السياسة الخارجية لأقوى دولة في العالم باتت رهينة "الجرح النرجسي" لقائدها. إن رئيساً يربط السلام العالمي بحصوله على ميدالية، ويهدد باحتلال أراضي الحلفاء انتقاماً لكبريائه، هو رئيس لا يمكن التنبؤ بخطواته عبر المنطق السياسي التقليدي. هذا يعني أن العالم يجب أن يستعد لقرارات مفاجئة، غير عقلانية، ومدفوعة بالرغبة...
مع حلول الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى البيت الأبيض في يناير 2026، يُدشن الرئيس دونالد ترامب مرحلة جديدة من ولايته الثانية تتجاوز شعار "أميركا أولاً" لتصل إلى نهج "أنا وأميركا أولاً". فبينما يقف ترامب مزهواً بما يصفه بـ 365 إنجازاً داخلياً، معتبراً أن "الله فخور جداً" بعمله، يجد العالم نفسه أمام مشهد دولي شديد الاضطراب، حيث باتت القرارات الاستراتيجية الكبرى رهينة للمزاج الشخصي للرئيس وردود أفعاله الانتقامية.
تتصدر المشهد أزمة جيوسياسية غير مسبوقة تهدد بتفكيك حلف "الناتو"، أشعلتها رغبة ترامب الجامحة في ضم جزيرة "غرينلاند"، وربطه الصادم بين التخلي عن "التزامات السلام" وبين غضبه من عدم منحه جائزة نوبل. ولم يقف الأمر عند التهديد العسكري والتجاري للحلفاء الأوروبيين، بل امتد ليشمل محاولة تقويض النظام الدولي عبر طرح مشروع "مجلس السلام" كبديل تجاري للأمم المتحدة يُدار من واشنطن.
يستعرض هذا التقرير حصاد عام من التحولات الجذرية، راصداً كيف تحولت "الإنجازات" الداخلية المشكوك فيها، والانتصارات الخارجية (مثل ملف فنزويلا)، إلى وقود لمعركة وجودية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، واضعاً الغرب أمام خيارين: إما الخضوع لمنطق "القوة الفجة"، أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تغير وجه العالم.
1. مقدمة عامة: عام على العودة
بحلول العشرين من كانون الثاني/يناير 2026، طوى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصفحة الأولى من عامه الثاني في البيت الأبيض، مدشناً حقبة جديدة لم تكتفِ بإعادة تعريف السياسة الأميركية، بل هزت أركان النظام الدولي القائم منذ عقود. في ذكرى مرور عام على استعادة السلطة، وقف ترامب أمام الصحفيين في مؤتمر مطول، لا ليقدم كشف حساب تقليدياً، بل ليعلن بنبرة تمزج بين اليقين السياسي والنزعة الرسالية أن "الله فخور جداً" بما أنجزه، متجاهلاً حجم الاضطرابات العميقة التي أحدثتها سياساته في الداخل والخارج.
لم تعد المسألة مجرد تطبيق لشعار "أميركا أولاً" الذي طبع ولايته الأولى، بل تحول المشهد في عام 2025 إلى ما يشبه "أنا وأميركا أولاً". يتجلى هذا التحول في الطابع الشخصي الصرف الذي صبغ به ترامب مؤسسة الرئاسة؛ فمن تجديدات الديكور الذهبي في البيت الأبيض التي أضفت طابعاً "ملكياً"، إلى إعادة هيكلة الإدارة لتكون امتداداً لشخصيته، يبدو الرئيس الـ(79 عاماً) وكأنه يؤسس لنمط حكم يماهي بين المصالح الوطنية ورغباته الشخصية، حيث لا صوت يعلو على "أخلاقياته الخاصة وذهنه"، كما صرح هو نفسه.
على الصعيد الداخلي، يستعرض ترامب وثيقة من 31 صفحة تسرد "365 إنجازاً" مفترضاً، تتراوح بين أرقام اقتصادية فلكية – ومشكوك فيها حسابياً – حول خفض أسعار الدواء وجذب الاستثمارات، وبين ترسيخ روايته بأنه الفائز الحقيقي في انتخابات 2020. إلا أن هذه "الإنجازات" تأتي وسط انقسام مجتمعي حاد، ومخاوف متصاعدة من "اقتصاد الغضب"، وترقب مشوب بالقلق لانتخابات التجديد النصفي التي قد تقلب موازين الكونغرس.
