إن القول بأن (الحقيقة والمعرفة نسبية) غير تام، ويرد عليه إضافة إلى ما سبق:

إن (الحقائق الخارجية)(1) هي حقائق مطلقة، وليست نسبية(2) بل غاية الأمر أن تكون تدريجية وتشكيكية فقط؛ فإن كل شيء هو هو، وليس غيره، بل لا معنى محصَّل للنسبية في الحقائق الخارجية سواء الثابت منها أم المتغير، وسواء الحقائق التشكيكية منها أم المتواطية.

وعلى هذا فإنه لا يصح القول بأي وجه من الوجوه: بأن (الله تعالى) حقيقة نسبية.

كما لا يصح القول بأن: (الجوهر) بمختلف أنواعه ـ كالجدار والذهب والفضة والنفس والعقل ـ حقائق نسبية في حد ذاتها وفي أفق وجودها الخارجي نفسه، مع قطع النظر عن تعلق (معرفتنا) بها(3).

كما لا يصح القول بأن (الكم والكيف وسائر المقولات العرضية) هي حقائق نسبية.

كما لا يصح القول بأن الانتزاعيات (كزوجية الأربعة، وكالوحدة على رأي) والإعتباريات (كاعتبار هذه العملة ذات قيمة محددة) هي حقائق نسبية.

نسبية (الحركة) و(الزمان)

نعم: إن أبرز ما يمكن أن يستندوا إليه لنسبية (الحقيقة)، هو (الحركة) و(الزمان) وأمثال (الطول والقصر) و(السرعة والبطؤ)، بدعوى أن (الحركة) ذاتيُّها التغير، و(الزمان) منتزع من مقدار الحركة ـ على رأي (4)ـ وهو نسبي أو متغير بالإضافة إلى ما سبقه ويلحقه، و(الطويل) قصير بالقياس للأطول منه.. وهكذا.

والجواب: إن (الحركة) بما هي حركة، ـ سواء أكانت حركة في (الأين) أم في (الوضع) أم في (الكم) أم في (الكيف)(5) ـ أمر واقعي، لها تحقق في الخارج، وهي (حق) سواء علمنا بها أم أنكرناها، وسواء لاحظناها في حد ذاتها أم مقيسة للغير، فإنها لا تخرج عن كونها هي هي، بالحمل الذاتي الأولي وبالحمل الشائع الصناعي، وكذلك (الزمان).

وأما (معلوماتنا) و(صورنا الذهنية) عن (الحركة والزمان) ومعارفنا عنهما، وعلومنا بالنسبة لهما، فإنها أيضاً ليست بالنسبية؛ إذ:

أ: أننا نجد أن (الحركة) و(الزمان) ونظائرهما، حيث كانت لها واقعية(6) وخصوصيات، من قوة أو ضعف أو غيرهما، فإن كل معرفة تطابق تلك الواقعية والخصوصيات، في أي زمن، وفي أية حالة وظرف، فإنها صحيحة، دون غيرها.(7)

ب: كما نجد أن معارف الناس وعلومهم عن (الحركة) وأخواتها، لا يعقل أن تكون كلها صحيحة، بل المطابق منها لها، صحيح، لا غيره؛ فإن الزمان مثلاً إما أمر موهوم لا وجود له إلا في خيالنا، وإما أمر حقيقي موجود، ولا يعقل صحة الأمرين معاً، وهو إما متأصل أو لا، ولا يمكن الجمع بينهما.

ج: كما نجد أن أصل وجود (الحركة) وأصل كونها ذات تأثير، وفعل وانفعال، وأن منها النافع ومنها الضار، وأنها ذات درجات وسرعة وبطؤ، إضافة إلى مجموعة أخرى من أحكامها؛ هذه كلها تعد (مقولات عالمية مشتركة).

د: كما نجد أن الوجدان السليم والفطرة والعقل، تشهد كلها بأن معارفنا عن (الحركة) ـ كتلك السابقة ـ هي انعكاس عن واقعها الخارجي، وليس العكس، فالواقع والخارج ونفس الأمر هو (الأصيل)، والمعرفة أو الذهن مرآة وتابع وعاكس فلا مجال لدعوى (الانقلاب الكوبرنيكي) أبداً.(8)

هـ: كما أن عدداً من أحكامها، قطعي، لا يشك فيه عاقل، وليس ظنياً.

