بالنسبة لكثير من الأشخاص قد تكون البستنة هواية جانبية لتمضية الوقت، غير أن بعض الدراسات قد كشفت وجود فوائد مذهلة لأعمال العناية بالحديقة تنعكس بشكل إيجابي على الصحة النفسية والجسدية. فما هي؟

إذا كنت ممن يبحثون عن نشاط جديد ممتع ويوفر الكثير من الفوائد الصحية، فما عليك سوى إنشاء حديقة منزلية. إذ لا تقدم لك هذه المساحة الخضراء الأزهار والأعشاب أو الخضروات والفواكه الطازجة فحسب، وإنما تقدم بحد ذاتها فوائد كبيرة لصحتك العقلية والجسدية، فالبستنة تساعد في تحسين مزاجك وتحارب الاكتئاب.

تعتبر أعمال البستنة من النشاطات البدنية المفيدة للغاية، إذ أن مهامها مثل إزالة الأعشاب الضارة والتقليم والري تعد بمثابة تمرين رياضي من شأنه أن ينعكس إيجابياً على صحة قلبك وعظامك وعضلاتك. ويوصي الخبراء بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين متوسطة الشدة من أجل التمتع بالصحة واللياقة المثالية، الهدف الذي يساعدك الاهتمام بحديقتك على تحقيقه.

إضافة إلى ذلك، خلال تواجدك في الحديقة وبفضل تعرضك لأشعة الشمس ستحصل على جرعة من فيتامين (د) الضروري لصحة العظام والوظائف الحيوية الأخرى. الجدير بالذكر أن كثير من الناس لا يحصلون على كمية كافية من فيتامين (د) لأنه متوفر فقط في عدد قليل من الأطعمة، مثل الأسماك وصفار البيض ومنتجات الألبان المدعمة. غير أن قضاء وقت قصير في الشمس من شأنه أن يلبي احتياجات الجسم من هذا الفيتامين، لكن لا تنسَ استخدام الكريمات الواقية من الشمس وقبعة إذا كنت بالخارج لأكثر من بضع دقائق، كما أن البستنة يمكن أن تكون نشاطاً عائلياً رائعاً إذ تشجع العناية بالحديقة التواصل والترابط بين أفراد الأسرة وتعليم الأطفال مهارات حياتية مثل المسؤولية والاهتمام.

من جانب آخر كشفت دراسات دور البستنة في التخفيف من التوتر والمساعدة على الاسترخاء. إذ أن أعمال الحديقة أو أي هواية مشابهة، توفر منفذاً صحياً لتخفيف حدة التوتر. ويعد قضاء الوقت خارجاً للاعتناء بالحديقة نشاطاً ممتعاً يمكن أن يساعدك على تخفيف الضغط وإعادة "شحن بطارياتك".

وقد أظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت على الأشخاص الذين أجروا مهمة مرهقة ثم قاموا بالبستنة أو قرأوا كتاباً لمدة 30 دقيقة أن البستنة تخفف التوتر بشكل ملحوظ وتساعد في تحسين المزاج حتى أكثر من المطالعة، بحسب ما نشره موقع عيادة (باتون روج) الطبية في الولايات المتحدة، ووفقاً لموقع صحيفة (الغارديان) البريطانية، فقد بدأت بالفعل عيادات بريطانية مثل عيادة كورنبروك الطبية في هولم مانشستر بوصف البستنة للأشخاص الذين يعانون من القلق والاكتئاب. إذ يتم إعطاء المرضى نباتات للعناية بها، حيث يتم زراعتها لاحقاً في حديقة عامة محددة حيث يمكنهم المشاركة في نشاط مع الآخرين وتقوية الروابط الاجتماعية.

البستنة تعالج الاكتئاب والقلق وتقي من الخرف!

قضاء ساعة واحدة بالحديقة كل أسبوع فقط، قد يحسن مزاجك ويغنيك عن مضادات الاكتئاب وآثارها الجانبية. هذا ما كشفت عنه دراسة حديثة، من فلوريدا أجريت على مجموعة من النساء. فوائد أخرى للبستنة أذهلت الباحثين!

دراسات سابقة كشفت عن فوائد البستنة على صحة الإنسان بشكل عام، لهذا ازداد الاتجاه نحو البستنة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كما يتم استخدامه حاليا إلى جانب العلاج من قبل الأطباء وعلماء النفس على سبيل المثال في حالة مرضى الخرف. غير أن دراسات حديثة أشارت إلى أن للبستنة تأثير وقائي ويمكن أن تقي من بعض الأمراض الأخرى.

