مايكل جيه. بوسكين

 

ستانفورد– تفيد التنبؤات الاقتصادية لعام 2017 أن ضعف النمو الاقتصاد العالمي سيستمر بالنسبة لمعظم البلدان والمناطق. ومن بين المشاكل الاقتصادية الواضحة: البنوك الأوروبية الضعيفة، وسوق العقارات البشع في الصين، وعدم اليقين السياسي في الغرب، والديون الخاصة والعامة المرتفعة جدا - 225٪ من الناتج الإجمالي المحلي ، وفقا لصندوق النقد الدولي - ونفور اليونان والبرتغال المثقلان بالديون من الاٍمتثال لبرامج صندوق النقد الدولي.

هناك مخاطر اقتصادية عالمية إضافية، مثل عدم وضوح خلل كبير في سوق النفط والذي يمكن أن يدفع الأسعار نحو الارتفاع، والتي تلقى اهتماما أقل. يُسمي الاقتصاديون مثل هذه الأحداث بـ"الصدمات" تحديدا لأنها تأتي بشكل غير متوقع ويمكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى.

وقد جعلت الحوافز النقدية غير المسبوقة والعوائق الضخمة المتعلقة بالدين العام الحكومات غير قادرة على معالجة الانكماش الاقتصادي المقبل عندما سيحدث. ربما لن يكون الركود القادم سيئا كما في السابق، ولكن من الأفضل أن تكون الاٍقتصادات المتقدمة على استعداد لذلك إذا كانت ستخضع لتطبيع السياسة النقدية تدريجيا وستضبط أوضاع المالية العامة في حينها.

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، فاٍن معدل البطالة في الولايات المتحدة، حوالي 5٪، على مقربة مما يعتبره معظم الاقتصاديين بالتشغيل الكامل، ومن المتوقع أن يرفع المجلس الاحتياطي الاتحادي سعر الفائدة مرة أخرى في ديسمبر. لكن يسير الاحتياطي الفيدرالي بوتيرة بطيئة جدا.

سيقوم البنك المركزي الأوروبي على الأرجح بتمديد برنامج السندات الشرائية. ولديه سبب للتشكيك في نتائج سياسة التيسير الكمي، نظرا إلى أن معدل البطالة في منطقة اليورو لا يزال يبلغ حوالي 10٪، مما يدل على وجود فجوة إنتاج كبيرة. وفي الوقت نفسه، سيستمر الاقتصاد الياباني في حالته المضطربة، وذلك لأن بنك اليابان الآن "يتعامل مع نزول العائد" في محاولة أخرى لرفع التضخم والنمو من مستوياته المتدنية الحالية.

من حيث السياسة المالية، تعاني معظم الأموال العامة للاقتصادات المتقدمة من فشل صناع القرار السياسي في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الكافية للسيطرة على نمو التقاعد العام، وإصلاح ضرائب عوائق النمو، وتحرير أسواق العمل. وقد وضعت هذه الإخفاقات السياسة المالية عبئا كبيرا على البنوك المركزية، على الرغم من أن النمو سيكون أسرع على الأرجح باتخاذ تدابير لتعزيز الإنتاجية والعرض.

في الآونة الأخيرة، بدأ يعتقد الاقتصاديون الأكثر تأثيرا بالسياسيين ذوي التوجهات اليسارية أن معدل النمو والتشغيل والدخل سيرتفع إذا احتضن صناع القرار إنفاق جديد وضخم لتمويل العجز وذلك لخلق الطلب على السلع والخدمات. ويقولون إنه مع اقتراض تكاليف منخفضة جدا، سيكون إنفاق العجز مجانا، وبذلك لن يكون هناك أي داع للقلق بشأن مستويات الديون المرتفعة.