لكن الزلزال الحقيقي يكمن في السياسة الخارجية. فبعد عام من العزلة والجفاء مع الحلفاء التقليديين، وصل ترامب إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد، متخلياً عن الأطر الدبلوماسية التقليدية لصالح مشاريع بديلة وجريئة، أبرزها سعيه لتأسيس "مجلس سلام" عالمي يخضع لإمرته كبديل للأمم المتحدة، باشتراطات مالية ضخمة لعضويته.
وفيما يتوجه الرئيس إلى منتدى "دافوس" الاقتصادي، فإنه لا يحمل معه غصن زيتون، بل يحمل أزمة جيوسياسية متفجرة مع القارة الأوروبية وحلف "الناتو"؛ محورها رغبته الجامحة في ضم جزيرة "غرينلاند"، وربطه الصريح بين هذا الطموح "الإمبريالي" وبين شعوره بالمرارة لعدم منحه جائزة نوبل للسلام. هكذا، يدخل العالم عام 2026 محبوس الأنفاس، حيث يقف التحالف الغربي على المحك، مهدداً بحرب تجارية وعسكرية بين الحلفاء، في سابقة تاريخية تجعل من عبارة "الفوضى العالمية" وصفاً مخففاً للواقع الجديد.
2. السياسة الداخلية: بين "وهم الإنجازات" وترسيخ السلطة المطلقة
في الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى المكتب البيضاوي، لم يكتفِ دونالد ترامب بالخطابات الحماسية المعتادة، بل حرص على إضفاء طابع "توثيقي" على ولايته الثانية. وقف الرئيس البالغ من العمر 79 عاماً أمام الصحفيين حاملاً ملفاً ضخماً، وزع طاقمه نسخة منه في وثيقة تقع في 31 صفحة، تسرد ما وصفه بـ "365 إنجازاً" تحققت منذ أدائه اليمين الدستورية في 20 كانون الثاني/يناير 2025. هذه السردية، التي مزجت بين الواقع والمبالغات الحسابية المستحيلة، شكلت العمود الفقري لسياساته الداخلية التي تتأرجح حالياً بين الشعبوية الاقتصادية الصرفة ومحاولات غير مسبوقة لترسيخ سلطة فردية مطلقة.
في صلب هذه "الإنجازات"، ركز ترامب على الاقتصاد كركيزة لشرعيته، مدعياً أرقاماً دحضها الخبراء فوراً لاستحالتها رياضياً، مثل انخفاض أسعار الأدوية بنسبة 600%، وجذب استثمارات خارجية بقيمة 18 تريليون دولار. وبينما تفاخر بأن انتعاش أسواق الأسهم جعل الأميركيين يشعرون وكأنهم "عباقرة في الشؤون المالية"، لم يخفِ سخطه على طاقمه لفشلهم في تسويق ما اعتبره نجاحات كبرى في كبح التضخم، وهي الثغرة التي لا تزال تؤرق الناخبين الذين يواجهون واقعاً معيشياً صعباً يختلف عن الأرقام الرئاسية.
بيد أن التحول الأخطر في المشهد الداخلي يتجاوز الأرقام الاقتصادية ليلامس بنية الحكم نفسها؛ إذ يواجه ترامب اتهامات متزايدة من خصومه، وحتى من خبراء القانون، بالجنوح نحو "الملكية والاستبداد". تتجلى هذه النزعة في تصريحاته الجريئة للصحافة بأنه لا يرى نفسه ملزماً بتبرير قراراته لأي جهة، معتبراً أن "أخلاقياته الخاصة وذهنه" هما المرجعية الوحيدة التي تحكمه. وقد انعكس هذا التضخم في الذات الرئاسية مادياً على البيت الأبيض، الذي حول ترامب طابعه الرصين إلى ديكور ذهبي لامع، وصولاً إلى هدم جناح كامل لبناء قاعة حفلات باهظة، في خطوة رمزية تشير إلى رغبته في تحويل مقر الحكم إلى امتداد لشخصيته.
وعلى جبهة المجتمع، واصل ترامب إتقان ما يسمى بـ "اقتصاد الغضب". فقد استهل عامه الثاني بتنديد مطول بالهجرة غير النظامية، موجهاً اتهامات لمهاجرين في مينيسوتا بالاحتيال، ومكرراً ادعاءاته -دون أي دليل- بأنه الفائز الشرعي في انتخابات 2020. هذه السردية الصدامية ليست مجرد تنفيس عن الغضب، بل هي وقود معركته الوجودية القادمة؛ إذ يدرك الرئيس أن بقاءه السياسي مرهون بانتخابات التجديد النصفي في خريف 2026.