لا تعود البستنة بالنفع على الصحة الجسدية للإنسان فحسب، بل أيضاً تقيه من بعض الأمراض التي تصيب الدماغ، مثل مرض الخرف. وفق دراسة أسترالية، نشرت نتائجها على الموقع الإلكتروني للقناة الإذاعية والتلفزيونية البافارية (BR)، أظهرت أن الأشخاص الذين يعملون بانتظام في الحديقة لديهم خطر أقل بنسبة 36 في المائة للإصابة بالخرف. وفي دراسة أخرى تمكن العلماء في هولندا من إظهار أن البستنة تكسر هرمون "الكورتيزول" بشكل أسرع من قراءة كتاب، وفق ما نشر الموقع الألماني.

البستنة والاعتناء بالنباتات لهما آثار إيجابية على الصحة النفسية لدى النساء بالأخص. أظهرت دراسة حديثة أن البستنة مرتين في الأسبوع يمكن أن تقلل من التوتر والقلق والاكتئاب لدى النساء الأصحاء، إذ قام باحثون من فلوريدا بفحص 15 امرأة تتراوح أعمارهن بين 26 و 49 عامًا. طُلب من النساء القيام بأعمال البستنة لمدة ساعة مرتين في الأسبوع لمدة شهر واحد.

في بداية الدراسة تم تقييم الحالة النفسية للنساء، من خلال تسجيل مستويات القلق وأعراض الاكتئاب واضطرابات المزاج والتوتر ونمط العيش وذلك مرة أثناء التجربة وأخرى بعدها. وقد أظهرت الدراسة الأمريكية، التي نشرت نتائجها من قبل المجلة الألمانية "Bunte" كان للبستنة تأثير "علاجي" على النساء. وقد أبلغت النساء المشاركات في الدراسة عن تحسن في الحالة المزاجية وأعراض الاكتئاب وحتى شعروا بضغط أقل. بشكل عام، شعرت المشاركات في الدراسة بتحسن نمط حياتهن.

كيف تحول فناء منزلك إلى حديقة ساحرة؟

شاركت خبيرة بستنة أسترالية تجديد حديقة خلفية أحد المنازل بكلفة منخفضة، وشرحت كيفية دمج المناظر الطبيعية في الديكور خلال العزل الصحي، وعملت ميليسا كينغ على تجديد حديقة ناتاشا لأول مرة في كامبرويل- فيكتوريا لتناسب احتياجاتها الخاصة، بسب معاناتها من متلازمة إيلرز دانلوس التي تقيد حركتها.

وفيما يلي نصائح ميليسا، بحسب صحيفة ديلي ميل البريطانية:

الأصص الملونة الخفيفة، تعمل أواني الحدائق ذات الألوان الفاتحة بشكل أفضل في عكس أشعة الشمس وتقليل امتصاص الحرارة، حتى لا تجف أو تسخن بسرعة، مما يعني الحاجة إلى كمية أقل من الماء. اختر الأواني المزخرفة بألوان محايدة، مثل ظلال اللون الأبيض أو البيج الرملي.

أضف كريات تخزين المياه إلى أصص النباتات، بالإضافة إلى الأواني ذات اللون الفاتح، تقلل إضافة بلورات تخزين المياه على الأصيص من الحاجة إلى الري المنتظم بشكل كبير، وتمتص هذه البلورات الرطوبة وتحتفظ بها، ثم تطلق الماء تدريجياً إلى النباتات حسب الحاجة.

اختر مواد الرصف بدلاً من العشب، الأعشاب جميلة، لكنها تتطلب الكثير من العمل للحفاظ عليها، ويساعد الحد من حجم الحديقة الخاصة بك في تخفيف متطلبات العمل، ويمكن أن يقدم المزيد من الطرق للاستمتاع بحديقتك.

وتنصح المصممة باستخدام مواد الرصف غير المسامية، مع سطح مقاوم للبقع والانزلاق، مما يوفر في متطلبات الصيانة، ويمنحك مزيداً من المساحة للجلوس برفقة افراد العائلة بين أحضان الطبيعة.

إنشاء نقطة محورية، تضيف النقطة المحورية في الحديقة مثل حفرة النار أو النافورة عنصراً إبداعياً وجمالياً، يمنحك مزيداً من أجواء السحر والتميز.

استخدم الزخارف، قامت السيدة كينج بتثبيت شاشات الحديقة الزخرفية لإخفاء المناظر القبيحة مع توفير الخصوصية، حيث تعد الشاشات بديلاً منخفض التكلفة للعناصر الأخرى مثل الشجيرات.

استخدم أصص متعددة الأحجام، يمكن تحقيق مظهر أنيق دون عناء باستخدام مجموعة من الأصص بألوان وأشكال متعددة.

