تربط الإشارات القرآنية في فكر الإمام الشيرازي بين فهم التاريخ، والرجاء، والعمل، والبطولة، ومواجهة التحديات. فالرجاء لا ينفصل عن العمل، والإيمان الحقيقي يقترن بالسعي والإصلاح. كما تؤكد الآيات مركزية الحرية والشورى والأمة الواحدة وإعمار الأرض. وتظهر البطولة بوصفها إدارة رشيدة وشجاعة وثباتًا، لا شعارات واستبدادًا، فيما تقوم مواجهة التحديات...

جاء في كتاب (فلسفة التاريخ) للسيد محمد الحسيني الشيرازي: الأمور الضرورية للمؤرّخ: وعلى أي حال، فإنّ أي انحراف، ولو بحجم صغير، لا بهذا الحجم الذي تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشق الأرض، وتخرّ الجبال هدًّا، يوجب خللًا في فلسفة التاريخ التي نحن بصددها. والآية المباركة، وإن كانت في الاعتقاد بغير الله سبحانه وتعالى، حيث قال سبحانه وتعالى:

 "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا" (مريم: 88-93).

 إلا أنّ هذه الآيات، والتي هي من أصول الدين، تناسب أمثال صدّام الذي حارب أصول الدين وفروعه على حدّ سواء، وإن كان ينطق بالشهادتين، فهو من المنافقين الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ" (البقرة: 14)، فهو كاذب حتى في ألفاظ الشهادة، كما قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى المنافقين الذين "قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ" (المنافقون: 1).

عن كتاب (الفضائل والأضداد) للسيد محمد الحسيني الشيرازي: الرجاء: اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبقَ إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات. فالأحاديث الواردة في الترغيب على الرجاء، وفي سعة عفو الله وجزيل رحمته ووفور مغفرته، إنما هي مخصوصة بمن يرجو الرحمة والغفران بالعمل الخالص المعد لحصولهما، وترك الانهماك في المعاصي المفوتة لهذا الاستعداد. 

فاحذر أن يغرك الشيطان ويثبطك عن العمل، ويقنعك بمحض الرجاء والأمل، وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات، وصرفهم العمر في العبادات ليلًا ونهارًا. ما ورد في أن الإيمان لا يضر معه عمل، كما أن الكفر لا ينفع معه عمل، وفي أنه قد يغفر الله لعبد ويدخله الجنة لأجل مثقال ذرة من الإيمان أو عمل جزئي من الأعمال الصالحة.

ما ورد في الترغيب على حسن الظن بالله، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله"، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء"، وقول الرضا (عليه السلام): "أحسن الظن بالله، فإن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر"، وقول الصادق (عليه السلام): "حسن الظن بالله ألا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا ذنبك"، وقد تقدم بعض أخبار أُخر في هذا المعنى. ثم إن إيجاب حسن الظن للرجاء وجلبه له مما لا ريب فيه.

ما دل على أن الكفار أو النصاب يكونون يوم القيامة فداء للمؤمنين أو الشيعة، كما روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "أمتي أمة مرحومة، لا عذاب عليها في الآخرة، وعجّل عقابها في الدنيا بالزلازل والفتن، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب، فقيل: هذا فداؤك من النار". وعن أهل البيت (عليهم السلام): إن النصاب يجعلون فداء لشيعتنا بظلمهم إياهم ووقيعتهم فيهم. وعن الصادق (عليه السلام): "سيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله، بعد أن صان الولاية والتقية وحقوق إخوانه، ويوقف بإزائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون إلى الجنة وأولئك النصاب إلى النار، وذلك ما قال الله تعالى: "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ" (الحجر: 2)، في الدنيا منقادين للإمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداء لهم".

وأما الثاني، أعني ما يدل على أن رجاء المغفرة والعفو والرحمة إنما هو بعد العمل، فأكثر من أن يحصى، كقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (البقرة: 218)، وقوله: "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا" (الأعراف: 169)، وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة".

 وما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قيل له: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت، فقال: "هؤلاء قوم يترجحون في الأماني، كذبوا، ليسوا براجين، إن من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه". وعن علي بن محمد (عليه السلام) قيل له: "إن قومًا من مواليك يلمّون بالمعاصي ويقولون: نرجو"، فقال: "كذبوا، ليسوا لنا بموالٍ، أولئك قوم ترجحت بهم الأماني، من رجا شيئًا عمل له، ومن خاف شيئًا هرب منه". وعنه (عليه السلام) قال: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون خائفًا راجيًا، ولا يكون خائفًا راجيًا حتى يكون عاملًا لما يخاف ويرجو".

جاء في كتاب (الآيات المنسية: قراءة في فكر الإمام الشيرازي) للكاتب حسين عبد الله آل دهنيم: نجد السيد الشيرازي في الكثير من كتبه ما فتئ يدعو إلى العمل والالتزام بها، وهذه الآيات هي:

1. آية الأخوة الإسلامية، كما في قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الحجرات: 10).

2. آية الأمة الواحدة، كما في قوله تعالى: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (الأنبياء: 92).

3. آية الحرية، كما في قوله تعالى: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" (الأعراف: 157).

4. آية الشورى، كما في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" (الشورى: 38).

5. آية السعي، كما في قوله تعالى: "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ" (النجم: 39-40).

