التحلي بصفة الرحمة والتراحم بين الناس من القيم الأخلاقية الفضلى التي حَثَّ عليها الإسلام، وأمر أتباعه بالتحلي بها، والعمل بمقتضاها؛ لما لها من فوائد كبرى في بناء الاجتماع الإنساني.

فقد أكدت النصوص الدينية على أهمية التحلي بصفة الرحمة والتراحم بين المؤمنين، وتجنب القسوة والغلظة والفظاظة في التعامل مع الآخرين.

فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «الراحِمونَ يَرحَمُهُم الرّحمنُ تباركَ وتعالى‏، ارحَمُوا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السماءِ»، وقوله (صلى الله عليه وآله): «إنّ اللَّهَ رَحيمٌ يُحِبُّ الرَّحيمَ، يَضَعُ رحمَتَهُ على‏ كُلِّ رحيمٍ»، وقوله (صلى الله عليه وآله): «إنّما يَرحَمُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ»، وقال الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «أحسِنْ يُحسَنْ إلَيكَ...، إرحَمْ تُرحَمْ».

لأن صفة الرحمة من الصفات الأخلاقية الرفيعة، وهي دليل على صفاء القلب وطهارته ونظافته؛ فعلى المؤمن أن يكون رحيماً بنفسه أولاً، ورحيماً بأهله، ورحيماً بأصدقائه، ورحيماً بجيرانه، ورحيماً بأبناء مجتمعه، بل ورحيماً حتى بأعدائه!

فلابد أن يرحم الناس بعضهم بعضاً، وأن يعطف بعضهم على بعض، وأن يشفق بعضهم على بعض، وليس أن يتعاملوا مع بعضهم بقسوة وغلظة وفظاظة لأنه خلاف التعاليم الدينية، والفطرة السليمة، ومنطق العقل.

فمن الصفات البارزة في شخصية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) صفة الرحمة والعطف والشفقة والرأفة، فقد كانت (عليها السلام) في غاية الرحمة والعطف، وفي منتهى الشفقة والرأفة.

فالمرأة بطبيعتها الأنثوية هي ينبوع الرحمة والعطف والرأفة والحنان، فكيف إذا كانت هذه المرأة هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين؟!

ان السيدة الزهراء (عليها السلام) قد سارت بسيرة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يتميز بعظيم الرحمة، حيث كانت الرحمة صفة من صفاته (صلى الله عليه وآله)، وسمة من سماته البارزة، وعلامة من علاماته الفارقة؛ فقد جسّد (صلى الله عليه وآله) قيمة الرحمة في جميع أبعاد حياته، قولاً وفعلاً، فهو المبعوث رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، وهكذا نهجت بضعته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) نفس النهج.

ومعالم الرحمة في سيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت في عدة مواقف مهمة: كالرحمة بأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والرحمة بزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام)، والرحمة بالفقراء والمساكين، والرحمة بجيرانها، مع ذكر مجموعة من الأمثلة والنماذج على ذلك.

كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) تفيض رحمة وعطفاً ورأفة وحناناً بأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى كنّاها بـ (أم ابيها) وذلك لكثرة رحمتها وعطفها وحنوها عليه (صلى الله عليه وآله)، وكان كثيراً ما يردد: (فداكِ أبي وأمي).

هذه الكنية تدل أيضاً على أن السيدة الزهراء (عليها السلام) قامت بدور الأم في العناية بأبيها (صلى الله عليه وآله) والاهتمام بشؤونه والرأفة به، والعطف عليه، ولذلك كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يعاملها معاملة الأم أيضاً؛ فيقوم لها ويقبل يدها ويجلسها مجلسه، كما كانت تفعل هي معه نفس الصنيع.

وفي هذا درس عظيم نتعلمه من سيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الرحمة بالآباء والأمهات، وخصوصاً في فترة الشيخوخة المتأخرة حيث يكونون بأمس الحاجة إلى العناية والرعاية، وإظهار مظاهر الرحمة والعطف والحنان لهم، وتفقد أحوالهم، والقيام بما يحتاجون إليه من مهمات وخدمات ورعاية واهتمام.

ومن معالم الرحمة عناية الزهراء (عليها السلام) بزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ورحمتها به، والاهتمام بشؤونه، والعطف عليه.

فمن صفات المرأة الصالحة، المعاشرة الحسنة، وطيب المعاملة، وأن من مظاهر الرحمة في الحياة الزوجية أن تراعي الزوجة ظروف زوجها المالية، وقدراته المادية، وعدم إجباره على شراء أشياء كمالية بما لا يتناسب مع وضعه المادي لأن ذلك قد يجبره على الاقتراض وتحمل أعباء الديون الثقيلة.

كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) لا تكلف زوجها شيئاً، ولا تطلب منه أي شيء، وعندما يعلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدم وجود طعام في البيت يقول لها: يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئاً؟

فتقول (عليها السلام): «يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهي أن تكلف نفسك ما لا تقدر عليه».

وفي هذا درس آخر من دروس الرحمة الفاطمية وهو تفهم ظروف الزوج، وعدم الضغط عليه، ومراعاة ظروفه المادية، والرحمة به، وعدم تكليفه بما لا يطاق.

نعم يستجب للزوج إذا كان مقتدراً أن يوسع على عياله، وأن لا يبخل عليهم بشيء، فقد روي عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته وتلا هذه الآية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾، قال: الأسير عيال الرجل ينبغي إذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم»، وعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: «أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله»، وعن ابن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام)، قال: قال: «صاحب النعمة يجب عليه التوسعة على عياله».

ومن معالم الرحمة عند السيدة الزهراء (عليها السلام)، أنها كانت رحيمة بالفقراء والمساكين والضعفاء والعجزة، فكانت تتبرع بأجود ما لديها إليهم، وعندما لا يوجد عندها ما تنفقه عليهم تتبرع ولو بطعامها وطعام أولادها وزوجها؛ إذ كانت من المعنيين - مع زوجها وولديها - بقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿76/8﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾.

وما كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) ترد سائلاً يسأل، أو طارقاً يطرق باب بيتها؛ بل تتبرع إليه بما تستطيع، حيث سجلت لنا كتب التاريخ نماذج مشرقة من سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) في البر بالفقراء والمساكين، وقد أعطت أروع صور العطاء والإنفاق والبذل والبر بالمحتاجين، عندما تصدقت بثوب زفافها ليلة عرسها لفتاة فقيرة من الأنصار!

وفي إحدى المرات عندما جاء إليها فقير يطلب منها المساعدة ولم تجد لديها ما تعطيه من مال، نزعت عقدها وأعطته إياه وقالت له: بعه وأشترِ به ما تحتاج إليه.

ومن تجليات الرحمة عند السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أيضاً أنها كانت تتفقد شؤون جيرانها وتساعد من يحتاج منهم إلى المساعدة أو قضاء حاجة أو تسهيل أمر من أمور الحياة.

يذكر لنا التاريخ صوراً رائعة من اهتمام السيدة الزهراء (عليها السلام) بجيرانها، إذ كانت تطحن الحب من الحنطة والشعير لفقراء جيرانها الذين يعجزون عن الطحن، كما كانت تستقي الماء بقربة فتحمله لضعفاء جيرانها من الذين لا يتمكنون من جلب الماء بأنفسهم.

وفي هذا درس آخر من سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) في الاهتمام بالجيران، والعطف عليهم، والبر بهم، وتفقد أحوالهم، والرحمة بهم والعطف عليهم مادياً ومعنوياً، فعلينا العناية بجيراننا، وتفقد أحوالهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم اقتداء بما كانت تفعله الزهراء (عليها السلام).

ونحن إذ نستذكر سيرة سيدة النساء الصديقة الزهراء (عليها السلام) علينا أن نأخذ منها درساً في الرحمة والتراحم، والعطف والتعاطف، فنرحم بعضنا البعض، ونعطف على بعضنا البعض.

وإذا ما أراد الإنسان أن يرحمه الله تعالى فعليه أن يرحم خلق الله، فقد قال الإمام علي (عليه السلام): «أبلَغُ ما تَستَدِرُّ بهِ الرحمَةَ أن تُضمِرَ لِجَميعِ الناسِ الرحمَةَ».

وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال له: أُحِبُّ أن يَرحَمَني رَبّي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « ارحَمْ نَفسَكَ، وارحَمْ خَلقَ اللَّهِ يَرحَمْكَ اللَّهُ».

أما عدم الرحمة بالناس فيمنع نزول الرحمة الإلهية، فقد قال الإمام علي: «مَن لم يَرحَمِ الناسَ مَنَعَهُ اللَّهُ رحمَتَهُ».

اضف تعليق