الحصى، لإعطاء الحديقة مظهراً جديداً وعصرياً، طبقت السيدة كينغ مفهوم حديقة نباتية منخفضة الصيانة، يعتمد على الحصى المزخرف والحواف النظيفة، وهي طريقة عملية تخفف الحاجة إلى جز وتشذيب الأعشاب.

ازرع الأشجار وفقاً للمساحة المتوفرة، بالنسبة لحديقة لا تحتاج إلى الكثير من أعمال الصيانة، من الضروري اختيار النباتات المناسبة للمساحات المناسبة، فأنت محكوم بالمساحة المتوفرة لديك في الحديقة، ولا يمكنك زراعة أشجار ضخمة لا تتناسب معها.

كيف يُغيّر التجوّل في الحديقة مِن انسيابيّة الوقت؟

ما الذي قد لا يروق لنا في البَستَنة والعنايةِ بالحدائق؟ إنّها طَريقة مُثلى للتَنزّهِ في الهواءِ الطَلق، وتَشذيب مُخيلتنا، بعيدًا عن المشاغل اليوميّة الروتينيّة. فأيًّا كانت مرحلتكَ العُمرية، فهي شيءٌ مُفيدٌ لصِحَتّك، ويميلُ البستانيون -أو المهتمّون بالحدائق- لكونِهم أسعد غالبًا. لكنّ البَستَنة ليَستْ مُجرّدَ هوايةٍ للاسترخاء؛ فكما أشارت أبحاثٌ في علمِ النَفس أنّ الميلَ إلى البَستنةِ والاهتمام بالحَدائق يُمكن أنْ يَكون ذا تأثيراتٍ سحريّة أحدها هو تغيّر مرورِ الوَقت.

إنّني أهوى البَستَنة، إذْ أزرعُ حَديقةً في كُلّ منزلٍ أنتقلُ إليه، أو أُعيد ترميمَ وزِراعة حديقته، بإحضارِ النباتاتِ وإعادةِ تَجديد الأشياء. إنّ البَستَنة جزءُ مني، فقد اعتادَتْ عائلتي على انزوائي في الحَديقة في عُطلِ نهايةِ الأسبوع، وبِمُجردِّ أن أنَسى نفسي هناك، يَظلُّ الوقتُ ثابتًا وساكَنًا؛ فيحَلُّ الليل دونَ أن أنتبَه لمرور الوقتِ وأنا في مكاني مُنذُ الصباح.

ولَستُ وحدي مَنْ يعرفُ هذا الشَعور، فقَد وَصَف كَثيرٌ مِنْ البُستانيين في الماضي والحَاضر تَجاربَ مُمَاثِلة عن شعورهم بالانفصالِ عن حياتهم المُزدَحِمَةِ ومشاكلها حينَ يَنسون أنفسهم في الحَديقةِ أو فِناء المَنزل. إنّ الحَديقة والعِناية بها تُعدُّ مَلاذًا نلتَجِئُ إليه هروبًا مِن الضغوطِ اليوميّة. وقد أخبرني بعض الناس أنّ حدائقهم تُمَثِّلُ «خَلاصًا» بالنسبةِ لهم، وبدونها سيَفتَقِدونَ شيئًا مُهِمًا في حياتهم. هذا الاِنفصالُ الذِهني لا يتمحورُ فقط حولَ التوقّف عنْ التفكير؛ بل أيضًا حول إدراك الوَقت نفسه.

يَقول البستانيون إنّ الوقت في الحَديقةِ يبدو غالبًا أقصرَ مما هو عليه؛ حيث تَنسابُ الساعة التي خُطِّطَ لقضائها فيها بسهولة. فبداية الوقت ونهايته في الحديقةِ يَعتمدُ على المهامِ المُجدولة في ذلكَ اليوم، أو على توقيتِ الطَبيعة. وتَتنوّع المهام ما بينَ الأعمالِ التي لا بُد مِنها؛ مِثل إزالةِ الأعشابِ الضَارّة، وتَفقُّدِ نمو النباتات، ومَهام عَرضيّة من وقتٍ لآخر مثلَ تَشذيبِ العُشب. أما التوقيت الطبيعي فَيعتمِدُ على عوامل طبيعية خارج إرادتنا مثل شُروقِ الشَمس وغروبها، وتعاقُب الفصول. ويُقاس بالوقتِ الذي تَستغرقه البُذور لتَنبُت وتصير جَزرًا أو أزهارَ ذُرة، أو بمواسم قُدوم طيورٍ مُعيّنة. إنّ الالتزامَ بالتوقيتِ الطبيعي يُحتّمُ عليّ وعلى البستانيين نوعًا مِنْ الانفصالِ عنْ الإيقاعِ الاجتماعي المُعتاد كالاجتماعاتِ والمناسبات والتَنقُّل.

