الفشل والتخلّف والفقر ليست قدراً لازماً للفاشلين والمتخلفين أو للفقراء والمساكين، بل هنالك طرقاً متطورة مضمونة يسلكها الناجحون في الحياة، من أغنياء وأساتذة ومحامين وأطباء ومهندسين وغيرهم، وأهم طريقة هي طريقة الاستثمار المتدرج البطيء ولو القليل جداً، المقدور عليه لكل أحد، في بنوك: (الوقت) و(الاستثمار) و(الأهداف المحددة) و(الصدقة)...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[1].

المقدمة: يضطلع البحث بمهمة استكشاف عوامل نجاح الناجحين، من تجار وعلماء وأساتذة ومحامين وأطباء وغيرهم، وعوامل فشل الفاشلين، منوّهاً إلى أنّ الناجحين يتميزون باستخدامهم لآليات وطرق متطورة للنجاح ومن أهمها: أنّهم يمتلكون بنوكاً متنوعة وحسابات مصرفية تمثل الادخار الطويل المدى في بنوك دنيوية وأخروية مثل: بنك الوقت، بنك الاستثمار، بنك الأهداف المحددة، بنك الصدقة، وبنك أهل البيت (عليهم السلام)، مستشهداً بالتجربة الماليزية الراشدة في (بنك الحج)، وبالعديد من القصص الرائعة المميزة التي تعطي رؤية أوضح عن قيمة تلك البنوك وكيفية فاعليتها في تحقيق نجاح مضمون للأفراد والعوائل للخروج من شرنقة الفقر، والتخلف، والبطالة، وسائر عوامل الانحطاط، ليختم بدعاء مجرب لفتح أبواب الرزق، مشيراً إلى التشبيك الجوهري بين معادلات الدنيا والآخرة.

الناجحون والفاشلون، ما هو سرّ النجاح أو الفشل؟

من المعروف أنّ الناس ينقسمون إلى ناجحين وإلى فاشلين، سواء أكانوا تجاراً، أم محامين، أم مهندسين، أم طلاباً، أم أساتذة، أم أزواجاً، أم زوجات، أم قادة، أم غير ذلك؛ ولكن السؤال المهم هو: هل يمتلك الناجحون طرقاً وآليات متطورة للصعود في مدارج النجاح وللترقّي والتقدّم؟ وما هي تلك الطرق والوسائل؟

ثم انّ من الواضح أنّ النجاح درجات، فبعضهم ناجح، وبعضهم أنجح، وبعضهم أعظم نجاحاً، فهل الآليات المعتمدة للنجاح أو الفلاح بنفسها تستخدم للصعود أعلى فأعلى، والنجاح الأكبر فالأكبر، أم أنّ هناك آليات وطرقاً مكمّلة معاضِدة؟

سينصرف البحث إلى الجواب عن السؤال الأول، فإنّ من الواضح، بعبارة أخرى: أن الناس يمتلكون أهدافاً كثيرة ومتنوعة: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وشخصية، وعائلية، وأسرية، وعشائرية، أو حزبية، أو مرجعية، أو غيرها؛ ولكنّ بعضهم فقط يصل إلى تلك الأهداف، بينما يفشل الكثيرون جداً في الوصول إلى أحلامهم وأهدافهم التي رسموها لأنفسهم في سنين الطفولة، أو المراهقة، أو الشباب، أو حتى في مراحل حياتهم الوسطى، أو أية مرحلة من مراحل حياتهم حتى أواخر أعمارهم؛ فما السبب؟

الجواب: الناجحون يمتلكون بنوكاً متنوعة وأرصدة كبيرة

الجواب بإيجاز: إنَّ الناجحين يمتلكون مصارف وبنوكاً في بيوتهم أو محلات أعمالهم أو قد يحملونها معهم، وهم يستخرجون ما يريدون من رصيد من المال أو سائر عوامل القوة والنجاح والتقدم من تلك البنوك، فلم لا يكونوا أغنياء دوماً وسعداء دوماً وناجحين دوماً؟

وهذه البنوك متنوعة وكثيرة، ولكن سنشير إلى بعضها في هذا البحث الموجز، وهي (بنك الوقت) و(بنك الاسترباح) و(بنك الهدف المحدد، الحج مثلاً)، إضافة إلى البنوك الغيبية مثل (بنك الصدقة) و(بنك الدعاء) و(بنك أهل البيت عليهم السلام).

وهذه البنوك جميعاً تعتمد على استراتيجيتين أساسيتين أوليتين (ثم تليها استراتيجيات مكملة أخرى – قد نتطرق لها في بحق لاحق)، وهي:

أولاً: تكثيف الرصيد تدريجياً ومراكمة الأرباح خطوة خطوة ويوماً بعد يوم.