و: كما أن من أقسام الحركة، ما يتعلق ببواطن الوجود، وليس ظاهره فقط، (كالحركة الذاتية)(9) مثلاً(10)، ومعارفنا قد تعلقت به، فليست المعرفة مقتصرة على ظواهر الوجود فقط.(11)

وكذلك هنالك سلسلة قوانين، كالعلية والمعلولية، واستحالة الترجح بلا مرجح، ومشككية بعض الوجودات، وغيرها، فإنها متعلقة ببواطن الوجودات، كظواهرها، تماماً، وليست مقتصرة على الظواهر، كما تشمل هذه القوانين، كل أنواع الحركة، وهي حاكمة على بواطنها تماماً كظواهرها.

وبذلك ظهر أيضاً بطلان التوهم الذي يدعي نسبية الحقيقة من ثم المعرفة، مستنداً إلى أن (الزمان) نسبي، بمعنى أن زمان (المتحرك) يختلف عن زمان (الساكن)، وزمان الأسرع حركة يختلف عن زمان الأبطأ حركة؛ ولذلك نقل عن أنشتاين أنه ذهب إلى أن من ركب سفينة تسير بسرعة أقل من سرعة الضوء ـ بدرجة معينة ـ فإنه إذ تمضي على راكبها سنة، فإن سنتين تكون قد مضت على ساكن الكرة الأرضية، وإذ تمضي عليه سنتان، تكون قد مضت على الأرض ثمان سنين، وإذا مضت على راكبها ثمان سنين، فإن مليون سنة تكون قد مضت على عمر الأرض(12)... وهكذا.

ونقول في الجواب: ذلك أيضاً لا يصلح أبداً مستنداً لنسبية الحقيقة، وذلك لأن (سنة) الساكن في الأرض هي في الواقع ونفس الأمر، سنة لا أقل ولا أكثر، مهما أسرعت السفينة، ومهما اختلفت سنين الركاب، كما أن المعرفة المتعلقة بها هي إما مصيبة إن طابقتها، أو مخطئة إن جانبت الصواب، كما أن السنتين أو الثمانية أو المليون، التي تمضي على الركاب، هي سنتين أو ثمانية أو مليوناً لهم، مهما كان وضع الكرة الأرضية.

كما أن النسبة بين الركاب والساكنين، هي أيضاً، نسبة محددة، والعلم بها إن طابقها، كان حقاً وصواباً، وإلا فباطل وجهل وخطأ وخطل.

وبعبارة أدق: (الموضوع) في القضيتين ليس واحداً، واختلاف الحكمين إنما كان مع عدم تحقق كل شروط التناقض الثمانية أو التسعة(13) بل لدى الدقة الأكثر، نجد أن (المحمول) في القضيتين أيضاً يختلف، فإن (الزمان) وإن كان مفهوماً كلياً واحداً إلا أنه متعدد الأفراد، بل ومتكثر الأصناف، وذلك يعني أن (المحمول) من الزمان على ساكن الأرض، هو مصداق من الزمان وفرد منه، و(المحمول) منه على ساكن المركبة الفضائية، هو مصداق آخر، فلم يوجد شيء واحد حقيقي بالشخص قد اختلفت نسبته لموضوعين، ولذا كحمل الأبيض على زيد في نفس وقت حمل الأسود على بكر، فهل ترى ذلك من النسبية في شيء؟!

وبذلك كله يظهر الحال أيضاً في مطلق ما كان من مقولة الإضافة (كالعلو والسفل، والبعد والقرب، والأخوة والجيرة، والأبوة والبنوة) وهي على المشهور بين الحكماء موجودة في الخارج، بوجود موضوعها، من غير أن يكون لها موجود مستقل منحاز، وكذلك يظهر الحال في أية مقولة ذات نسبة (وهي الأين، المتى، الوضع، الجدة، الفعل، الانفعال).

