبط أمام مرأى عدد من المسؤولين، حيث تم إهمال المواهب الحقيقية للطلاب، مقابل ذلك تم تكريم المسؤولين الذين لم يقدموا شيئا ملموسا او مرئيا للناس الحاضرين والمتابعين لهذه الفعالية، السؤال؟؟ لماذا هذا الإجحاف، وهل المسؤول أولى بالتكريم من الموهبة التي لا تزال في بداية الطريق، علما أنهم برعوا على خشبة المسرح وقدموا عملا فنيا يستحقون عليه التكريم والتشجيع والإطراء، لكن كالعادة لم يكن المسؤولون منصفين هذه المرة أيضا!.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
العراق
ياريت يتوقف الامر عند عدم التكريم، لدينا شواهد على قتل الابداع وتخريب المعنويات في بعض المدارس، من قبل بعض الاساتذة للأسف. مع الشكر الجزيل على مقالك الرائع استاذ علي حسين عبيد، حقاً انها مشكلة كبيرة وخطيرة ايضاً.2016-04-19