ثانياً: اعتماد قاعدة (الاستمرار ولو البطيء أهم من من البداية القوية، ثم التراخي)، بل هذه القاعدة هي المفتاح، بينما البداية القوية كثيراً ما تكون فخّاً يستتبع السقوط.

ولنبدأ ببنك الصدقة لنختم ببنك أهل البيت (عليهم السلام)، لنستعرض بينهما بنوك الوقت والاسترباح والأهداف المحددة.

بنك الصدقة، وصندوق الادّخار طويل المدة

أولاً: بنك الصدقة، إذ لا شكّ أن الصدقة تستدرّ الرزق بحسب الروايات، ولكن كثيراً ما يتساءل الناس: ما بالنا نتصدّق ولكن لا يزال رزقنا مضيّقاً عليه؟

والجواب: أولاً: إن رصيد الصدقة على أقسام، فقد يقع في دائرة الحساب الجاري عند الله تعالى، وقد يقع في دائرة الادّخار طويل المدّة، كما يفعل كلّ عاقل في أمواله وأنواع الحسابات المصرفيّة التي يفتتحها لأغراض شتّى، إذ الحساب الجاري لا يحصل منه على أيّ ربح، أمّا حسابات الادّخار طويلة المدى، فإنّ المصرف يحدّد لها أرباحاً جيّدة (ولو كان المصرف إسلاميّاً، لحدّد نسبة من الربح، مضاربةً)، كما قد يمنع، حسب التعاقد، من السحب إلا بعد سنة أو أكثر، أو قد يضع قيوداً على السحوبات الشهرية.

والصدقة قد يفتح لك الله تعالى بسببها حساباً جارياً، فتحصد ثمراته فوراً، أو خلال أيّام، أو متى ما دعوت لحاجةٍ ما، ولكن قد يفتح لك حساباً ادّخار طويل المدى، لمصلحتك 100%، وهذا يعني أنّك لا يمكن أن تسحب من الرصيد لفترة طويلة، بل إنّ المصرف يعطيك الأرباح بعد خمس سنوات مثلاً، أما المصرف السماوي فإنه سيمنحها لك بعد فترة مضاعفة جدّاً، فلو أودعت ألف دولار، فإنّه سيربحها لك مائة ألف دولار، أو حتّى مليون دولار بعد 10 سنوات مثلاً، أليس هذا ربحاً جدّاً!.

ولو إنّك كنت جاهلاً بمثل هذه المعادلة فقد تسخط وتتذمر أنّه أين صدقاتي إذاً؟ أو قد تعترض وتحتجّ، لكنّ الحكيم جلّ اسمه كثيراً ما يضع صدقتك في صندوق الاستثمار الطويل المدى، أو الادّخار بعيد المدى، لمصلحتك، وإن كنت جاهلاً بها أو حتّى رافضاً، لكنّك لو أطلعت على ذلك، فكيف إذا قبضته بالفعل بعد خمس سنوات، مثلاً ستكون من أسعد الناس، وستعلم يقيناً أنّ قرار الادّخار الطويل كان لصالحك 100%، وكان من الخطأ أن تُعطى الثمرة فوريّة، ولكن هزيلة ضامرة.

وهذا كله مع قطع النظر عن أنّ الحكيم تعالى كان يعلم، مثلاً، أنّه لو أعطاك الثمرة عاجلاً، فإنّها كانت ستسرق منك أو كنت ستصرفها، نظراً لقلّة حكمتك أو خبرويتك حينها، في مواطن خاطئة أو ضارّة أو مجحفة بحقّك، أو شبه ذلك.

وهذه الفلسفة تجري أيضاً في الدعاء، (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني‏ أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[2]، ولذا ورد عن الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام): (الْمُؤْمِنُ مِنْ دُعَائِهِ عَلَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ بَلَاءٌ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَهُ)[3].