6. آية إعمار الأرض وتملك المباحات، كما في قوله تعالى: "فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" (البقرة: 279).

إعمار الأرض: ذكر الكاتب آل دهنيم بأن الله سبحانه وتعالى سخّر ما في هذا الكون من ثروات ونعم لهذا الإنسان ليعيش حياة كريمة منتفعًا من كل ذلك. حيث استند السيد الشيرازي إلى آيات منها هذه الآية: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (البقرة: 29)، فقد استنبط سماحته منها بعض القوانين المهمة، ومنها: قانون حيازة المباحات، قانون السبق، قانون الأرض لله ولمن عمّرها.

جاء في كتاب (من يصنع التاريخ) للسيد محمد الحسيني الشيرازي: من يصنع التاريخ؟ معنى البطولة: فليست البطولة بالشعارات، وإنشاء الخطابات، والتهريج، والاستبداد، والأضواء، فهذه ليست إلا بطولة قسرية أو فرضية نجدها عند الطواغيت والجبابرة، ولا تُقاس بطولة وعظمة الرجال بتيجان الملوك وأبّهتهم، ولا بصليل السيوف، ولا بترديد الصحف أخبارهم وأسماءهم صباح مساء، وما ذلك إلا أكذوبة، ومظهر باطل، وعرض زائل، وبريق باهت، وإنما البطولة هي الإدارة القوية، وهي الشجاعة والإقدام، وهي الثبات والاستقامة. 

والأمة البطلة هي التي لا تترك مصيرها في الأوقات الحرجة معلقًا على قرار يصدره فرد واحد يخطئ في الأكثر ويصيب أحيانًا. وليست البطولة باستئثار السلطات، والعمل على إضعاف المؤسسات الاستشارية، التي يُعبّر عنها بالديمقراطية، ولا بالقضاء عليها، كما كان يقول فرعون:

 "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ" (الزخرف: 51)، أو "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ" (البقرة: 258)، فإن أمثال ذلك شأن كل جاهل مستبد يستولي على مباهج الدنيا ولذائذها.

عن شبكة النبأ المعلوماتية: (الاستشراف والرؤية المستقبلية في مشروع الإمام الشيرازي) للكاتب علي الموسوي: الإمام الشيرازي أسّس نهجًا علميًا وعمليًا يُحوّل الفقه من أداة لمعالجة الواقع الراهن إلى منظومة قادرة على استباق التحديات واستشراف الفرص، مع الاعتماد على المقارنة الحضارية والاستفادة من التجارب الإنسانية من دون التفريط بالهوية والقيم الإسلامية. تتيح خطة العمل المقترحة بناء قدرات فقهية واستراتيجية، وتأهيل شباب واعٍ قادر.

مواجهة التحديات المعاصرة: لم يكتفِ الإمام الشيرازي بالتوصيف الظاهري للأزمات، ولكن سعى إلى بناء دراسة تستند إلى فهم عميق لجذور التحولات العالمية وآليات تأثيرها. ويتضح ذلك في عدد من مؤلفاته، مثل: تحليل الأحداث ضرورة حياتية، والسبيل إلى إنهاض المسلمين، ودور الشباب في إنهاض الأمة، التي تمثّل نماذج تطبيقية لمنهجه في قراءة الواقع واستشراف مآلاته.

إن القراءة لهذه الأعمال تكشف أن الإمام الشيرازي ينطلق من فرضية مفادها أن المعالجة التقليدية للمشكلات، القائمة على ردود الأفعال الجزئية أو الاجتهادات المنفصلة عن السياق العالمي، لم تعد كافية في ظل تعقّد النظام الدولي وتشابك مكوّناته. ولهذا السبب، يؤكد على ضرورة الانتقال إلى مستوى التحليل الاستراتيجي الذي يجمع بين استيعاب المعطيات الراهنة، وفهم اتجاهات التحوّل، وبناء تصور مستقبلي يشارك في توجيه القرار.

وهذا المنهج يجد تأصيله في الخطاب القرآني الذي يدعو إلى إعمال الفكر وعدم الانقياد للأحكام المسبقة، كما في قول الله سبحانه: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة: 111)، وهو توجيه نحو تأسيس المعرفة على الدليل والبرهان، لا على التلقي غير الواعي. كما يتكامل هذا المعنى مع ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام): "خُذِ الحِكمَةَ مِمَّن أتاكَ بِها، وَانظُرْ إلى ما قالَ، ولا تَنظُرْ إلى مَن قالَ"، في إشارة إلى مركزية تقييم الأفكار، بعيدًا عن الانتماءات أو الضغوط الاجتماعية.

وفي هذا المجال، عمل الإمام الشيرازي على ترسيخ وعي نقدي داخل المنظومة الفكرية للأمة، يقوم على تجاوز ثنائية الجمود والانفلات؛ فهو من جهة يرفض التقليد الأعمى الذي يُفضي إلى تعطيل طاقات الإبداع والاجتهاد، ومن جهة أخرى يحذّر من الانفتاح غير المنضبط الذي قد ينتهي إلى الذوبان في منظومات فكرية مغايرة تفقد الهوية أصالتها. ومن ثم، فإن قراءته تقوم على التفاعل الواعي، الذي يدمج بين المحافظة على الثوابت والانفتاح المدروس على متغيرات العصر.

اضف تعليق