لكن يتجاهل هذه الجدال الفجوة الكبيرة بين ما يبتكره الاقتصاديون وما يتعهد به السياسيون، وما تنقله برامج الإنفاق العام في الواقع. وكما أشار رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي "ليس هناك استثمارات عامة كثيرة بمعدل عائد مرتفع". كما ينبغي على الحكومات خفض الضرائب ومبادرات الأموال التي تجتاز اختبارات صارمة للتكاليف والفوائد. لكن عادة لا تمنح برامج الإنفاق الجديدة الواسعة دعما اقتصاديا كبيرا وفوريا.

عموما يظهر تأثير الإنفاق في المستقبل، عندما تصبح الظروف الاقتصادية في حال أفضل. كما أشار الرئيس باراك أوباما، خلال توقيع مشروع التحفيز لعام 2009، "المعاول لم تكن مستعدة". وبالمثل، فقد حاولت اليابان تحفيز الإنفاق الحكومي على مدى عقود، مع بدل قليل من المجهود من حيث النمو الاقتصادي العام.

ومن المؤكد أن العجز الكبير يكون حميدا أو مرغوبا فيه خلال فترات الركود والحروب، أو عند استخدامه لتمويل الاستثمارات الإنتاجية العامة؛ وفي تراجع عميق وطويل الأمد، مع أسعار فائدة قريبة من الصفر، يمكن لاستجابة مالية معقولة في توقيت جيد أن تساعد من الناحية النظرية على المدى القصير. لكن تشير الدراسات إلى أن التأثير المضاعف للإنفاق الحكومي - عندما يزيد الناتج المحلي الإجمالي بمعدل أكثر من الإنفاق - ينكمش بسرعة بعد بضعة أرباع، ثم يتحول إلى قيمة سلبية. في الواقع، يمكن أن يكون التأثير المضاعف سلبيا أثناء التوسعات الاقتصادية عندما تبقي البنوك المركزية على معدلات بدون فائدة، وتتوقع الأسر ارتفاع الضرائب عندما ترتفع أسعار الفائدة.

ويمكن أن تتحول مشتريات الحكومة الجديدة إلى مشاريع سياسية ذات نتائج عكسية لا تحفز النمو الاقتصادي، وهناك اقتراح آخر كثيرا ما نسمع عنه يتمثل في توسيع المدفوعات التحويلية الحكومية. بغض النظر عن حقيقة أن المدفوعات التحويلية هي بالفعل غير مستدامة ماليا في معظم البلدان (لأنها اعتُمدت وتُوسعت تحت أفضل الظروف الاقتصادية والديموغرافية)، لكن هل يمكنها رفع الاقتصاد؟

كما تناولت دراسة حديثة هذا السؤال بالذات. ووفقا للمستشارين الاقتصاديين السابقين لإدارة أوباما كريستينا رومر، وديفيد رومر من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، حتى تحويل الأموال الدائم يزيد من توفير الحوافز لبضعة أشهر فقط، لكن لا يصل إلى التشغيل. وتخلص الدراسة إلى أن الفوائد من التحويلات "غير ثابتة، وعموما أصغر بكثير من فوائد التغييرات الضريبية".

في الاقتصادات المعتمِدة على فحص وتنفيذ برامج التحفيز بعناية وبسرعة، ينبغي أن يقترن أي إنفاق حكومي مؤقت مع ضبط أوضاع المالية العامة تدريجيا، للحد من المخاطر الاقتصادية والتكاليف على المدى الطويل. كما يشير التاريخ والنظرية الاقتصادية إلى أن هذا الاندماج المالي يجب تطبيقه من خلال خفض نمو الإنفاق في المستقبل، وخاصة على المدفوعات التحويلية. كما يتعين على صناع القرار الاقتصاديين التعلم من هذا الدرس حتى يتمكنوا تدريجيا من إعادة تسليح أنفسهم. وإلا، فلن يجدوا الذخيرة الكافية عندما يكونون في أمس الحاجة إليها.

* مايكل جيه. بوسكين، أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء معهد هوفر، وكان رئيساً لمجلس مستشاري الرئيس جورج بوش الأب الاقتصاديين في الفترة 1989- 1993

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق