أي حدث يمضي على زمان تطويه سجلات التاريخ، تقرأه الاجيال القادمة كحدث تاريخي، كذا الحال بالنسبة للابنية مثل القصور والقلاع وسائر المعالم الأثرية الدالة على أصحابها الماضين، تمثل أشياء جامدة، مع شيء من الانبهار والإكبار عن حجم المنجزات العلمية على يد انسان ذلك الزمان، تضاف اليها مسحة من الجمال تحولها الى موقع سياحي يدر على أهل البلد مورداً مالياً لا بأس به.

هذا التاريخ نراه يتوقف احياناً عند أشخاص او أماكن لها صبغة تاريخية كونها حصلت في زمان ما، ولكنها تحظى بالحياة والروح بشكل غريب، فذلك الشخص ربما قُتل قبل قرون بعيدة، بيد أنه ما يزال يعيش بين الناس في واقعهم وحاضرهم منذ أن قتل والى أمد غير منظور، أي انه يواكب مسيرة البشرية المتقلبة في أجيالها بين الموت والحياة، لكنه هو لا يموت!

وكذا بعض الأماكن تعود الى قرون بعيدة بيد أنها تمنح زائريها نفحات من الروح والحياة، كما لو أنهم يجلسون عند منبر رسول الله في المسجد النبوي، يستمعون إرشاداته وأحكامه، وكما لو أنهم يجلسون أمام أمير المؤمنين في مسجده بالكوفة وهو يتحدث عن العدالة والمساواة والزهد التكافل وتطبيق أحكام السماء، أما في كربلاء فلن نضيف على ما يستشعره المحبون والموالون من آلام ومصائب جرت على هذه الارض منذ اربعة عشر قرناً.

التاريخ الحيّ ثروة عظيمة

يفسر العلماء خلود الاشخاص والاماكن في التاريخ، ثم احتفاظهم على حيايتهم المستدامة بارتباطهم بثوابت في الانسانية والحياة والكون، فهناك مفاهيم وقوانين ثابتة ضمن ثنائيات في الوجدان البشري لا يجادل في وجودها أحد، مثل الخير والشر، والحق والباطل، والجمال والقبح، والعقل والجهل، رغم اختلاف الفلاسفة والمفكرين في الطريق المؤدي الى هذه الثنائيات.

مثال ذلك؛ القرآن الكريم الذي ظهر أول مرة منذ أكثر من 1444سنة، مع ذلك فهو لا يعد تحفة تاريخية على الاطلاق، ليس في نظر المؤمنين به، بل حتى لدى طائفة كبيرة ممن لا يؤمنون به، وايضاً؛ حياة النبي الأكرم، والأئمة المعصومين من بعده، وهم صنو القرآن الكريم والامتداد الطبيعي لرسالة السماء، كان وجودهم –ومايزال- بمنزلة الترجمان لما جاء فيه من تلكم الثنائيات وايجاد المصاديق العملية في واقع الانسان يستفيد منها لحل مشاكله وقضاياه المعاصرة.

فمن يتطلع الى التقويم المعلّق على الجدار وفيه ما يذكرنا بالمعصومين من أفراح وأتراح، يثير في كومنا المشاعر والعواطف قبل أي شيء، فالذكرى وليد الحب المكنون في القلب إزاء الآخر البعيد، فاذا كان مضمون الذكرى ولادةً فهي باعثة على الفرح والسرور، وإن كانت تحمل صور الاستشهاد والاضطهاد فهي باعثة –قطعاً- على الحزن والأسى.

واذا اتفقنا على أن المعصومين، عليهم السلام، هم صنو القرآن الكريم، ومعاً يشكلون الثقلين اللذين أوصى بهما النبي الأكرم الأمة بالحفاظ عليهما وعدم التهاون في أمرهما الى يوم القيامة، فان أهم وأبرز عامل لحيوية القرآن وخلوده؛ دعوته للإنسان الى تحكيم العقل والتفكّر في كل شيء، وعندما نكتب ونتحدث عن حياة المعصومين في سني حياتهم؛ القصيرة منها والطويلة، فنحن نشير الى إرث خاص بكل واحد منهم، وليس فقط لحظة الولادة، او لحظة الوفاة، التي لا تعدو ان تكون دقائق معدودة سبقتها مواقف، وحكم، وتعاليم قدموها لأبناء جيلهم، فكيف نفهم كل هذا؛ هل بالبكاء أم الفرح والابتهاج؟!