وذلك من غير فرق في مقولة الإضافة، بين ما عرضت الجوهر كالأب والابن، أو الكم المتصل كالعظيم والصغير، أو الكم المنفصل كالكثير والقليل، أو الكيف كالأحلى والأمر والأحر والأبرد، أو الأين: كالأعلى والأسفل، أو المتى كالأقدم والأحدث، أو الوضع: كالأشد انتصاباً وانحناءً، أو الجدة: كالأعرى والأكسى، أو الفعل: كالأقطع والأصرم، أو الانفعال كالأشد تسخناً والأضعف، بل والإضافة نفسها كالأقرب والأبعد.

وبعبارة مبسطة: إن ما طوله (متر واحد) مثلاً هو متر واحد، مهما تغيرت الظروف والأزمنة والأشياء المحيطة به، ومهما تغيرت تصوراتنا ومفاهيمنا عن المتر والطول، فهو حقيقة مطلقة في حد ذاته.

نعم بقياسه لكل من المترين ونصف المتر (ينتزع العقل)(14) عنوان (الأطول والأقصر) ولكن الاختلاف هو لاختلاف المنسوب إليه والمقيس إليه. كما أن الموجود في الخارج هو (الحركة) بدرجاتها، أما وصفها بالأسرع والأبطأ، فلا يجدي القائل بالنسبية شيئاً، لأنه في حد ذاته هو هو بشكل مطلق، ـ أي مع توحيد عوامل التناقض الثمانية ـ وأما بالقياس للأبطأ أو الأقصر، فهو أسرع منه أو أطول بقول مطلق، وهو أبطأ وأقصر بالقياس للأسرع الأطول، بقول مطلق أيضاً، نعم لك أن تغير (المقيس إليه) فيتغير (القياس)، لكنه لا تكون القضيتان عندئذٍ متحدتين، لاختلاف المحمول، كما سبق، والحاصل أنه لم يَرِدْ (الحمل) و(النفي والإثبات) على شيء واحد.

والحاصل: أنهم إن أرادوا من النسبية هذا(15)، فإنه لا شك فيه، في بعض القضايا كقضايا مقولة (الإضافة) وكما فيما فيه (النسبة) من المقولات. إلا أنه أين ذلك من (تعميم النسبية):

أ ـ للشيء في حد ذاته.

ب ـ للشيء مقيساً إلى أمر آخر بما هو هو.

ج ـ وحتى (لبعض الأشياء) وإن (قيست) بالنسبة لشيء، ثم لشيء آخر، أو في ظرف دون آخر، أي وإن تغير المقيس عليه والقياس؛ إذ تبقى النتيجة هي النتيجة، ثابتة، غير متغيرة، مع وحدة إتجاه السهم، ووحدة المنسوب له، وبعبارة أخرى: تتولد قضيتان عندئذٍ وكلتاهما مطلقة.

وأما الأمر في غير (الإضافة) وغير ما له النسبة من المقولات، فأوضح، وذلك مثل (وجود الله) و(الوجود) و(العدم) ومثل كافة مسائل علم الحساب والهندسة، ولنضرب هذا المثال المبسط: فإن مساحة (المستطيل) مثلاً هي حاصل ضرب أحد ضلعيه في الضلع المجاور له، سواء قست المربع للمستطيل، أم للمثلث، أم لأي شيء آخر، وسواء لاحظته منسوباً لمربع أكبر أم أصغر، وسواء كان المربع في الظلام أو في دائرة الضوء، وسواء كان المربع، في علته المادية أو الفاعلية أو الغائية، من نمط خاص، أم من نوع آخر، فإن الناتج على كل التقادير هو الناتج نفسه، وهو أن مساحته هي ناتج ضرب أحد ضلعيه في الآخر.