إنّ توقّف الزَمن جُزءٌ لا يَتجزأ مِنْ تَجربةٍ ذهنيّة تُدعى «التَدفُق الذهني». التَدفق هو حالةٌ ذهنيّة تَجعلك في حالة تركيزٍ مُكثّف، وتغمرك بشعورٍ سَعيد وأنتَ مُنهمِكٌ في عملِ نَشاطٍ تُحبّه إلى درجة أنك لا تلحظ معه أي شيءٍ، بما في ذلكَ مرور الوقت. وهذا يُشابه تَمامًا تجربتي مع الحديقة. إذْ يَجعل التَدفقُ النَشاطَ الذي نقوم به مِحور اهتمامِنا، ويُلغي الحدود بينَ الذات والنشاط. قد يَشرح لنا مفهوم «التَدفُّق الذهني» السبب الذي يَجعل مِنْ تَجربة الانغماس في الحَديقةِ مُغرية، إلا أنّه لا يَبيّن لنا بالضبط ما الذي يجذب الكثيرون إلى الحدائق في المقامِ الأول، هذا الانجذاب الذي يَنتهي بهم إلى الارتباط بها.

لعلَّ للحديقةِ دورٌ أساسي في ذلك، فِكرة أنْ نُراقِب عن كَثب ماذا يَحدث في غيابنا وما الذي علينا فِعله بعد ذلك. إنّ هذا يجعل الحديقة مُثيرةً للاهتمام وجذّابة، ويحوّل تركيزنا الذِهني للبيئة الطبيعية. في الحقيقة يُعد «الافتتان» أحد جوانب نظرية استعادة الانتباه «ART»، التي طوّرها عالِما النفس الأمريكيان رايتشل وستيفن كابلان، وتم تقديمها في كتابهما «تجربة الطبيعة» 1989؛ إذْ تَصف النظريّة كيف أنّ البشر مُهيئين للانخراطِ مع العالم الطبيعي، وإيجاد الراحة فيه وتجديد النَفس. تَتمحور النظريّة حولَ تأثيرِ الطبيعة علينا وتَعلُّقِنا بها. المحور الأساسي هو أنّ للطبيعةِ القُدرة على مُساعدتنا في التَعافي مِنْ الاضطرابِ النَفسي والتَخفّف من العبء الذهني.

تَأسرُ الطبيعة اهتمامنا: النَحل الطَنّان على أزهارِ الخُزامى، وخَشخشة الأوراقِ المُتساقِطة، وعبور الغيوم، والبَراعِم المُتَفتحة، كُلّها أشياء من الممكن أن تَسحرنا. تَسرح عقولنا إلى البَعيد مع الطَبيعة، تُخرجنا قليلًا مِنْ سَطوة اهتماماتنا الشخصيّة. وإنْ كانَ جَوهر الطَبيعة مُثيرًا للاهتمام، فإنّ ازدياد احتكاك الناس بها يَسترعي انتباههم أكثر ويُخفف مِن تركيزهم على القضايا الأخرى. تَتطلب عملية استعادة الانتباه المُقَدّمة في نظرية «ART»، ثلاثة عوامل: «الامتداد، والابتعاد، والانسجام». هذه العوامل مُجتَمِعة قَد تُفَسِّر تَغيّر الشعور بالزَمن لدى البُستانيين.

إنّ فِكرةَ الهروب الجَسدي مِن الداخل إلى الخارج، وتَجربة رِقّة العيشِ في مكانٍ قَصيٍّ يَزدهر بالسلام، بعيدًا عنْ المنزل وحياة المكتب، حيثُ يُمكنني الشعور بأشعةِ الشمس والرياح تُلامس ظهري، إنّ هذه الفكرة بحدّ ذاتها تبعثُ الشفاء. إنّ هذا أحد الجوانب الأساسية في البستنة بالنسبة لي، ويَعكِس عنصر «الابتعاد» في النظرية. إنّ الاسترخاء يعني تقليل هرمونات التوتّر، وبالتالي فإن الراحة هُنا جسدية بقدرِ ما هي نفسيّة. إنّ الابتعاد -حتى لو كانَ لوقتٍ قصير- مُهمٌ للغاية للتجدد الروحيّ، وأيًّا كانت مساحتها، فإنّ الحدائقُ تَنقلنا إلى عالمٍ مُختلف. مع ذلكَ، فإنّ تَحقيق الفائدةِ النفسية يتطلب أيضًا عُنصرًا مُهمًا للأماكن وهو «الامتداد».

إنّ «الامتداد» ما هو إلا فكرة أنّ الحديقة مُرتبطِة ماديًّا وروحيًّا بحياة البستاني؛ بماضيه وحاضِره ومستقبله. إذْ يجعل «الامتداد» من الحديقة مًستودعًا للذكرياتِ والعواطِف؛ مكانًا تتقاطع فيه ذكرياتٌ مُختلفة. على سبيلِ المثال، دائمًا ما أزرع نبتة عباءة السيدة في حديقتي، ليس فقط لافتتاني بالطريقة التي تَحمل فيها قطرات الندى، ولكن لأنها أيضًا تُذكرني بأجدادي. عندما أراها أسمعُ صوت جدي ينَطق اسمها وكيف كانَ يَجدُه مُضحكًا. غالبًا ما يَتضح جُزءٌ من التاريخِ العائلي في حديثِ الأشخاص عن حدائقهم أو مُمتلكاتهم الخاصّة. وقد تتجلى الذكريات مِنْ خلال أعمالِ العناية بالحدائق، فكما أخبرني رجلٌ قابلته بأنّه عندما كان يَحفر في الحديقة قد انتبه إلى أنّه يقوم بنفس الحركات التي كانَ يقوم بها حينَ كانَ مُراهِقًا يعمل في المَصهر، وشعَر أنّ الإحساس أعاده شابًا.

إنّ ذكرى هذا الرجل المُجسّدة في الماضي تَعكس عُنصر «الانسجام». فبالنسبةِ له، كانَ ذلكَ النشاط البدني ذا معنىً نفسيٍّ وعاطفيّ، وتَنسجم البستنة مع طبيعته التي كانَ عليها في الماضي، وما يُمكنه فعله في الحاضر. إنّ الانسجام يعني امتلاكَ الوقت والقدرة على إنجازِ أشياء مُرتبطة بنا. فمثلًا زراعة الطعام الطازج مُرتبطة بدوركَ كمزَوّد غذائي للعائلة، واهتمام جارتي بالوصول إلى النتيجة المثاليةِ لزهرِ الأقحوان مُرتبط برغبتها في الفوزِ بجائزةٍ ما.

إنّ البستنة والعناية بالحدائقِ هوايةٌ ذاتَ فائدة وتَبعثُ على الراحة. تُوفّر لنا فرصةً للهروبِ والانفصالِ الذهني بعيدًا عن المشاغِل اليوميّة، وتَمنحنا لذّةً ساحِرة. ولكنّها في العُمق أكثر بكثير من ذلك. إنّ القوّة النفسيّة في جوهرها مُستمَدةٌ مِنْ قُدرة الحَديقة على تخطّي الزمان والمكان. إنّ أشكال الوقت المُختلفة والمُعقدة في رأيي تتفاعل باستمرار في محيطِ الحَديقة والبستاني. إذْ يتشابَك الماضي مع الحاضر والمُستقبل في أصيص الأزهار، ويَجذبُ البستاني لنسيان نفسه ببهجةٍ في هذا «التَدفق». وليهتم شَخصٌ آخر بأمرِ الغَداء.

اكتشف أفضل نصائح البستنة في الشرفة

بات عدد متزايد من الأشخاص يلجأون إلى زراعة نباتاتهم المفضلة في الشرفة. ولكن عادةً ما تُرتكب بعض الأخطاء عند العناية بهذا النوع من الحدائق. لحسن الحظ، يوجد طرق لتجنب بعضها، خاصة إذا كنت مبتدئًا. وفيما يلي، بعض النصائح التي من شأنها أن تساعدك على النجاح في الحصول على حديقة شرفة والتماس البهجة التي تنبع من زراعة طعامك بيدك، يفترض الكثير من الناس أن بإمكانهم النجاح في زراعة ما يريدون فقط بمجرد سقي النباتات وتسميد التربة ووضعها في أماكن مشمسة. لكن هذه الأفكار الأساسية لا تكون ناجعة دائمًا، نظرا لوجود عوامل إضافية يجب أخذها بعين الاعتبار أيضًا.

5 أنشطة للبستنة في الخريف للقيام بها مع عائلتكِ

تصنع البستنة نشاطا عائليا رائعا في أي وقت من السنة. فهي ليست مصدرا رائعا للنشاط البدني فحسب، ولكنها تمنح الجميع أيضا فرصة لامتصاص بعض أشعة الشمس في الهواء الطلق الرائع، إضافة لذلك فهي تعلم الأطفال المسؤولية وتشجع الأسر على العمل معا لتحقيق هدف مشترك.