ولهذا، وضع ترامب نفسه في قلب المعركة الانتخابية مبكراً، موجهاً تحذيراً صريحاً للمشرعين الجمهوريين: "إذا لم تفوزوا، فسيجد الديمقراطيون سبباً لعزلي". وفي محاولة لاستباق هذه المواجهة، يضغط الرئيس لتعديل النظم الانتخابية لتعزيز فرص اليمين، بينما تترقب الأوساط السياسية يقظة محتملة للسلطات المضادة والقضاء للجم هذا التوسع في الصلاحيات، في عام يحمل رمزية خاصة كونه يصادف الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني، وهي ذكرى تحل بينما يتهم الرئيس بمحاولة ارتداء تاج جديد.
3. "مجلس السلام": بديل ترامب للأمم المتحدة
في خطوة تعد الأكثر جرأة وانقلاباً على النظام الدولي المؤسس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بانتقاد الأمم المتحدة، بل انتقل إلى مرحلة التفكيك العملي عبر طرح مشروعه الجديد: "مجلس السلام". تقدم واشنطن هذه الهيئة الدولية الجديدة كبديل "مرن وفعال" عن المنظمة الأممية التي يصف ميثاق المجلس الجديد نهجها بـ"الفشل المتكرر"، داعياً دول العالم لامتلاك الشجاعة للابتعاد عنها.
تتجاوز فكرة المجلس حدوده الأولية التي كانت تهدف للإشراف على إعمار غزة، لتتحول إلى هيئة عالمية بصلاحيات شبه مطلقة لترامب نفسه. ينص "الميثاق" المؤلف من ثماني صفحات على أن يكون ترامب "أول رئيس لمجلس السلام"، متمتعاً بسلطة حصرية في دعوة رؤساء الدول للانضمام أو إنهاء عضويتهم، ما لم يعترض ثلثا الأعضاء. وتدار الهيئة عبر مجلس تنفيذي يضم دائرة ضيقة من الموالين، أبرزهم صهر الرئيس جاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
لكن البند الأكثر إثارة للجدل والذي يعكس عقلية ترامب التجارية، هو ربط العضوية بالمال. فبينما تحدد ولاية الدول الأعضاء بثلاث سنوات قابلة للتجديد بمزاج الرئيس، يمنح الميثاق استثناءً مغرياً: الدول التي تدفع "أكثر من مليار دولار نقداً" في السنة الأولى تحصل على مقعد دائم أو إعفاء من شرط المدة الزمنية. إنه تحويل صريح للمقاعد الدبلوماسية إلى سلع قابلة للشراء، في نظام يخلط بين السياسة والصفقات العقارية.
وعلى صعيد التجنيد، يمارس البيت الأبيض سياسة "العصا والجزرة" الفجة لملء مقاعد المجلس. فبينما سارعت دول مثل المجر (فيكتور أوربان) والمغرب وأرمينيا وبيلاروس لقبول الدعوة كأعضاء مؤسسين، واجهت الدول المترددة تهديدات مباشرة. المثال الأبرز كان مع فرنسا؛ فعندما ألمحت أوساط الرئيس ماكرون إلى تعذر الانضمام حالياً، رد ترامب فوراً بتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية لإجبار باريس على الخضوع.
يثير المجلس أيضاً قلقاً جيوسياسياً عميقاً، لا سيما مع توجيه دعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام، وهو ما تدرسه موسكو حالياً، مما وضع أوكرانيا في مأزق؛ إذ صرح الرئيس زيلينسكي بأنه "لا يتصور" الجلوس إلى جانب روسيا في هكذا مجلس. وفي حين تدرس كندا والصين والدول الأوروبية خياراتها بحذر، يكفي توقيع ثلاث دول فقط ليدخل الميثاق حيز التنفيذ، مما يعني أن عام 2026 قد يشهد ولادة مؤسسة دولية موازية تدار من المكتب البيضاوي، وتعمل بمنطق الشركات لا الدول.