ولنعد مرة أخرى إلى مبحث (الحركة) و(الزمان) لإكمال الصور والاحتمالات والردود، فنقول:

نعم لو فرض إمكان أن يكون الشيء ثابتاً ومتحركاً في الوقت نفسه، من جهة واحدة، فإنه سيكون ذا زمانين، وسيكون من يقول إنه ثابت، مصيباً، ومن يقول إنه متحرك، مصيباً أيضاً(16)؛ إلا أن الجواب عن هذا واضح أيضاً؛ إذ يستحيل كون الشيء ثابتاً ومتحركاً من جهة واحدة، بشرائط التناقض الثمانية؛ إلا أن ينكر شخص بداهة استحالة جمع النقيضين أو الضدين، فينتقل النقاش معه إلى علم الكلام والفلسفة، ويكفي في رده الوجدان وصريح العقل.

بل لو تنزلنا وافترضنا إمكان كون الشيء ثابتاً ومتحركاً في الوقت نفسه، ومن الجهة والحيثية نفسها، فإنها تبقى لدينا حقيقة مطلقة أيضاً، وهي أن هذا الشيء يتصف بالحركة والسكون معاً، في نفس الوقت، وأنه ليس ـ في نفس الأمر ومتن الواقع ـ إلا كذلك، وليس متصفاً بنقيض المجموع، أي لا يصح سلب الحركة والسكون عنه معاً.

و(المعرفة) على هذا مطلقة أيضاً، فكل صورة ذهنية تنسب مجموع الصفتين لهذا الشيء، فهي صواب، وكل صورة ذهنية تسلب مجموع الصفتين عن هذا الشيء، فهي خطأ وباطل.(17)

وعلى هذا فإنه لا يصح القول بأن معرفتي هذه ورؤيتي عن الشيء بأنه ثابت ومتحرك في الوقت نفسه، صحيحة في زمن وباطلة في زمن آخر (مع حفظ الموضوع، أي مع الالتزام بكون الشيء على ما كان عليه)، أي مع وحدة زمان المنظور إليه والمتعلَّق وإن تعدد زمان النظر والناظر.

كما لا يصح القول بأن قناعتي عن الشيء (بأنه يحمل صفتين متناقضتين) صحيحة، وقناعة من يرفض ذلك وينكره أشد الإنكار، هي صحيحة أيضاً.

ثم إن من الواضح أن كل أو أكثر أو كثير ممن ادعى (النسبية) قاطعون بها، وأن معطيات أدلتهم لديهم هي القطع لا الظن، كما أن الحال عندنا نحن ـ في الجهة المقابلة ـ كذلك، فلا يصح القول بأنه لا توجد معرفة قطعية، ولا توجد أسباب تكون نتائجها مما يقطع به المرء.

ثم إنه على تقدير التنزيل نقول: لو فرض وجود حقيقة نسبية خارجية، أو فرض تحقق معرفة نسبية، فإن ذلك لا يعدو كونه جزئياً، والجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، وأن (التعميم) وإدعاء وجود قاعدة عامة، لمجرد تحقق مصداق أو مصاديق عديدة، ليس من دأب العقلاء.

وبذلك ظهر أن (النسبية) لا تجري في دائرة الخارج، إلا بالمعنيين الأول والثاني الآتيين وكذا المعنى السابع، وأما في دائرة (المفاهيم)(18) فلا تجري أيضاً معادلة (النسبية) لا بالمعنى الثالث ولا بالمعنى الرابع أو التاسع أو الحادي عشر أو الثاني عشر بل وحتى الخامس والسادس، والثامن.(19)

علوم ومعارف ليست نسبية

كما أن من أوضح الأدلة على وجود سلسلة من العلوم والمعارف والمسائل المطلقة، والتي لا تنالها يد النسبية بوجه من الوجوه، هو:

إن (الفطرة) و(العقل) و(الوجدان)؛ وكذا (العلم) و(كافة العقلاء) إضافة لـ(الشرع)، كلها تشهد بوجود علوم ومسائل من علوم، ليست المعرفة فيها نسبية بل (المعرفة فيها مطلقة) وذلك مما لا يشك فيه منصف.

فمن المعارف المطلقة: (الفطريات) و(الأوليات).(20)

وذلك كـ(استحالة الترجُّح بلا مرجح)، سواء أقلنا باستحالة (الترجيح بلا مرجح) أيضاً أم لا، و(النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان)، بشرائطهما، وإنقسام البرهان إلى (برهان لِمّي) و(برهان إنّي) و(برهان شبيه باللِّم)، و(استحالة الدور وكذا التسلسل)، وبداهة كون (الكل) أعظم من (الجزء)، و(فاقد الشيء لا يعطيه) إلى غير ذلك.