وقالت الكاتبة ميغان غلوسون -في تقرير نشرتة مجلة "مامز" (Moms)- إنه لسوء الحظ، ومع قدوم الخريف وانخفاض درجة الحرارة، يصبح القيام بالبستنة أكثر صعوبة. ومع ذلك، هذا لا يعني أن وقتك في الحديقة انتهى لهذا العام. في الواقع، يمكنك الاستمتاع بهذه الأنشطة الخمسة في البستنة مع عائلتك خلال الخريف:

لا يمكن أن يكون الخريف نهاية العام لحديقتك إذا كنت لا تريدها أن تكون كذلك. ففي الواقع، يقول فريق "سكولاستيك" (Scholastic) إنه لا يزال هناك العديد من نباتات الخريف الرائعة والورود التي يمكنك أنت وأطفالك زراعتها هذا الخريف.

الزنبق والقطيفة وزهور النجمة والزينة كلها تجعل زهور الخريف رائعة لتنمو. إنها ملونة، وتحبها الفراشات، وهي تعمل بشكل جيد حتى مع استمرار انخفاض درجات الحرارة. وإذا كنتِ تحبين شيئا يمكنك تناوله بدلا من ذلك، فإن الخضروات مثل الجرجير والسبانخ واللفت تكون رائعة في الخريف. واعتمادا على المنطقة التي تعيشين فيها، يمكنك أيضا زراعة البازلاء أو الكرنب أو البروكلي أو البصل أيضا، ومهما كان ما تقررين زرعه، فستكون بالتأكيد عطلة نهاية أسبوع ماتعة، ويمكن لجميع أفراد الأسرة الاستمتاع بها.

التحضير لزراعة الربيع

بالنسبة للمبتدئين، يمكن التركيز على تنظيف أحواض الزهور الخاصة بهم حتى تكون جاهزة للربيع القادم. ونظرا لأن الأطفال يحبون إخراج النباتات الجافة واللعب في التراب وإزالة الأشياء المتراكمة، فيمكن أن يُطلب منهم البحث عن البذور لحفظها للزراعة الربيعية.

وإذا كنت ترغبين في الحصول على مزيد من النشاط الاستباقي، يمكن لأسرتك صنع وتزيين علامات ملصقات لأعشابك وزهورك. ويمكنك تحويلها إلى مشروع حرفي، ثم الخروج ووضعها بحيث تكون جاهزة لموسم الزراعة.

زراعة مبكرة

لا يعتقد معظم الناس أن الخريف وقت للزراعة. فبعد كل شيء، لا يفضي الطقس الأكثر برودة والليالي الباردة إلى زراعة نباتات جديدة. ومع ذلك، تقول "ديبي هوانغ" (Debi Huang) إن الوقت الحالي هو الوقت المثالي لبدء زراعة أشياء معينة.

على سبيل المثال، العديد من زهور الربيع مثل الزنبق والنرجس عبارة عن بصلات، مما يعني أنها تحتاج إلى عدد معين من الأسابيع من الطقس البارد لتنمو. ومن خلال زراعة بصيلاتها الآن، ستضمنين حصولها على الوقت الكافي الذي تحتاجه لتزدهر عندما يحل الربيع.

علاوة على ذلك، يعد الخريف وقتا رائعا لزراعة الأشجار والشجيرات الجديدة، إذ يتيح الطقس الأكثر برودة للأشجار والشجيرات الوقت لتأسيس جذورها؛ بحيث تكون مجهزة بشكل أفضل للتعامل مع طقس الصيف الحار والجاف عندما يحين الوقت. ولا يوجد خطر أيضا من إيذاء الأشجار عندما يأتي الطقس الشتوي لأنها "تصبح خامدة" خلال أشهر الشتاء الباردة.

جمع الأوراق للحصول على السماد

أحد أفضل أجزاء السقوط بالنسبة لمعظم الأطفال هو اللعب في أوراق الشجر. ولكن ماذا يحدث للأوراق بمجرد الانتهاء من كل هذا المرح؟ حسنا، تتكسر الأوراق في النهاية، وتصنع سمادا ممتازا لحديقتك المستقبلية. كما أنها تساعد في تكوين نوع من النشارة الطبيعية التي تمنع نمو الأعشاب الضارة في حديقتك، والتي يمكن أن تساعد حقا عند حلول فصل الربيع.

لهذا السبب، يوصي الفريق في مجلة "بيرنتس ماغازين" (Parents Magazine) بجمع كل الأوراق الموجودة في حديقتك وإما وضعها في كومة السماد أو مزجها في تربة حديقتكِ حتى تتمكن من توفير العناصر الغذائية لنباتاتك في الخريف المقبل.