الفقير الذي صار تاجراً عملاقاً، ببركة بنك الصدقة

وفي القصة التالية دلالة وشاهد حيّ على ما نقول: فقد نقل لي أحد كبار التجار (وكان قد ورث من أبيه ثروة كبرى، تتمثّل في عمارات شاهقة تسمّى بالأبراج، وأموال طائلة وأسهم وسندات... إلخ) أنّ والده كان فقيراً أو كالفقير، وأنّني (والكلام للتاجر) كنت طفلاً أستشعر فقرنا يوميّاً، إذ كان والدي يعمل في حِرفة عاديّة جدّاً (ربّما قال كان خيّاطاً، لكن من النَّوع دون المتوسّط، وكان الطَّلب على الملابس قليلاً جدّاً، فكُنّا نعيش عيشة الفقراء)، لكنّ والدي كان ملتزماً بالصدقة ليليّاً بعد المغرب، من نفس الوارد القليل جدّاً، وكان شديد الالتزام بالصدقة، حتّى إنّه ذات ليلة نسي أن يتصدّق، وتذكّر عندما آوى للفراش، وكانت ليلةً باردةً، لكنّه نهض وطلبني، وأنا طفل صغير، وأعطاني شيئاً من أثاث المنزل، ربّما إناءً أو نحوه أو ما أشبه، إذ لم تكن معه نقود أبداً، وقال لي: اذهب وابحث عن فقير وأعطه.

يقول الابن: وحيث كانت ليلة باردة لم أجد فقيراً، لكنّني لوصيّة أبي الشديدة بالعثور على فقير والتصدّق عليه، واصلت البحث، حتّى عثرت على أحدهم فأعطيته ورجعتُ، فسرّ أبي بذلك جدّاً ونام مرتاحاً.

والشاهد أنّ صدقات هذا الرَّجل، رغم فقره، جُمِعَت له في رصيد ادّخار طويل المدّة استمرّ سنوات، ثمّ فتح الله عليه فتحاً كبيراً يسيراً، حتّى صار من كبار التجّار، ووفق الله ابنه أيضاً في التجارة، واللافت أنّ الإبن استمر على منهج الصدقة ولكن في مستوى كبير جداً.

بنك الأهداف المحدَّدة

ومن المصارف التي تكفل للإنسان تحقيق أحلامه وأهدافه المستقبليّة ما نُسمّيه بمصرف الأهداف المستقبليّة المحدَّدة، فإنّ الكثير من الناس يريد أن يمتلك بيتاً لكنّه يعجز لأنّه لا يملك ثمنه، والكثير يريد أن يملك، عند التخرّج من الجامعة، رأسَ مالٍ للإتجار لكنّه لا يجده ولا يجد من يُقرضه، والكثير يريد أن يتزوّج لكنّه لا يملك المهر... وهكذا... ولو أنّهم اتّبعوا استراتيجيّة البنك المحدَّد الأهداف لما عجزوا، بل أمكنهم الوصول إلى كلّ تلك الأهداف ونظائرها بسهولة.

بنك الحج الماليزي

وفي تجربة (بنك الحجّ الماليزي) أكبرُ العِبرة في مدى نجاح هذه الاستراتيجيّة، حيث إنّ الكثير جداً من الماليزيين يفتحون حساباً للطّفل بمجرّد أن يولد، باسم حساب الحجّ، ويودعون فيه مبلغاً شهريّاً ثابتاً، مثلاً: 50، أو 100، أو 200[4]، أو أقلّ وأكثر حسب وضع الأسرة، وكذا الهدايا التي تُهدى يمكن وضعها في الحساب، بدل صرفها فيما يضرّ الطّفل كالحلويّات[5] والمشروبات الغازيّة المضرّة ونحوها، أو إضاعتها في ألعاب لا قيمة لها، وهكذا تتجمّع هذه المبالغ طوال سنين، حتّى إذا بلغ العشرين، أو أقلّ أو أكثر حسب المدّخرات الشهريّة، كان قادراً على الحجّ.

وعلى حسب عدد من الباحثين:

قدّر الخبراء عدد إجمالي أصحاب حساب Tabung Haji حوالي 9.6 إلى 9.7 مليون شخص لديهم حسابات Tabung Haji في ماليزيا، وهو ما يمثل نحو نصف المسلمين الماليزيين تقريباً.

وهذا العدد يشمل:

- الكبار.

- الشباب.

- الأطفال الذين تم فتح حسابات لهم.

وهذه هي الصورة بإجمال: في ماليزيا، يمكن فتح حساب ادخار باسم الطفل منذ ولادته.

من يحق له فتح الحساب؟

أي طفل ماليزي الجنسية، حتى الرضّع وحديثي الولادة.

والحساب يكون باسم الطفل لكن الوليد يديره.

لماذا كان فتح الحساب مبكراً مهماً؟

لأنه: كلما كان الحساب أقدم ← فرصة الحج أكبر.

الادخار المبكر يخفف العبء المالي.

وهناك أرباح سنوية (توزيعات TH).

الطفل يُسجّل في قائمة انتظار الحج مستقبلاً.

وفي ماليزيا، أقدمية الحساب عامل مهم في أولوية الحج.

هل يمكن للطفل الحج فعلاً؟

نعم، لكن:

- الطفل غير مكلّف شرعاً.