ومن المعارف المطلقة: كافة (المستقلات العقلية)(21) كـ(العدل حسن) و(الظلم قبيح)، و(التعاون على البر والخير والتقوى، خير) و(التعاون على الإثم والعدوان والشر، شر) و(الإحسان في حد ذاته، حسن) وكذا (الإيثار) و(المواساة) بما هما هما، بل وكذلك (الصدق) في حد ذاته حسن، و(الكذب) في حد ذاته قبيح، ونقصد بـ(في حد ذاته) أي فيما لو لم يُزاحَم بأهم، وكذلك (ضرب اليتيم، والطفل، والزوجة)(22)، لا لذنب، بل تشهياً، فإنه قبيح دون ريب.

وذلك كله بعد وضوح (أن الحسن، حسن في حد ذاته، والقبيح قبيح كذلك) وليس (الحسن ما حسَّنه الشارع، ولا القبيح ما قبّحه الشارع).(23)

ولا يخفى أننا لا نريد بـ(الحَسَن) و(القبيح) الملائم للطبع أو المنافر له، بل نريد معناه المركوز في الأذهان، البديهي، والذي لا نرى حاجة لتفسيره حتى بمثل (الكمال والنقص)، على أنه لو فسر بالملائم والمنافر لما كان نسبياً بالمعنى الذي قصدوه إذ أوضحنا من قبل أن اختلاف المنسوب إليه، يوجب تعدد القضايا والأحكام، فلا يرد النفي والإثبات على شيء واحد.

ولذلك، فإن (الحسن) لا ينقلب عما هو عليه، مادام حسناً وبشروط الحسن وإن اعتبره قوم قبيحاً، أفترى (الظلم) يتحول (حسناً) لمجرد أن مستبداً أو أمة طاغية، اعتبروه حسناً؟!

ومنها: جملة من العلوم كالحساب والهندسة(24)، في كافة قواعدها ومسائلها، وكذا المنطق في أغلب قواعده، كقواعد (العكس المستوي) و(عكس النقيض) و(الأشكال الأربعة) ...الخ.

وهل يعقل أن يكون (المثلث، مجموع زواياه تساوي قائمتين) نسبياً بأي معنى فرض للنسبية؟ وهل يقبل منصف أو عاقل، أن خلفيات (المؤلف) الفكرية وقبلياته النفسية، هي ذات تأثير في صدق هذه القضية وصوابيتها؟ أو يقول: إن خصوصيات المفسّر والمؤول هي التي تحدد صدق وصحة هذه القضية؟

ومنها: جملة من مسائل مجموعة من العلوم كالفيزياء، والكيمياء، والفلك، والطب، والجيولوجيا، والبيولوجيا، وذلك كتكوّن نواة الذرة من بروتونات ونيوترونات، وحولها تدور الأليكترونات.

وإمكانية تحول المادة إلى طاقة وبالعكس، وتوسع (الكون) بالإنفجارات المتواصلة للنجوم، قال تعالى: ƒوَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ‚(25). وكذلك: كل فعل يقابله رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه، وإمكانية تحول بعض العناصر للبعض الآخر، ودرجة الانصهار الخاصة بكل معدن، ومعادلة المد والجزر والقمر، وحركة النور والفوتونات، والفيروس والبكتريا والمكروب، والتكاثر بالولادة أو الانشطار أو غيرهما.

وأن العقلاء يعتبرون منكر ذلك (جاهلاً) ولا يقول أحد منهم بأن (له قراءته) وله الحق فيها!