تنظيف أواني طعام الطيور

تكافح الطيور للعثور على الطعام؛ حيث يزداد الطقس برودة، لذلك سوف تلجئين إلى أواني طعام الطيور في الفناء الخاص بك. وإذا كان لديك بعض من هذه الأواني في حديقتك، فهذا هو الوقت المثالي لتنظيفها وملئها بالكثير من بذور الطيور اللذيذة.

ووفقا لـ"ذا سبروس" (The Spruce)، فأنتِ تريدين توفير مزيج من البذور التي ستجذب مجموعة متنوعة من الطيور. ستحتاج إلى علف يحتوي على بذور عباد الشمس والذرة والمكسرات وبذور الشوك. ستحب الطيور حقيقة أنك تقدم لها طعاما لذيذا وسيحب الأطفال مشاهدة الطيور تدخل الفناء طوال فصل الشتاء.

قد تبدو الأيام أقصر والليالي أكثر برودة في الخريف والشتاء، لكن هذا لا يعني أن الوقت قد حان للتخلي عن الحديقة طوال العام. فمع هذه الأنشطة الخمسة المقترحة، من المؤكد أن عائلتك ستستمتع بوقتها في الحديقة.

10 نصائح تساعدك على زراعة النباتات في الشرفة بنجاح

قد ترغب في البدء في شراء الأصص والتربة والبذور والشروع في الزراعة مباشرة، لكن عليك أن تتحلى ببعض الصبر. أولاً، فكر فيما تريد وتستطيع زراعته من خلال تقييم المساحة المتوفرة في شرفتك وخصائصها.

1. الشمس

يجب عليك اختيار النباتات المحبة للظل أو تلك التي تحتاج للكثير من أشعة الشمس اعتمادًا على إطلالة شرفتك ومدى تعرضها للشمس. تحتاج الخضر مثل الثوم والبروكلي والكوسا والبصل والخرشوف والخيار والطماطم والبقدونس والفاصوليا ما بين خمس إلى ست ساعات من ضوء الشمس المباشر كل يوم. في المقابل، لا يحتاج السلق والكرفس والخس والملفوف والسبانخ والفجل إلى الكثير من الضوء.

حتى النباتات المحبة للشمس يجب أن تُغطى في مرحلة نموها الأولى بالنباتات الأكبر حجمًا لمنع الجذور من الجفاف ووريقاتها من الاحتراق. وإذا لاحظت أن النباتات تنمو للأعلى أو ليست مورقة كما ينبغي في الجزء السفلي، فذلك يعني أنها تحتاج إلى المزيد من ضوء الشمس.

2. الأصص

تحتاج النباتات سريعة النمو مثل الخس والملفوف والسبانخ إلى أصص يتراوح عمقها ما بين 15 إلى 23 سنتيمترًا. وبإمكانك وضع عدة أصص داخل وعاء طويل أو مربع الشكل، على بعد حوالي عشر سنتيمترات عن بعضها البعض. أما الخضروات الثمرية، مثل الطماطم أو الكوسا أو الباذنجان أو الخيار، فتحتاج إلى أصص بعمق 40 إلى 46 سنتيمتر تقريبا.

تأكد من وجود فتحات تصريف في الأصص للسماح للماء الزائد بالتسرب. وقم بقياس المساحة المتاحة على الشرفة الخاصة بك، وبناءً على ذلك، حدد عدد وحجم الأصص التي ستستخدمها.

3. تربة التأصيص

في الجزء السفلي من الأصيص، ضع حوالي 2.5 سنتيمتر من الحصى أو كرات الطين التي تسمح بالتصريف السليم للماء. أما في الأعلى، فاسقِ تربة التأصيص التي يجب أن تتكون من خليط من ألياف جوز الهند أو قش الأرز بنسبة 40 بالمئة، وتربة عادية أو تربة تأصيص متعددة الاستخدامات بنسبة 30 بالمئة، وسماد الديدان أو السماد العضوي أو السماد الصناعي بنسبة 30 بالمئة. وإن أمكن، قم أيضًا برش طبقة رقيقة من النشارة فوق الطبقة العلوية من التربة. سيمنحك هذا المزيد من عناصر التسميد ويمنع الماء من التبخر بسرعة.

4. البذور

سيحدد مصدر البذور مدى جودة النبات وحجمه وقدرته على مقاومة الأمراض. تأكد من شراء بذور تمت زراعتها محليًا وعضويًا. إذا كنت مبتدئًا، فمن الأفضل أن تبدأ بالشتلات التي يمكنك نقلها وزراعتها في الأصص. وعندما تكتسب خبرة وثقة أكبر، ابدأ باستخدام البذور.