4. الأزمة الجيوسياسية الكبرى: ملف غرينلاند.. حينما يهدد "حليف" بإنهاء الناتو
في سابقة هي الأخطر منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تحول اهتمام الرئيس دونالد ترامب بجزيرة "غرينلاند" من مجرد عرض شراء عقاري غريب الأطوار في ولايته الأولى، إلى أزمة وجودية تهدد بتفكيك التحالف الغربي في مطلع عام 2026. لم تعد المسألة تتعلق بالموارد الطبيعية أو التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا في القطب الشمالي فحسب، بل تحولت إلى معركة كسر عظم بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، مغلفة بدوافع شخصية صادمة كشف عنها الرئيس بنفسه.
يكمن "فتيل" هذا التصعيد في ربط غير مسبوق بين السياسة الخارجية والغرور الشخصي؛ فقد وجه ترامب رسالة رسمية إلى رئيس وزراء النرويج، يبلغه فيها بوضوح أنه "لم يعد يشعر بأنه ملزم بالعمل فقط من أجل السلام". السبب؟ شعوره بالمرارة لعدم منحه جائزة نوبل للسلام، التي ذهبت لزعيمة المعارضة الفنزويلية. هذا "التحرر من التزام السلام" منح ترامب، في منظوره الخاص، الضوء الأخضر لاتباع نهج أكثر عدوانية لتحقيق المصالح الأميركية، معتبراً أن السيطرة الكاملة على غرينلاند شرط لازم للأمن العالمي، بصرف النظر عن سيادة الدنمارك.
على الأرض، ترجمت واشنطن هذا الغضب إلى تهديدات مزدوجة: اقتصادية وعسكرية. فقد لوح ترامب بفرض حزمة رسوم جمركية عقابية تصل إلى 25% و200% على ثماني دول أوروبية (تشمل فرنسا وألمانيا وبريطانيا) لمجرد تضامنها مع الدنمارك. والأخطر من ذلك، رفض الرئيس الأميركي استبعاد "استخدام القوة" للاستيلاء على الجزيرة، بالتزامن مع إعلان قيادة الدفاع الجوي الأميركية الشمالية (نوراد) عن إرسال طائرات عسكرية إلى أجواء غرينلاند، في خطوة اعتبرها المراقبون استعراضاً للقوة يتجاوز التدريبات الروتينية.
أوروبياً، خلفت هذه التحركات حالة من الذهول والرعب الاستراتيجي. فالدنمارك، العضو المؤسس في الناتو، تجد نفسها مهددة من قبل قائد الحلف نفسه. وقد عبر الرئيس الليتواني عن عمق الأزمة بقوله إن أي تحرك أميركي ضد حليف "سيعني نهاية حلف شمال الأطلسي". فالمادة الخامسة للدفاع المشترك تصبح بلا معنى إذا كان التهديد قادماً من الداخل.
وفي محاولة يائسة لاحتواء الموقف وتفادي الصدام المباشر، اقترحت كوبنهاغن حلاً وسطاً يتمثل في تشكيل "بعثة مراقبة" تابعة للناتو في الجزيرة، لتهدئة المخاوف الأمنية الأميركية دون التنازل عن السيادة. إلا أن إصرار ترامب على أن الضم "أمر حتمي لا رجعة فيه"، ونشره صوراً مركبة له وهو يغرس العلم الأميركي في الجزيرة الجليدية، يضع القارة العجوز أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لابتزاز ينهي سيادتها، أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تعني انهيار المنظومة الأمنية الغربية برمتها.
5. العلاقات عبر الأطلسي: قمة دافوس.. من التحالف الاستراتيجي إلى "حروب الابتزاز"
في مشهد درامي يلخص حالة التصدع العميق التي أصابت المعسكر الغربي، تحولت قمة المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" بسويسرا من منصة تقليدية لتنسيق السياسات العالمية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. وصل الرئيس دونالد ترامب متأخراً إلى جبال الألب بعد عطل فني في طائرته، لكن "العطل" الحقيقي كان في جسور الثقة المنهارة بين ضفتي الأطلسي، حيث استُقبل الرئيس الأميركي ببرود غير مسبوق، وسط تساؤلات وجودية طرحتها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس: "ما هذا الذي أراه؟ ما الذي حصل؟".