لا يقال: كثيراً ما يكتشف العلماء بطلان نظرية سابقة؟

إذ يقال: فالأمر ـ إذن ـ دائر بين الصحيح والخطأ، فالمطابق للواقع صحيح، وغير المطابق خطأ، سواء كان (المطابق) هو رأي الأكثرية أم الأقلية، وسواء كان هو رأي القدماء أو الجدد، ولا تغيِّر (قراءة) المفسِّر من الواقع شيئاً، كما لا تؤثر قبليات (المؤلف) في معادلة الصحة والصواب شيئاً، بل أقول إن نفس الإقرار بوجود خطأ وصواب في العلوم، لدليل على أن (الحقيقة) ثابتة ومطلقة، وأنها هي (المحور) و(الأصل)، وليست نسبية خاضعة لخلفيات (الكاتب) أو (القارئ)، (المؤلف) أو (المفسر) أو غيرهم.

وعلى أي فإن اكتشاف بطلان نظرية ما، لا يدل على النسبية بالمعنى الثالث الآتي، بل يؤكده كما لا يخفى، كما لا يدل على النسبية بالمعنى الرابع، بل ولا على حسب مجموعة أخرى من معاني النسبية كما سيأتي توضيحه.

التطرف الهِرمينوطيقي

واخيراً: فإن مما يستدعي الانتباه ويثير علامات الاستفهام أن عدداً من مشاهير علمانيي المسلمين تبنوا (الهِرمينوطيقية) بإحدى أغرب صيغها وأكثرها تطرفاً وبعداً عن (الفطرة) و(الوجدان) وعن (بناء العقلاء)، وهي التي تنكر وجود أية (قيمة موضوعية للنص) نفسه، ولا ترى إلا المفسِّر واتجاهاته النفسية وقبلياته الفكرية والعقدية، كما تنكر وجود أية قيمة لـ(قصد المؤلف ومراداته) ـ كما نقلنا كلامهم في فصل آخر ـ.

فكأنهم أضحوا (مقلدين) حرفياً، لأحد أكثر فلاسفة الغرب تطرفاً في تفسير الهِرمينوطيقا.(26)

(قصد المؤلف) بين المحورية والإلغاء

لقد تغافل بعض علمانيي المسلمين عن المذاهب الأخرى الهِرمينوطيقية، والتي يمثلها فلاسفة غربيون آخرون،(27) والتي تعترف بـ(قصد المؤلف ومراداته) الكامنة وراء النص، وضرورة البحث عنها مطلقاً أو في الجملة، كما تعترف بـ(سوء الفهم) كأمر واقع وحقيقة لا تنكر، والتي حاولت أيضاً إكتشاف ضوابط لعصمة القارئ عن سوء الفهم، وسعت لوضع القوانين والمعايير التي تضمن الفهم الصحيح للنصوص(28)، وسوء الفهم على قسمين: سوء فهم دلالات النص على مفاداته بنفسه وسوء فهم مقاصد المؤلف من النص، ويتضح ذلك بملاحظة الفرق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية.

ولذا نجد أحد أكبر فلاسفتهم(29) قد عرف الهِرمينوطيقا بـ(فن إمتلاك الشروط الضرورية للفهم).(30)

لكن المشكلة أن بعض فلاسفتهم(31) بالغوا في هذا الإتجاه المقابل باعتبار (المحورية) لـ(المؤلف والمبدع) وأن نفسيته هي (ذات المعنى المختزن في النص) أو هي (محور المعنى) ولا يمكن الوصول إلى معنى النص إلا بالتوغل في النفسية التي أوجدته! و(الفهم) هو تحقيق تطابق (النص) مع (باطن المؤلف)، وهو (تجربة الحياة كما عاشها المؤلف) لا (كما هي هي) أو (كما هي تجربة الحياة المشتركة)، وفيما ذكرناه لدى الإجابة عن الهِرمينوطيقا بمدارسها المختلفة، كفاية، لمعرفة الإجابة على هذين المذهبين.(32)

والذي يؤخذ على كلا المذهبين هو (التطرف) في الإثبات والتطرف في الإلغاء:

1: التطرف في إثبات المحورية للمسبقات الفكرية والخلفيات النفسية.

2: أو التطرف في إثبات المحورية لقصد المؤلف ومراداته.

3: التطرف في إلغاء (القيمة الموضوعية للنص).