- الحج صحيح ويؤجر الوالدان.

- عند البلوغ، يجب عليه الحج مرة أخرى إذا استطاع.

كم يجب الادخار؟

كنقطة عملية: حاول الوصول إلى RM 15.000 في حساب الطفل على المدى الطويل (هذا الرقم غالباً هو الحد الأدنى المرتبط بالحج المدعوم).

- 100 – 50 RM شهرياً تصنع فرقاً كبيراً خلال سنوات.

نصائح ذكية

- ابدأ مبكراً ولو بمبلغ صغير.

- زد الادخار كلما تحسّن دخلك.

- لا تسحب من الحساب إلا للضرورة.

- اعتبار الحساب وقفاً للحج.

لنحوّل مثل هذا البنك إلى ثقافة عامة

وهكذا لو تحوّلت سياسة بنك الأهداف المحددة والتراكم البطيء المستمر إلى ثقافة عامّة في الشعوب الإسلاميّة والعوائل والأُسر، لانخفضت نسبة البطالة والفقر بنسبة كبيرة جدّاً، إذ ذلك يعني أنّ الطفل بمجرّد أن يولد يفتح له أبواه حساباً، فإنّهم حتّى لو كانوا فقراء يمكنهم أن يضعوا في حسابه شهريّاً عشرة دولارات، أو خمسين، أو مائة، أو أقل أو أكثر، ومع الاقتصاد في الكماليّات غير الضَّروريّة[6] فإنّها تتجمّع على مرّ السِّنين لتتحوّل إلى رأس مال صغير أو كبير، فإن كان صغيراً اشترى به ماكينة خياطة (للخياطة)، أو حاسوباً (للبرمجة)، أو ثوراً (للزراعة)، أو غير ذلك حسب وضعه ومنطقته، ولو كان الرأسمال كبيراً أمكنه الاتّجاه نحو استثمارات أكبر.

وأيضاً: سوف لا تجده متحيّراً في كيفيّة توفير المهر للزواج، أو توفير المال للتسجيل في الجامعة... خاصّة إذا عمّمنا الفكرة للمتبرّعين والمتصدّقين، فبدل أن يعطوه السَّمكة يعطوه مبلغاً (وليكن دولاراً، أو عشرة، أو أكثر) ليُصبّ في حسابه الخاصّ بالتعليم، أو المهر، أو الحجّ، أو رأس مال التِّجارة، أو غير ذلك، وبذلك وصلنا أيضاً إلى:

بنك الاستثمار

والذي يعتمد على ركنين أساسيّين هما:

الأوّل: المدّخرات القليلة التدريجيّة كما سبق.

الثاني: الاقتصاد المدروس، وترك جميع أنواع الهدر والإسراف، حتّى للقطرات، فإنّ القطرات تتجمّع وتتجمّع فتصير جداول، والجداول تتشابك لتتحوّل أنهاراً، والأنهار تصنع بحاراً، ومن ثمّ محيطات.

وفي القصّتين التاليتين عبرة، وأعظم عبرة:

قصة التاجر الذي يحاسب على الفلس الواحد ثم يتبرّع بلا حساب!

فقد سعى بعض الفقراء من أهالي كربلاء، قبل حوالي سبعين سنة أو أقلّ أو أكثر، لبناء حسينيّة ضخمة بالقرب من الحرم الحسينيّ الشَّريف[7]، فبدأوا بجمع الأموال، إلّا أنّ من الواضح أنّ المتجمّع كان مبلغاً زهيداً، لأنّ الفقراء لا تنال أيديهم الأغنياء عادة، ولو نالتهم لما أعطوهم إلا قليلاً إلّا من ندر، وكان المبلغ المطلوب ضخماً (يُقدَّر بملايين الدولارات، بل عشرات الملايين، إذا عادلناها بحسب قيمة الأراضي حول الحرم الشَّريف في هذا الزّمن).

فقال لهم أحدهم: اذهبوا إلى طهران، فهناك تاجر كبير شهم كريم جواد بذول، فسيعطيكم مبلغاً ضخماً أو حتى النَّقيصة كلّها. ولمـّا استغربوا قيل لهم: إنّه كريم جواد بذول بشكل استثنائيّ.

فشدّوا الرّحال إلى طهران، وسألوا عنه فأرشدهم الناس إلى متجره في السّوق، ولمـّا وصلوا إليه ودخلوا المحلّ وجدوه منشغلاً بمحاسبة المحاسب، وكان يداقّ على الصَّغيرة والكبيرة، حتّى على الرّيال والقِران (أي ما يعادل مثلاً الفلس الواحد)، ويحاسب عليها ويستقصيها.