5. انتبه للرياح عند البستنة في الشرفة

إن التعرض للرياح شديدة الحرارة قد يتسبب في جفاف نباتاتك أو فقدان التربة رطوبتها بشكل سريع. في هذه الحالة، قد تحتاج إلى سقيها بوتيرة أكبر. إذا كنت تعيش بالقرب من الساحل، فإن نسيم البحر سيحمل معه الأملاح التي تحرق أوراق النباتات، مما يعني أنه يتعيّن عليك حماية نباتاتك.

إذا كان الجو عاصفا للغاية في الشرفة، يمكنك وضع دعامات على الأصص لتعزيز جذور نباتاتك. ويمكنك أيضا استخدام مصدات الرياح البلاستيكية التي تعمل على عكس تيارات الرياح أو وضع الأصص بالقرب من الجدران حيث تكون محمية أكثر.

6. عملية البذار

يجب القيام ببذر النباتات بشكل مباشر (البازلاء والفول والسبانخ واللفت والجزر واليقطين والبطيخ والبطيخ الأحمر والفلفل والفجل والخيار) في المكان الذي ستنمو فيه بشكل دائم نظرا لأنها ستموت في حال تم اقتلاعها وتغيير مكانها.

يمكنك نقل النباتات التي تنمو ببطء شديد، مثل الفلفل الحار والكرفس والباذنجان والبروكلي والملفوف والقرنبيط والبصل والطماطم، من مكان إلى آخر. وهذا يعني أنه يمكنك أولا بذرها في حضانات البذور ثم زرع الشتلات في أوانيها النهائية.

7. السقي

هناك نصيحة أخرى مهمة للبستنة في الشرفة تتعلق بكيفية السقي. قبل أن تسقي النباتات، تأكد من جفاف التربة عن طريق إدخال عود أسنان أو ضرب الأصيص برفق. إذا كانت الضوضاء التي تصدرها التربة تشير إلى أنها جافة بشكل واضح، فقد حان الوقت لسقي النباتات مرة أخرى. وتذكر أنه يتعيّن عليك سقي النبات بشكل متكرر وبقليل من الماء لتجنب تعفن الجذور. فأنت تحتاج ببساطة إلى ترطيب التربة وليس نقعها.

وأفضل وقت في اليوم لسقي النباتات يكون عند شروق الشمس أو غروبها. وقد تختلف الوتيرة حسب قوة الشمس أو الرياح. خلال الأيام الحارة أو الرياح العاتية الجافة، قد تحتاج إلى سقيها مرة واحدة يوميًا.

8. تسميد التربة: واحدة من أفضل نصائح بستنة الشرفة

إن ظهور بقع صفراء أو حمراء على أوراق نباتاتك علامة على افتقارها إلى العناصر الغذائية. ويشير المكان الذي تظهر فيه البقع (الأطراف أو السيقان أو الأوراق الصغيرة) إلى العناصر الغذائية التي قد تفتقر إليها النبتة. لهذا السبب، عليك إضافة الأسمدة السائلة للتربة مرة في الشهر وقبل زراعة أي نبتة. كما يمكنك إضافة طبقة من السماد العضوي، بنسبة خمسة بالمئة من الحجم الإجمالي للوعاء، مرة في السنة.

9. الآفات والأمراض

تعتبر الحشرات على غرار العث والمنّ واليسروع والذباب الأبيض من آفات النباتات. وتعد الفيروسات أو الفطريات أو البكتيريا من الأمراض النباتية. لذلك، عليك مراقبة نباتاتك عن كثب حتى تتمكن من اكتشاف أي إصابة في وقت مبكر. قم بعزل النباتات المصابة حتى لا تصيب النباتات الأخرى. وعالجها إن أمكن باستخدام الحقن الطبيعية، حسب الآفة أو المرض الذي يصيبها.

10. الحصاد

اقرأ عن الحالة المثالية التي يجب أن تحصد فيها كل فاكهة. يجب حصاد بعضها عندما تنضج، بينما ينبغي حصاد البعض الآخر، مثل الباذنجان أو الخيار، قبل نضوجه. في جميع الأحوال، استخدم المقص أو السكين لقطف الفاكهة أو الخضار حيث يمكن أن يؤدي سحبها إلى إتلاف السيقان.

إذا كان لديك شرفة، فاستغلها لزراعة الفواكه والخضروات بنفسك. إن البستنة مفيدة للكوكب لأنها تجعل المدن أكثر نظافة، وتساعد في تقليل الانبعاثات الكربونية، وتشجع الناس على إعادة استخدام النفايات. من شأن هذا النشاط أن يغيّر وجهة نظرك حول طريقة تناول الطعام ويضيف مهمة جديدة إلى روتينك اليومي تسمح لك بالتواصل مع الطبيعة.

اضف تعليق