4: التطرف في إلغاء (القيمة لقصد المؤلف) في كل النصوص.(33)

وسنتطرق في هذا الكتاب بشكل مسهب لهذه النقاط الأربع، ويكفي هنا أن نشير إشارة سريعة فقط إلى أن مما يؤخذ عليهم أنهم بالغوا في توهم تحقق المقدرة على، و(إمكان) استكشاف أغوار المؤلف وأعماق نفسيته ومشاعره، كما بالغوا في مدى (أهمية) ذلك وضرورته في كل (النصوص). كما بالغ غيرهم في القدرة على فهم قصد المؤلف أو أهمية وضرورة ذلك في كل النصوص.

كما يؤخذ على بعضهم أنهم حصروا الفهم في نطاق (النص) فقط، مستبعدين أي عامل خارجي يساعد على إكتمال عملية الفهم، مع أنه لا ريب في تأثير العوامل الخارجية بالنص ـ وهي القرائن الحالية ـ في سلامة فهم مضمون النص أو فهم مراد المتكلم منه أو فهم مسبقاته وخلفياته(34)، وذلك مثل دراسة ظروف صدور النص (إذا كان المتكلم أو الكاتب من البشر)، مثل: هل أن المتكلم كان في حالة تقية مثلاً أو لا، بل حتى في غير البشر، فمثلاً هل كان المشرِّع السماوي في مقام أصل التشريع، فلا يتمسك بإطلاق كلامه لنفي قيد أو شرط أو جزء محتمل، أم أنه كان في مقام ذكر كافة الحدود والقيود والشروط والموانع.

ومن العوامل المكتنفة بالنص: (المقارنات البصرية) والمشار لها بـ(اللغة البصرية) المعتمدة على الحركات والإيماءات وغيرها، وكذلك المقارنات الحسية الأخرى كطريقة الإلقاء، وإرتفاع الصوت وانخفاضه أو تقطعُّه وغير ذلك، الكاشف عن كونه جاداً أو هازلاً(35)، صادقاً أو كاذباً(36)، وعن كونه هادئاً أو متسرعاً، دقيقاً أو متسامحاً في التعبير، واثقاً من صحة كلامه أو شاكاً،(37) إلى غير ذلك.