فلمّا رأوا ذلك منه قطعوا بأنّه بخيل، وأنّ من لا يتجاوز عن القِران (الفلس وأقلّ) هل يُعقل أن يتبرّع بمبلغ ضخم؟ وقطعوا أنّ المعلومات كانت خاطئة.

فلمّا أكمل التاجر وانصرف إليهم وسألهم عن أمرهم قالوا: جئنا لزيارتك ولا غير.

قال: كلا، بل لكم حاجة.

قالوا: لا، مجرّد زيارة.

فعلم التاجر السّبب، وأصرّ عليهم، فعرضوا عليه الأمر.

وحيث اطمأنّ من سيماهم وطريقتهم إليهم، وقّع لهم بالمبلغ كلّه!!. فذهلوا!!.

وقالوا له: أين هذا الكرم من تلك المداقّة؟ حتّى لقد ظننّاك بخيلاً لا يُرجى خيره؟

فأجاب مبتسماً: لولا ذاك لما أمكن هذا! وشرح لهم الأمر، بأنّ الإسراف محرّم، وأنّني في تجارتي دقيق جدّاً، ولا أضيّع درهماً عبثاً، وبذلك تزدهر التّجارة؛ فإنّ من تعوّد تضييع درهم عبثاً، سيضيّع دراهم لاحقاً عبثاً، ثمّ مئات الدّراهم… وهكذا.

ولكن في مرحلة العطاء أبذل لكلّ مشروع جدير أكبر البذل، وبذلك أكون قد أعطيت كلّ شيء حقّه (وفصلت بين مال التّجارة وبين مال الصّدقة، ومرحلة الاتّجار ومرحلة الإعطاء فكل له شأنه وحسابه).

الاستثمار الذّري

وهذا النَّوع من الاستثمار يُسمّى بـ (الاستثمار الذري)، أي المعتمد على جمع الذَّرّات، وكما هو واضح فإنّ أصل هذه الفكرة التي طرحناها في هذا البحث، وحتّى هذا المصطلح، مأخوذ من قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، وهذا يعني، في جملة ما يعني، إلغاء كلٍّ من: شراء الأجهزة والأشياء غير الضَّروريّة، الاشتراكات غير اللّازمة، المصروف اليوميّ غير الضَّروريّ، الحفلات والنُّزهات والسَّفرات غير الضَّروريّة... ونحوها، وتحويلها بأجمعها للادّخار في بنك المستقبل.

بنك الوقت

وهناك مصرف آخر مهمّ يمتلكه النّاجحون، وهو بنك الوقت، حيث يحوّلون الدقائق المهدورة إلى رأس مال معرفي أو علميّ، أو رأس مال اجتماعيّ يوفّر لهم السُّمعة الطّيّبة والذِّكر الحسن، أو رأس مال تجاريّ أو غير ذلك.

صُبّ كل دقيقة في رصيدك بالبنك

وعلى سبيل المثال فإنّ النّاجحين يستغلّون ساعات التّنقّل بالحافلة (الباص، الأوتوبيس)، أو سيّارات الأُجرة، أو السّيّارة الشّخصيّة، أو حتّى مدّة المشي من المنزل إلى المدرسة أو المتجر أو المسجد، يستغلّونها أكبر استغلال؛ إمّا في حفظ القرآن الكريم، أو الأحاديث الشّريفة، أو الأشعار، أو في ذكر الله تعالى بالتهليل والتّسبيح والتكبير والحوقلة، أو الصّلاة على النّبيّ وآله، أو الأذكار المنوّعة، أو في التّفكير في مسألة علميّة، أو في التّدبّر في آية أو رواية، أو التّفكّر في ملكوت السّموات والأرض، أو إعداد بنود ونقاط للمحاضرة الآتية، وهكذا...

إنّ هذه الدقائق تتجمّع وتشكّل قطراتها اليوميّة جداول شهريّة، وجداولها الشهريّة تشكّل أنهاراً سنويّة، وهكذا.

وما هو العمر؟ أليس إلّا هذه الدقائق؟

نموذج مشرق: أخي الأكبر (قدس سره)

ولقد شهدت السيد الأخ الأكبر (قدّس سرّه) عندما كان يخرج من المنزل إلى المدرسة (التي يُدرِّس فيها)، وكانت المدّة تستغرق ربّما سبع دقائق، وهو حامل معه ورقةً وقلماً، وهو يُسجِّل بين دقيقة وأخرى فكرةً خطرت بباله أو شبه ذلك.