لم يحمل ترامب إلى دافوس حلولاً اقتصادية، بل جاء ملوحاً بسلاح "الرسوم الجمركية" كأداة عقابية سياسية وليست حمائية فحسب. ففي سابقة خطيرة، ربط البيت الأبيض الاقتصاد بالأطماع الجيوسياسية، مهدداً بفرض رسوم تصل إلى 25% على ثماني دول أوروبية لمجرد وقوفها إلى جانب الدنمارك في أزمة غرينلاند. ولم تقف التهديدات عند هذا الحد، بل خصص ترامب فرنسا بوعيد صريح بفرض رسوم تبلغ 200% على النبيذ والشمبانيا، عقاباً لباريس على رفضها الانضمام لـ"مجلس السلام" المثير للجدل.
أمام هذا المنطق الذي وصفته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنه احتكام لـ"القوة الفجة" في عالم يزداد فوضوية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار تاريخي لوحدته وقدرته على الرد. ولأول مرة، تُطرح على الطاولة بجدية خيارات نووية اقتصادية، أبرزها تفعيل "أداة مكافحة الإكراه" (Anti-Coercion Instrument)، التي يصفها المراقبون بـ"البازوكا التجارية". هذه الأداة، التي صممت أصلاً لردع الخصوم التجاريين، قد تُستخدم ضد الحليف التاريخي، مما يتيح لأوروبا منع الشركات الأميركية من دخول المناقصات العامة، وتقييد الاستثمارات، وفرض عقوبات على قطاع الخدمات الرقمية والتكنولوجية الذي تهيمن عليه واشنطن.
ورغم حدة التهديد، يبدو المعسكر الأوروبي منقسماً في تكتيكات المواجهة. فبينما يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تيار التصعيد والمطالبة بتفعيل "البازوكا" فوراً رافضاً الرضوخ لـ"قانون الأقوى"، يحاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس لعب دور الإطفائي، ساعياً لعقد لقاء مع ترامب لتجنب حرب تجارية قد تعصف بالاقتصاد الألماني المترنح. أما بريطانيا، فقد أعلن رئيس وزرائها كير ستارمر رفضه القاطع للتنازل عن المبادئ تحت تهديد الرسوم.
هكذا، يدخل عام 2026 والعلاقة عبر الأطلسي تعيش حالة "انكشاف استراتيجي". فالولايات المتحدة، التي كانت لعقود الضامن الأمني والإقتصادي للقارة العجوز، باتت في عهد ترامب مصدراً للخطر والابتزاز. وكما عبرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بأسف، فإن واشنطن باتت "تتصرف بشكل غريب للغاية بالنسبة لحليف"، مما يفرض على أوروبا البحث عن "استقلال جديد" قد يغير وجه التحالفات الدولية للأبد.
6. ملف فنزويلا: انتصار عسكري وعقدة "نوبل".. الشرارة التي أشعلت "غضب" الرئيس
يمثل الملف الفنزويلي في سجل العام الأول من ولاية ترامب الثانية حالة فريدة من نوعها، حيث تداخل فيه "النجاح العسكري" الحاسم مع "الإحباط الشخصي" العميق، ليشكل هذا الخليط المتفجر نقطة التحول النفسية الأخطر في سلوك الرئيس الأميركي تجاه العالم وتجاه مفهوم "السلام" بحد ذاته.
بدأت القصة بما اعتبرته الإدارة الأميركية "درة تاج" إنجازاتها الخارجية؛ ففي الثالث من كانون الثاني/يناير، نفذت القوات الأميركية عملية عسكرية نوعية في العاصمة كراكاس، أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، منهية بذلك سنوات من العداء المستحكم بين واشنطن والنظام الفنزويلي. اعتبر ترامب هذا الحدث دليلاً قاطعاً على نجاح سياسة "القوة الفجة" التي ينتهجها، متباهياً في مؤتمره الصحفي بقدرته على حسم الملفات العالقة التي عجز أسلافه عن حلها، ومبدياً انفتاحه الكامل على "إشراك" زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو في الحكم الجديد، واصفاً إياها بالحليفة التي يمكن العمل معها.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن "الغرور" الرئاسي؛ إذ تحول هذا الانتصار الميداني إلى أزمة دبلوماسية ونفسية حين قررت اللجنة النرويجية منح جائزة نوبل للسلام لعام 2025 لماتشادو نفسها، متجاهلة الدور المحوري الذي يرى ترامب أنه لعبه في "تحرير" فنزويلا وإنهاء الحروب. بالنسبة لترامب، كان هذا القرار بمثابة "صفعة" علنية، وتأكيداً لنظريته القائلة بأن النخب العالمية تتآمر لحرمانه من التقدير الذي يستحقه. ورغم أن ماتشادو حاولت استرضاء الرئيس الأميركي بمنحه ميدالية الجائزة التي فازت بها، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإطفاء جذوة الغضب في البيت الأبيض.