* من الفصل الثاني لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

..................................
(1) المتأصلة بل وحتى الحقائق الانتزاعية والاعتبارية.
(2) أي من حيث كونها حقاً، ومن حيث وجودها وتقررها في نفس الأمر كما هي، ومن حيث كونها من حيث هي هي هي، ولا شيء آخر.
(3) فإن محور (معرفتنا بها) سندرسه في النقطة اللاحقة بإذن الله تعالى.
(4) فهو كم متصل غير قار عارض للحركة ـ عند بعضهم، وهو البعد الرابع للمادة على رأي آخر، وقيل إنه جوهر مجرد وقيل إنه جوهر جسماني، وأما على لا القول بأنه (لا وجود له إلا بحسب الوهم) فالأمر أوضح.
(5) وسواء قلنا بانحصار الحركة في هذه المقولات الأربع كما ذهب إليه قدامى الحكماء، أم قلنا بشمولها للمقولات العرضية الأخرى، بل وللجوهر أيضاً.
(6) أية مرتبة من الواقعية فرضناها لها، وأي نوع من أنواعها كان.
(7) ولذا لو كانت الحركة بطئية جداً، حتى توهمناها سكوناً، فإن (توهمنا) هو الخاطئ، ولا يغير هذا التوهم من كونها حركة بطيئة شيئاً.
(8) سيأتي تفصيل ذلك عند نقد كلمات كانط، إن شاء الله تعالى.
(9) ومن أقسامها (الحركة الجوهرية) على القول به.
(10) بل (الحركة) هي عادةً حركةٌ لمجمل المتحرك، ظاهرِه وباطِنه، بل الحركة الخاصة بالظاهر لعلها نادرة.
(11) فتأمل.
(12) وسواء صحت هذه النسبة إليه، أم لا، ثم على تقدير الصحة، سواء كانت النظرية بحدودها صحيحة أم لا، فإن الإجابة ستكون كما في المتن، قاطعة لحجة النسبيين.
(13) وهي وحدة الموضوع والمحمول والزمان والمكان والشرط، والإضافة، والجزء والكل، والفعل والقوة، ويلحق بها وحدة (الرتبة).
(14) (أو يتصف المتر) بناء على أنه موجود بوجود منشأ انتزاعه.
(15) أي أن شيئاً بالقياس لعاملين آخرين، له نسبة مختلفة، فبالنسبة للأول ـ مثلاً ـ يكون أسرع أو أطول منه، وبالنسبة للثاني يكون أبطأ وأقصر.
(16) كما يكون كلاهما مخطئاً أيضاً.
(17) والتحقيق أنه إذا صح التناقض في متن الواقع، صح في عالم الإثبات، فكان صدقاً وكذباً؛ إذ لو صح التناقض لصح أيضاً أنه متصف في الوقت نفسه بأنه لا متحرك ولا ساكن، فكان كل من القولين صادقاً وكاذباً، وبهذا يظهر أن جذر النسبية ـ بالمعنى الرابع الآتي ـ هو التناقض فتدبر جيداً.
(18) وهذا محور النقطة اللاحقة ـ كما سيأتي بإذن الله تعالى.
(19) ولا ينفع النسبيين جريانها بالمعنى الأول أو الثاني الآتيين (وهما: أننا قد نكتشف جانباً من الحقيقة فقط، وأننا قد نصيب في بعض ما اكتشفناه فقط) وسيأتي لاحقاً توضيح ذلك.
(20) ذكرنا الفرق بينهما في مبحث آخر.
(21) وقد ذكرنا العشرات من (المستقلات العقلية) في كتاب: Sالأوامر المولوية والإرشاديةR مع تفصيل الكلام حولها.
(22) وذلك من مصاديق الظلم.
(23) بل حتى على هذا المبنى أيضاً فإن (الأشعري) القائل بأن الحسن والقبح شرعيان، لا يختلف مع الآخرين، في أن تلك المصاديق (كالظلم والكذب) هي قبيحة، ولا يضر الاختلاف في وجه القبح والحسن، ومَن القائل بهما بالاتفاق على أن هذا (كالعدل) حسن وذاك (كالظلم) قبيح.
(24) حتى (كانط) ارتأى أنها صحيحة مطلقة؛ لأنها من صنع العقل، كما يقول ويرى، لكن على هذا يظهر للنسبية معنى آخر؛ إذ حسب كلامه لو كان العقل ومعطياته بشكل آخر لتغير ما يصنعه، وقد فصلنا كلامه والجواب عنه في فصل خاص، فراجع.
(25) سورة الذاريات: 47.
(26) وهو (غادامير).
(27) وأهمهم هو شلاير ماخر (1768-1834).
(28) من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة: ص25.
(29) شلاير ماخر.
(30) المصدرالسابق، ص24.
(31) دلثاي (1883-1911) وقد يلحق به (هيرشي) الذي اعتبر أن (قصد المؤلف) هو الهدف الأساسي للهِرمينوطيقا، وأنه (المقياس) لاكتشاف (التأويل السليم).
(32) يراجع كتاب S الهِرمينوطيقا في الواقع الإسلامي بين حقائق النص ونسبية المعرفةR، للأخ الفاضل الشيخ معتصم السيد أحمد، وقد استفدت منه في ثنايا البحث عن الهِرمينوطيقا، خاصة في تتبع الآراء ونقلها.
(33) إذ سياتي بيان أن (قصد المؤلف أو المتكلم) غير مهم في نصوص العلوم الطبيعية والرياضية بل إنه غير مهم في أكثر العلوم، وأن قصده ـ أي قصد خالق الكلام جل اسمه، في مثال القرآن الكريم ـ مهم في نصوص القرآن الكريم والروايات الشريفة، نظراً لخصوصية فريدة فيهما ذكرناها هنالك.
(34) على فرض صحة أو أهمية ذلك ولو أحياناً.
(35) وهذا يرتبط بقصد المؤلف.
(36) وهذا يرتبط بمدى مطابقة النص للواقع وعدمه.
(37) وهذا يرتبط بمعرفة خلفياته ومسبقاته.

اضف تعليق