إسلاميات - عقائد

قصد المؤلف في الميزان

من كتاب: نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

قصد المؤلف: قد يهم، وقد لا يهم

إن (فهم)(1) المعنى الذي تجسد في ذهن المؤلف أو الكاتب أو المتكلم(2)، بكل ما يحيط به من ظلال وأبعاد، ومن ملزومات وملازمات، وبالأهداف والغايات، والعلل والأسباب الكائنة وراءه؛ لهُوَ على قسمين ونوعين؛ فإنه قد يكون (مهماً) وقد لا يكون، وقد يكون (مؤثراً) أو (مطلوباً) أو (مفيداً)، وقد لا يكون، فلا إطلاق لدعوى (ضرورة تجاوز المناهج، لتحليل عملية الفهم نفسها..) وشبهها(3)

فإن الذي يهم وينفع ويفيد ويؤثر في كثير من الأحيان، و(المطلوب لذاته) هو: (المادة) نفسها، و(النصوص بذواتها) بمعزل عن كاتبها أو قارئها، فإن (الكلمات) ـ وإن كانت نتاج تفكير الشخص ومظهره، أو نتاج اكتشافه لسلسة من الحقائق لكنها في العلوم تلاحظ عادة طريقياً لا موضوعياً؛ أي تلاحظ بوصفها طريقاً للواقع ومرآة كاشفة عنه، لا بما هي هي، فهي مما به ينظر، لا مما فيه ينظر، كما لا تلاحظ ـ أو لا يهم لحاظ طريقيتها لما يجري ويعتمل في داخل نفس المتكلم، في غالب الأحيان.

نعم لا ننكر الموضوعية(4) ـ أحياناً فقط ـ كما لو كان (الكاتب) نفسه، مادة لبحث نفسي أو اجتماعي، وحينئذٍ يكون من المهم (تحليل) سيكولوجيته عبر تحليل كلماته، وتحليل كلماته عبر تحليل سيكولوجيته.

والحاصل: إن العلوم عامة عادة، و(النصوص) بما تحمله من أفكار ومعاني، هي كالبناء الذي يقوم بتشييده مهندس ومعمار ناجح أو فاشل، فإن الذي (يهم) من يريد شراء الدار أو استئجارها هو (نوع البناء وكيفيته) ولا يهمه ما الذي جرى أو دار في ذهن المهندس والمعمار، وأنه لمن أراد بناء هذه الدار؟!

إن ما يهمنا مثلاً هو معنى (الاستجابة الشرطية) أو معنى (الأصل المثبت)، أو معنى (الجذر الأصم) أو معنى (استحالة الترجح بلا مرجح) أو معنى الذرة والإلكترون والبروتون والانفجار الذري أو النووي والفارق بينهما، أو معنى (الأخلاط الأربعة) وما أشبه، أما ما الذي جرى في ذهن (بافلوف) أو (الشيخ الأنصاري) عندما سجّلا ودوّنا هذه الكلمات، فإنه، في غالب الأحيان، غير مهم ولا ضروري أو فقل أنه لا يغير من الحقيقة شيئاً.

وبتعبير آخر: في كثير من الأحيان لا يهمنا (الفهم المتغاير المتعدد المتكثر) للملايين ممن يقرأ هذه المصطلحات، ولا ينفعنا علمياً ـ إلا في صور قليلة ـ تحليل فهم كل واحد واحد ـ لو أمكن ـ إنما المهم هو (الواقع) الخارجي الذي يعكسه هذا النص فإن طابقه فهو صح وإلا فخطأ، أي أن الواقع العيني لـ(الاستجابة الشرطية) والحقيقة النفس الأمرية لـ(الأصل المثبت) هي المطلوب لذاته، و(فهم) هذا وذاك، إن طابق الواقع كان صحيحاً، وإلا كان خطأ.

وبعبارة أخرى: الفهم السليم أو المشوش أو الخاطئ، للنصوص باعتبارها جسوراً إلى الحقائق، كلٌ منها ممكن وكلها واقع، فكلما كان النص مرآة للواقع كما هو، وكلما انعكست هذه المرآة في الذهن، كما هي، كان (النص) صحيحاً صادقاً (موضوعياً)، وكان (الفهم) سليماً (موضوعياً) كذلك، وإلا فلا، وكما توجد في الجسم (صحة ومرض) كذلك توجد للفهم (صحة وسقم وسلامة واستقامة وخطأ) وتوجد للنصوص دقة وصحة وموثوقية أو خلافها.

وإنكار كل ذلك إنكار للبديهي، فهو كالقول بأنه في علاقة الطبيب بالمريض، لا يوجد إلا الطبيب، أو لا يوجد إلا المريض وتفسيره للمرض، أو تفسيره للنصوص التي تذكر كعلامات للمرض أو طرق علاجه، ولا توجد موضوعية أبداً، ولا واقع حقيقي وراء ذلك، ونقول لهم: فَلِمَ تبحث ـ كثيراً ما ـ عن طبيب آخر؟ ولم تخطِّؤُه؟ أو تخطِّئ المريض في فهمه؟

وبعبارة أخرى:

1- (يوجد مرض واقعي أي كحقيقة في الخارج).

2- و(توجد أنواع علاج حقيقي وخاطئ).