وكان، وهو (قدس سره) معلّمي الأوّل، يوصيني بأن لا أضيّع حتّى الثّواني، وكان يقول: حتّى فترة الاستحمام وفترة المرافق يجب استغلالها، إمّا في فكر أو في ذكر أو شبه ذلك.

ومن المعلوم أنّ المرافق تستغرق يوميّاً من الناس زمناً، وتستغرق من بعضهم، كالمصابين بمرض البروستات، يوميّاً أكثر من ساعة أو حتّى ساعتين مجموعاً.

إنّ هذه الدقائق كلها يجب أن تُستثمر معرفيّاً لصالح بنك الوقت.

ويقال: انّ أوّل بنك للوقت أسس كان في اليابان عام 1973م ← وكانت الفكرة: انّ كلّ ساعة عمل تُدرَج كوحدة يمكن استبدالها بخدمات أخرى، ثم انتشرت في أربعين دولة كطريقة فعّالة لـ: رعاية كبار السن، تعليم متبادل، دعم خلال الأزمات، وهي تشكل شبكات دعم اجتماعي فعّالة.

حولوا كل ساعة خدمة بالحسينية أو المدرسة أو المسجد إلى وحدة تُقابَل بخدمة

وما أجمل هذه الفكرة، وعلينا أن نتعلّم من الآخرين محاسن أعمالهم (وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا)[8]، فإنّ الذي يخدم متطوّعاً في حسينيّة أو مسجد أو مدرسة أو مكتبة، وإن كان لا يستهدف إلّا الثواب، ولكن على الحكومة، وعلى مؤسّسات المجتمع المدني، وأرباب المؤسّسة أيضاً، أن يحسبوا له ساعات خدمته، فيعتبروها ديناً عليهم، ويحوّلون ما يشابهها ممّا يحتاجه إليه عند كبره وساعة حاجته؛ مثلاً: تتحوّل ساعات خدمته إلى رأس مال يعطى لابنه ليتمكّن من التّسجيل في الجامعة، أو إذا مرض تُدفَع له نفقات المستشفى مادام غير قادر، وهكذا تُدرَج كلّ ساعة عمل كوحدة ماليّة أو خدميّة ذات قيمة تُستبدل بخدمات أخرى تقدم له ساعة الحاجة.

وهل يبقى فقير أو محتاج بعد ذلك؟ إلا في دائرة أضيق فأضيق؟.

بنك أهل البيت (عليهم السلام)

وهناك مصرف آخر نسميه بنك أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ذلك المصرف الذي يدّخر للإنسان، إمّا لدنياه أو لآخرته، عندما يؤلّف كتاباً عن أهل البيت (عليهم السلام)، أو يطبعه، أو يخدم في مجلس أو حسينيّة، أو يساعد أحد أتباعهم من الفقراء والأيتام والمساكين والأرامل، أو يعمّر الأرض بالزراعة والعمارة وغيرها، امتثالاً لتعاليمهم (عليهم السلام).

ولنمثّل لفائدة هذا المصرف الأخروي أولاً، ثم الدنيوي، بمثالين معبّرين:

صورة مرعبة عن الصراط فوق جهنم

أما الثمرة الأخروية: فقد نقل في تفسير البرهان عن المناقب عن محمد بن الصباح الزعفراني، عن ِ الْمُزَنِيِّ‏، عن الشافعي، عن مالك، عن حميد، عن أنس، قال رسول الله (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) إِنَّ فَوْقَ الصِّرَاطِ عَقَبَةً كَئُوداً طُولُهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ عَامٍ

أَلْفُ عَامٍ هُبُوطٌ

وَأَلْفُ عَامٍ شَوْكٌ وَحَسَكٌ وَعَقَارِبُ وَحَيَّاتٌ

وَأَلْفُ عَامٍ صُعُودٌ

أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْطَعُ تِلْكَ الْعَقَبَةَ وَثَانِي مَنْ يَقْطَعُ تِلْكَ الْعَقَبَةَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: لَا يَقْطَعُهَا فِي غَيْرِ مَشَقَّةٍ إِلَّا مُحَمَّدٌ وَأَهْلُ بَيْتِهِ)[9].

وما أحوجنا ونحن نعبر ذلك الجسر الرهيب في ذلك الوقت العصيب، إليهم (عليهم السلام) وإلى ما ادّخرناه في هذا البنك الإلهي...

إنّ أحدنا لا يتحمّل أن يُسجَن يوماً (ولو في كنتور المنزل!)، ولا يتحمّل لدغة عقرب، ولا حتّى لسعة نحل، ولا أن تدخل جسده شوكة، فكيف بأن يمشي على الشوك؟ وقد قال الإمام علي (عليه السلام): (وَاللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا وَ يَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا...)[10].