تكتسب هذه الحادثة أهميتها القصوى ليس بصفتها شأناً لاتينياً، بل لأنها كانت "الزناد" الذي أطلق موجة العداء الحالية تجاه أوروبا. ففي رسالته الغاضبة لرئيس الوزراء النرويجي، ربط ترامب صراحة بين تجاهله في جائزة نوبل وبين قراره بالتخلي عن التزاماته السلمية، قائلاً عبارته التي قد يخلدها التاريخ كبداية لمرحلة الفوضى: "بما أن بلادكم قررت عدم منحي الجائزة... لم أعد أشعر بأنني ملزم بالعمل فقط من أجل السلام".
وهكذا، تحول الملف الفنزويلي من قصة نجاح دبلوماسي وعسكري، إلى عقدة نفسية دفعت الرئيس لتبني مبدأ "المصلحة الأميركية العارية" بلا أي غطاء أخلاقي. لقد أصبح "مظلومية نوبل" هي المحرك الخفي خلف قراراته التصعيدية اللاحقة، من تهديد الناتو إلى محاولة ضم غرينلاند؛ فالرئيس الذي شعر بأن العالم جحد "سلامه" في فنزويلا، قرر أن يذيق هذا العالم طعم "غضبه" في القطب الشمالي.
7. الخاتمة: عالم على حافة الهاوية
مع إسدال الستار على العام الأول من ولاية دونالد ترامب الثانية، لا يبدو العالم وكأنه يطوي صفحة تقويم اعتيادية، بل وكأنه يحدق في فوهة بركان جيوسياسي بدأ نشاطه للتو. إن المشهد الذي يرسمه تقرير يناير 2026 يتجاوز حدود "التحليل السياسي" التقليدي ليدخل في دائرة "الإنذار الوجودي" للنظام العالمي الذي عرفته البشرية منذ نهاية الحرب الباردة. نحن لسنا بصدد رئيس يحاول تعديل مسار السياسة الأميركية، بل أمام زعيم يسعى لإعادة هندسة مفهوم "القوة" و"الشرعية" و"التحالفات" وفق مقاييس شخصية بحتة، تماهت فيها "الأنا" مع "الدولة" حد التلاشي.
أوروبا: من الصدمة إلى "الطلاق الاستراتيجي"
تعيش القارة الأوروبية اليوم حالة تتجاوز "القلق" لتصل إلى "الرعب الاستراتيجي". لقد سقطت الرهانات القديمة التي كانت تعول على "مؤسسات الدولة العميقة" في واشنطن لكبح جماح الرئيس، أو على استراتيجية "الانحناء للعاصفة" حتى تمر السنوات الأربع. تدرك العواصم الأوروبية، من برلين إلى باريس، أن ما يواجهونه ليس عاصفة عابرة، بل تغير مناخي دائم في العلاقات عبر الأطلسي.
إن أزمة "غرينلاند" ليست مجرد نزوة عقارية، بل هي إعلان وفاة لمبدأ "السيادة" بين الحلفاء. عندما يهدد قائد الناتو بإنهاء الناتو ما لم يحصل على أراضي دولة عضو، فإن الحلف يفقد مبرر وجوده الأخلاقي والأمني. تجد أوروبا نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما علقم: إما الرضوخ لابتزاز يجردهم من كرامتهم السياسية واستقلالهم الاقتصادي، أو تفعيل "البازوكا التجارية" والدخول في حرب مفتوحة مع حاميهم التاريخي، وهو ما يعني عملياً نهاية "الغرب" ككتلة سياسية موحدة، وترك القارة العجوز مكشوفة أمام الدب الروسي والتنين الصيني. عبارة رئيسة وزراء الدنمارك "الأصعب لمّا يأتِ بعد" ليست تشاؤماً، بل قراءة واقعية لمستقبل قريب قد تتحول فيه أوروبا من "حليف" لواشنطن إلى "رهينة" لنزوات ساكن البيت الأبيض.
