من الغرابة حقا أن لا نعثر في واقعنا السياسي العربي والعراقي، على شخصية قيادية تفكر بتحقيق الإنجاز النموذجي الذي يجعلها تصطف إلى جانب الشخصيات العظيمة في تاريخ البشرية، كما حدث في أمم أخرى، ولا نعرف ما هي الأسباب التي تقف وراء انسداد شهية القادة السياسيين عن النموذجية في القيادة واتخاذ القرارات وتنفيذها.

هناك من يعزو ذلك إلى استشراء النزعة المادية في نفوس البشر حاضرا، أي أن المدّ المادي اجتاح عالمنا حاليا، مما تسبب في ندرة أو غياب التطلّع إلى النموذجية القيادية في العالم العربي، وقد يكون هذا السبب مقبولا إذا ما اعترفنا بأن العصر الراهن حقق قفزات هائلة على المستوى المادي، بينما بقي الجانب المعنوي والفكري يراوح في مكانه، لاسيما في العراق وفي الدول العربية، حيث نجد تطورا ماديا عمرانيا لا يوزيه تطور فكري أو معنوي.

إن صفحات التاريخ تحتفظ لنا بأسماء وشخصيات فرضت نفسها بقوة إنجازاتها للبشرية، ليس في العلوم وحدها، أو في الآداب والفنون، ولا في السياسة، بل في مجالات قد يصعب حصرها، برعت تلك الشخصيات وثبَّتتْ أسماءَها ومنجزاتها في التاريخ الذي حفظ تلك الأسماء والشخصيات وخلَّدها استنادا لما قدَّمته لشعوبها أو دولها أو للبشرية كلها.

شخصيات نالت الخلود

لم يسبق لشخصية نالت درجة الخلود إلا بعد أن تخلَّت عن رغبة الاستحواذ والطمع وهزمت الهوس المادي وتحلّت بمبدئية ثابتة، فجميع الشخصيات الخالدة هي تلك التي ترفَّعت عن المكاسب غير المشروعة، وأعظمها تلك الأسماء التي بنت أمما ودولا قوية مستقرة سواء عبر المسار الأخلاقي أو النموذج الكفاحي المبدئي.

كل تلك الشخصيات لم تخطط للفوز الذاتي، بل في الغالب أنها خسرت الكثير في حياتها لكنها ربحت الخلود عبر ما قدمته لدولها ولشعوبها، كما فعل غاندي مثلا أو نلسن مانديلا، والسؤال المهم هنا لماذا تلاشت الرغبة في التميّز والنموذجية عند السياسي العراقي وحتى العربي، وكيف يمكن معالجة هذا الخلل لأن الأجيال القادمة سوف تبحث عمّا قدمه السابقون من منجزات قيادية في السياسة وغيرها.

لماذا لم يفكر ساسة وقادة العراق اليوم بهذا الهدف الكبير، وأقصد به هدف الخلود التاريخي، لماذا لم يفكروا بأن يكونوا رجال دولة، وبناة حاضر ومستقبل، ثم لماذا هذا الانغماس المعيب في الكسب المادي واللهاث وراء المغانم، وإهمال الأهداف السامية التي يجب أن تتفوق على الدنيوي المادي؟، ألا توجد شخصية واحدة من بين المئات من الساسة تطمح لأن تكون مثل غاندي مثلا، لاسيما أن التاريخ العراقي والعربي يحتفظ بشخصيات خالدة كثيرة.

انزلاق غريب نحو المادية

إن الذي يتابع الأوضاع السياسية والعامة في العراق، وفي دول عربية أخرى، سوف يلاحظ بسرعة وبوضوح ذلك الانزلاق الغريب نحو الماديات على حساب القيم والأخلاقيات والمبادئ، وكأن قادة أو ساسة اليوم لا يعنيهم الخلود، ولا تثبيت المنجزات التاريخية بأسمائهم، إنهم ببساطة لا ينظرون إلى أبعد من أقدامهم، ولا يفكرون بأكثر من يومهم الذي يضج بالامتيازات والمصالح الآنية التي يريد أن يمسكها بيده الآن، ولا يفكر بالغد القادم.

نحن لا نريد أن نعمم هذه الحالة، ولكن حتى الآن لم تظهر لنا شخصية عراقية تمكنت من تقديم النموذج المبدئي في الساحة السياسية، وليس هناك سياسيا واحدا استطاع أن يمنح العراقيين بارقة أمل بالتغيير نحو الأفضل، فالجميع كما يبدو يتصارعون على السلطة، وبالتالي على المناصب والامتيازات، ولم نلحظ اختلاف أحدهم عن الآخرين ونزوعه نحو المبدئية والنموذجية التي سبق أن خلَّدت شخصيات تستحق الخلود.

صحيح إن الاختلاف والنموذجية ليست حكرا على الساسة، فهناك أدباء ومفكرون ومهندسون وغيرهم، تخلدت أسماءهم عبر منجزاتهم التي خلَّفوها للبشرية ورحلوا، ولكن مضمار السياسة وظهور القادة السياسيين النموذجيين هو الأكثر وضوحا وتأثيرا في الناس لأن هؤلاء استطاعوا أن يغيروا دولا وأمما ونقلوها من الأسوأ إلى الأفضل دائما.

نحن نحتاج كعراقيين إلى أن يفكر ساستنا بالاختلاف والتميّز عبر المبدئية والنموذجية الأخلاقية، نحن نحتاج إلى النموذج القيادي السياسي الذي يتفوق على ذاته، ويلجم ملذاته، ويسمو بأهدافه عاليا ويحترم مبادئه، حتى يوفِّر لنا وللقادمين النموذج و (الإنجاز التاريخي) الذي نسير في ضوء خطواته، ولكي لا يخلو حاضرنا من الشخصيات التي يُكتَب لها الخلود والتفرّد عبر ما تنجزه تاريخيا، وليس عبر ما تكتنزه من أموال وقوة وجاه تحت ضغط النزعة المادية المتجبّرة.

اضف تعليق