نعم؛ نقرأ الحديث الشريف: "شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا"، ولكن؛ أي فرح؟ وأي حزن؟ لنقرأ الحديث المروي عن أمير المؤمنين: "كل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد"، هذه فلسفة الفرح لدى أمير المؤمنين، عليه السلام.

نحن نستذكر الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، واليوم هنالك الآلاف النساء ممن يشبهن الزهراء ظاهرياً فيما لحق بهنّ من اضطهاد وتهميش بسبب سياسات جائرة، فتحولت من الفتاة اليوم من الأمن والكرامة عند أبويها الى أرملة يحيط بها الايتام في ظروف معيشية قاسية، فعندما نريد نضع ايدينا على التقويم بحثاً عن الذكريات المتعلقة بهذه السيدة العظيمة، يجدر بنا أن نضع ايدينا ايضاً على أبواب النساء الأرامل، وايضاً ممن يعانين شظف العيش بسبب مرض الزوج او عوقه، ونقدم المساعدات باسم الصديقة الزهراء، لتكون رسالة بأن هذه السيدة العظيمة إنما خاضت المواجهة مع الباطل والانحراف في زمانها لتضمن للأمة الاستقامة على الطريق، وأن يسود العدل والأمن، والسلام، والفضيلة، وهكذا الحال في ذكرى ولادتها الميمونة، يجدر بنا تذكير نساء العالم –وليس فقط نسائنا- بأن الحجاب الذي كانت ترتديه الزهراء لم يكن جزءاً من الملابس حتى يطاله التطوير والتحديث مع الزمن لتتدخل فيه الأذواق والموديلات، بقدر ما هو يعبر عن فلسفة العفّة والكرامة للمرأة، فان تحقق فهو حجاب، وإلا فلا.

هذه القضية المتعلقة بالمرأة، الى جانب قضايا العلم والمعرفة، وبناء الشخصية، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وغيرها كثير من مسائل الحياة، تجعل حياة المعصومين مندمجة الى حدٍ كبير في حياتنا اليومية، نتلمسها في الأسواق، والمدارس والجامعات، والمحاكم، وفي كل مرافق الدولة، وفي مجمل حياتنا الاجتماعية.

خلّيها بعد الزيارة! مثالاً

يتصور البعض أنه منح الزيارة الاربعينية التكريم والاحترام عندما تريّث في الانطلاق بأعمال الاحتجاج ضد النظام السياسي في العراق وما ألحقه بالشعب طيلة السنوات الماضية من فقر وبطالة وحرمان بسبب الفساد المريع وهدر المليارات من ثروة الشعب العراقي، فهو ينتظر انقضاء فترة الزيارة المليونية ليتفرغ المحتجون الى أعمالهم الاحتجاجية بعيداً عن هذه الذكرى، ولتكون خالصة للشارع وللزائرين من كل انحاء العالم، ولا تشوش على أحد، في حين إن هذه الزيارة تحديداً، دون سائر الزيارات هي من اسباب نضوج الوعي لدى افراد الأمة ما يمكنهم من تغيير واقعهم الفاسد؛ "بذل مهجته فيك لينقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة"، هكذا وصف الإمام الصادق شخصية الامام الحسين في زيارة الاربعين، بما يمكن القول: أن زيارة الاربعين بحد ذاتها تشكل تظاهرة بشرية، وليست عراقية او حتى اسلامية (عبادك)، للاحتجاج على الظلم والطغيان والتضليل، وكل ما يسبب للإنسان الهوان والذل والعذاب.

إن المعصومين، عليهم السلام، كما يعلموننا كيف نعيش ونسعد في حياتنا الاجتماعية، يعلموننا ايضاً كيف نخرج من بيوتنا لتقويم الانحراف السياسي، وأن نكون بمنزلة المعلم والمرشد للوزير والمدير والزعيم الأعلى، يرى فينا المرآة الشفافة التي تحفظ له وجهه مما يمكن ان يلحق به نتوءات او شوائب من هنا وهناك.

مما يؤسف له حقاً أن نعيش أزمات سياسية ونكبات اجتماعية واقتصادية، أراها كلها مفتعلة ولا أصل لها في واقع الانسان العراقي، ثم نتجاهل سيرة حياة طولها حوالي قرنين من الزمن منذ الهجرة النبوية وحتى غيبة الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، كلها عبر وتجارب وحلول لمختلف القضايا في ظروف وأزمان مختلفة، والمثير في الأمر، أن الجميع يدعون وصلاً بهذا التراث العظيم، وبتلكم الشخصيات الكبيرة، وأنهم شيعة لأهل البيت، عليهم السلام.

اضف تعليق