وهنا ينفعنا كلّ ما عملناه لهم (عليهم السلام)، حتّى لو فُرض أنّ حاجاتنا الدنيويّة لم تُعطَ لنا، إذ ادّخروها لنا للمرحلة الأهمّ، ولو أنّنا علمنا ذلك لطلبنا التأجيل بل وأصررنا عليه ورجّحنا الآجل على العاجل حتماً وجزماً.

طريقة مجلس أم البنين (عليها السلام) لحل مشكلة العنوسة، بشكل فاعل

وأمّا الثمرة الدنيوية لهذا المصرف السماوي، فإنّ لها تجلّيات كثيرة جدّاً، ومن شواهدها الحيّة المعبّرة الرائعة سلسلة القضايا التالية: فإنّه، وكما هو معلوم، أصبحت العنوسة ظاهرة عامّة في هذا الزمن، إذ أنّ كثيراً من الفتيات يرغبن في الزواج، ولكن لا يوجد لهنّ خاطب، أو قد يوجد ولكنّه يكون غير مناسب لأسباب متنوّعة شتّى، حتّى لقد أصبحت العنوسة ظاهرة مقلقة للكثير من العوائل.

ولقد سأل الكثير جدّاً من الناس السيد الوالد (قدس سره) عن طرق حلّ هذه المعضلة، وكانوا يسألونه أن يدعو الله تعالى لكي ترزق بناتهم بقِسمة حسنة، فكان السيد الوالد يجيب: سأدعو، ولكن هنالك طريقة فاعلة للحصول على النصيب الحسن الجيد، وهي أن تقيموا مجلساً نسويّاً أسبوعيّاً في بيوتكم باسم السيّدة أمّ البنين (عليها السلام)، أي بشرط أن يكون نسويّاً وفي بيتكم الذي تسكنون فيه، وبتلك المواصفات... وستحصلون على أفضل قِسمة ببركتها (عليها السلام)...

ولقد حدّثني العديد ممّن التزم بهذه النصيحة الأبوية أنّه حصل على قِسمة حسنة في وقت قصير.

وإليكم تجربتي الشخصية لمدى فاعلية هذا الرصيد في مصرف أهل البيت (عليهم السلام) فقد سألني أحد الآباء الطيّبين، وكان يعمل ضابطاً في المطار، ويجنّد نفسه لخدمة المؤمنين بتذليل العقبات لهم وتسهيل أمورهم، عن كيفية حل معضلته، فقلت وما هي: قال: إنّ لي أربعة بنات، حتّى صغراهنّ في سنّ الزواج، أمّا الكبرى فلربّما يعبرها القطار، فماذا أصنع؟

فقلت له: عليك بنصيحة السيّد الوالد، وشرحتها له.

فقال: سأفعل.

ثمّ إنّني بعد سنة، عندما سافرت إلى ذلك البلد، استقبلني في المطار، وقال، شاكراً بحرارة: إنّني قبل سنة التزمت بالوصيّة، وأقمنا مجلساً نسويّاً أسبوعيّاً في بيتنا، والغريب أنّه لم تمض سنة (أي قبل لقائنا الجديد هذا) إلّا وقد زوّجت جميع بناتي الأربع من شباب طيّبين صالحين!

أقول: إنّ معادلات الدنيا، كما سبق، هي عبارة عن تشبيك معادلات دنيويّة أخرويّة، ومن هنا انطلقت فكرة المجلس النسويّ الأسبوعيّ باسم السيّدة أم البنين (عليها السلام) (وأقول: فليكن باسم السيّدة زينب أو السيّدة نفيسة أو السيّدة نرجس أو ما أشبه)، فإنّ المعادلة فاعلة في كلّ الصور:

فأمّا المعادلة الأخرويّة فهي ما سمّيناها بمصرف أهل البيت (عليهم السلام) وبركتهم.

وأمّا المعادلة الدنيويّة فهي أنّ مثل هذا المجلس الأسبوعيّ النسويّ يكون ملتقى أسبوعيّا مستمرّا للأمّهات والفتيات. وبذلك تتعرّف الأمّهات اللاتي يبحثن عن زوجات لأبنائهنّ على بنات صاحب المنزل وسائر الفتيات والأمّهات، وتتعرّف الفتيات بعضهنّ على بعض، وبذلك تتقارب القلوب، وتنكشف للأمّهات خيارات كثيرة جديدة لأبنائهنّ، وكذلك الشقيقات يقترحن فتيات لإخوانهنّ. وبذلك نكون قد أوجدنا شبكة فعالة من العلاقات الاجتماعيّة ـ الإيمانيّة التي تتكفّل بحلّ معضلة اجتماعيّة حقيقيّة.