المؤسسات الدولية: الخصخصة والبدائل
على مستوى النظام الدولي، يمثل مشروع "مجلس السلام" الضربة القاضية لمفهوم "العمل متعدد الأطراف" القائم على القانون. إن استبدال الأمم المتحدة بهيئة تدار من المكتب البيضاوي، وتشترط "الكاش" مقابل العضوية، هو تتويج لمنطق "الصفقة" الذي يحكم عقلية ترامب. نحن نشهد تحولاً خطيراً نحو "خصخصة الشرعية الدولية"؛ حيث يصبح السلام والحرب، التحالف والعداء، سلعاً معروضة في مزاد علني يديره "الرئيس-المدير التنفيذي". هذا النهج لا يهدد بتهميش الأمم المتحدة فحسب، بل يهدد بإغراق العالم في فوضى معيارية، حيث يصبح "الحق" هو ما يقرره الأقوى والأغنى، وحيث تُباع مقاعد "صنع السلام" لمن يدفع المليار دولار، بغض النظر عن سجله أو نواياه.
الداخل الأميركي: سباق مع الزمن
في الداخل، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وهشاشة. إن سياسة "اقتصاد الغضب" التي يتقنها ترامب، والتي تعتاش على الاستقطاب وشيطنة الخصوم، قد تكون سيفاً ذو حدين. فبينما نجحت في إعادته للسلطة، إلا أنها تخلق بيئة مشحونة قابلة للانفجار في أي لحظة.
يشكل خريف 2026، موعد انتخابات التجديد النصفي، "الخط الفاصل" بين سيناريوهين:
1. سيناريو الهيمنة المطلقة: إذا نجح ترامب وحلفاؤه في الحفاظ على الكونغرس، فإن العامين المتبقيين من ولايته سيشهدان تحولاً جذرياً نحو "النظام السلطوي"، حيث ستسقط آخر الكوابح الدستورية، وقد نرى محاولات فعلية لتمديد النفوذ أو تصفية الحسابات السياسية عبر قضاء "مروض".
2. سيناريو العزل والشلل: إذا خسر الجمهوريون، فإن الديمقراطيين -المسلحين بغضب الشارع واستياء المؤسسات- لن يترددوا في تفعيل إجراءات العزل، مما سيدخل الولايات المتحدة في دوامة صراع داخلي قد يشغلها عن العالم، أو يدفع ترامب لتصدير أزماته للخارج بشكل أكثر عنفاً وتهوراً.
سيكولوجية السلطة: عقدة "نوبل" ومحرك الانتقام
لعل أخطر ما في استشراف المستقبل هو العامل النفسي للرئيس. لقد أثبتت أحداث العام الأول، وخاصة رد فعله الهيستيري تجاه عدم منحه جائزة نوبل، أن السياسة الخارجية لأقوى دولة في العالم باتت رهينة "الجرح النرجسي" لقائدها. إن رئيساً يربط السلام العالمي بحصوله على ميدالية، ويهدد باحتلال أراضي الحلفاء انتقاماً لكبريائه، هو رئيس لا يمكن التنبؤ بخطواته عبر المنطق السياسي التقليدي. هذا يعني أن العالم يجب أن يستعد لقرارات مفاجئة، غير عقلانية، ومدفوعة بالرغبة في الانتقام أو إثبات الذات، دون أي اعتبار للكلفة البشرية أو الاقتصادية.
كلمة أخيرة
في الختام، يدخل العالم عام 2026 وهو يسير على حبل مشدود فوق هوية سحيقة. لقد تحول شعار "أميركا أولاً" إلى كابوس "الجميع ضد الجميع". النظام العالمي الذي بني بعناية عبر عقود يتعرض لعملية هدم ممنهج، ليس من قبل أعدائه، بل من قبل مهندسه الأول.
المستقبل القريب يحمل في طياته احتمالين: إما أن ينجح العالم (والداخل الأميركي) في احتواء هذه النزعة الجامحة عبر تكتلات جديدة ومقاومة مؤسسية صلبة، أو أن ننزلق جميعاً نحو حقبة من "الداروينية السياسية" حيث البقاء للأشرس، وحيث القانون الدولي ليس سوى حبر على ورق في ملفات البيت الأبيض المذهبة. الأكيد هو أن العالم كما عرفناه قبل 2025 قد انتهى، وأننا نعيش الآن فصلاً تاريخياً عنوانه العريض: "فوضى القوة".



اضف تعليق