دعاء يستجلب الرزق

ختاماً، هنالك أيضاً أدعية مجرَّبة في (مصرف الأدعية)، نختار منها هذا الدعاء، لحلّ مختلف المشاكل والمعضلات.

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال:

(مَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَتَغَلَّقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْمَطَالِبِ فِي مَعَاشِهِ، ثُمَّ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ فِي رِقِّ ظَبْيٍ أَوْ قِطْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، أَوْ جَعَلَهُ فِي بَعْضِ ثِيَابِهِ الَّتِي يَلْبَسُهَا، فَلَمْ يُفَارِقْهُ، وَسَّعَ اللَّهُ رِزْقَهُ، وَفَتَحَ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْمَطَالِبِ فِي مَعَاشِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَهُوَ:

اللَّهُمَّ لَا طَاقَةَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِالْجَهْدِ، وَلَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَلَا تَحْظُرْ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ رِزْقَكَ، وَلَا تَقْتُرْ عَلَيْهِ سَعَةَ مَا عِنْدَكَ، وَلَا تَحْرِمْهُ فَضْلَكَ، وَلَا تَحْسِمْهُ مِنْ جَزِيلِ قِسْمِكَ، وَلَا تَكِلْهُ إِلَى خَلْقِكَ، وَلَا إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْجِزَ عَنْهَا، وَيَضْعُفَ عَنِ الْقِيَامِ فِيمَا يُصْلِحُهُ وَيُصْلِحُ مَا قَبْلَهُ، بَلْ تَنْفَرِدُ بِلَمِّ شَعْثِهِ، وَتَوَلِّي كِفَايَتِهِ،

وَانْظُرْ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، إِنَّكَ إِنْ وَكَلْتَهُ إِلَى خَلْقِكَ لَمْ يَنْفَعُوهُ، وَإِنْ أَلْجَأْتَهُ إِلَى أَقْرِبَائِهِ حَرَمُوهُ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ أَعْطَوْهُ قَلِيلًا نَكِداً، وَإِنْ مَنَعُوهُ مَنَعُوهُ كَثِيراً، وَإِنْ بَخِلُوا بَخِلُوا، وَهُمْ لِلْبُخْلِ أَهْلٌ.

اللَّهُمَّ أَغْنِ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مِنْ فَضْلِكَ، وَلَا تُخْلِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْكَ، فَقِيرٌ إِلَى مَا فِي يَدَيْكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَأَنْتَ بِهِ خَبِيرٌ عَلِيمٌ، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً)[11]، (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)[12]، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[13])‏)[14].

الخاتمة: وبذلك خلصنا إلى أنّ الفشل والتخلّف والفقر ليست قدراً لازماً للفاشلين والمتخلفين أو للفقراء والمساكين، بل ان هنالك طرقاً متطورة يسلكها الناجحون في الحياة، من أغنياء وأساتذة ومحامين وأطباء ومهندسين وغيرهم، وبذلك ينالون النجاح عبر تلك الطرق المضمونة.

وأهم طريقة هي طريقة الاستثمار المتدرج البطيء ولو القليل جداً، المقدور عليه لكل أحد، في بنوك: (الوقت) و(الاستثمار) و(الأهداف المحددة) و(الصدقة) و(أهل البيت عليهم السلام) مستشهداً بقصص واقعية وشواهد حية على أن هذه المعادلة (رصيد الادخار طويل المدى) شديدة الفاعلية ومضمونة تماماً بإذن الله تعالى.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.............................................

[1] سورة الزلزلة: 7-8.

[2] سورة غافر: 60.

[3] الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ص280.

[4] بحسب عملتهم، أو لنفرض بالدينار العراقي 50 ألف دينار شهرياً أو أكثر أو أقل.

[5] الموجبة بالتدريج للسمنة وداء السكري وغير ذلك.

[6] نظير ما يسمى بـ (جيبس، بفك، كوكا كولا، وألعاب منوعة...).

[7] والتي اسميت لاحقاً بالحسينية الطهرانية – المعروفة.

[8] نهج البلاغة: الكتاب 31.

[9] ابن شهر آشوب، المناقب، مؤسسة انتشارات علامة ـ قم: ج2 ص155، وعنه البرهان في تفسير القرآن: ج8 ص294.

[10] نهج البلاغة: الخطبة 224.

[11] سورة الطلاق: 3.

[12] سورة الشرح: 6.

[13] سورة الطلاق: 32.

[14] السيد ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات، دار الذخائر ـ قم: ص126.

اضف تعليق