3- و(يوجد فهم صحيح للمرض وللعلاج، وفهم خاطئ).

4- و(توجد نصوص لعلماء أو خبراء أو مجربين سابقين، بعضها صحيح وكاشف عن الواقع وبعضها خطأ).

ولولا هذه الأربعة معاً، لكان من اللغو البحث عن أي طبيب آخر، بل لكان من أكبر الأخطاء إجراء أية تجربة جديدة أو أي بحث جديد، إذ (لا يوجد إلا المفسر وخصوصياته، ولا مجال للموضوعية أبداً) و(المعرفة هي نسبية دوماً) و(لا يوجد منهاج علمي أو غير علمي يضمن الوصول إلى حقيقة النص الذي يتحدث عن المرض وعلائمه وطرق علاجه)!

الهِرمينوطيقا بين الإنجيل والقرآن

ثم إن من الممكن أن يقال: إن (هرمينوطيقيتهم) ترتدُّ عليهم، من وجه آخر، يعود إلى تحليل علل تأسيس ذلك المذهب الذي يدعي أن (النصوص) لا تمتلك الموضوعية، بل أن خلفيات المؤلف وقبلياته هي ذات الكلمة الفصل في تحليل كلماته ونصوصه وأفكاره؛ وذلك حسب ما استظهره البعض من أن الباعث الأكبر لتأسيس هذا المذهب الهِرمينوطيقي(5) أو نظيره (وهو نسبية المعرفة)، هو الرد على (الانجيل المنحرف)، وعلى قمع الكنيسة للعلماء والمفكرين، واستبدادها الهمجي، ومصادرتها لحرية التفكير والتحرك؛ إذ ما دام الانجيل، هو كلام لوقا ومرقس وغيرهما، وليس كلام الله، فإنه لا يصلح (كمرجعية مطلقة) ولا تختزن نصوصه (الحقيقة المطلقة) أو الكاملة، ولا قيمة موضوعية له، ولكلٍ أن يقرأه ويفهمه (كما يشاء) أو (كما هو)، كما قرأ لوقا ومرقس كلام الله (كما شاءوا) أو (كما هم)!(6)

وبذلك تمّ انتزاع واحد من أهم أسلحة الإرهاب الفكري، من يد الكنيسة المتسلحة بدعوى امتلاكها لوحدها (المعرفة الإلهية) و(العلم الإلهي)، بل (والعلوم الكونية).

وأن من أكبر أخطاء بعض علمانيي المسلمين، عدم العمل بقواعد هِرمينوطيقية علمانيي الغرب ههنا، فكانت (هِرمينوطيقيتهم) (إنتقائية) بامتياز!؛ إذ أنهم قطعوا النظر عن أن مادة البحث هي (الانجيل المحرف) وأن (الباحثين) هم أناس ذوو ظروف موضوعية خاصة؛ إذ أنهم عاشوا صراعاً مع أنماط خاصة من أدعياء العلم الإلهي وهم الكهنة والقسسة والرهبان المستبدين.

والسؤال الذي يوجه الى القائلين بهذا الرأي، هو: كيف اعتمدتم (ذات النصوص والقواعد الهِرمينوطيقية)، واستخدمتموها بذواتها على (مادة بحث) أخرى مغايرة تماماً لتلك المادة المنظورة، وهي (القرآن الكريم) المختلف تمام الاختلاف عن الانجيل والتوارة؛ فإنه (كلام الله) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي يشهد له إعجازه الفريد في أبعاد كثيرة ـ كما فصل في محله(7) ـ كما أنه قد جمع في زمان الرسول صلى الله عليه وآله(8) وليس بعده بمئات السنين، كما حدث للانجيل والتوراة.

كما أن نصوصهم الهِرمينوطيقية غير صادقة على (الإنجيل) كما نزل على عيسى المسيح، ولا على (التوراة) كما نزلت على موسى كليم الله، ولا على (صحف) إبراهيم و(زبور) داوود، وغيرها من مصاديق (الوحي الإلهي) كما أنها لا تصدق على (الأحاديث القدسية).

ثم إنكم قطعتم النظر عن ملاحظة كافة الشروط الموضوعية لهِرمينوطيقي الغرب، التي كانت تحف العلاقة بين هذا المثلث (علماء الغرب المتحررين، رجال الكنيسة المحتكرين للسلطة والمعرفة، والانجيل المحرف) ثم عمّمتم النظرية إلى ساحة أخرى تفتقر عنصراً آخر من عناصر هذا المثلث، وهي ساحة كبار العلماء المسلمين من المفسرين اللذين لم يكونوا ممن يحارب الفكر والعلم والحرية، بل كانوا من أشد وأقوى دعاة الحرية والتدبر والتفكير والسير في الآفاق والأنفس؟! وأخص بالقول علماء أهل البيت الأطهار اللذين دعوا ـ تبعاً للقرآن الكريم ـ إلى فتح باب الاجتهاد والتدبر لا في القرآن الكريم فحسب، بل في الآيات الكونية أيضاً.

نعم.. قد يحق لكم الاعتراض على دعاة غلق باب الاجتهاد من علماء العامة، وعلى أمثال عمر بن الخطاب ممن شنّوا الحرب على رواية الحديث ورواته وعلى مفسري القرآن وعلى حرية الرأي والحركة.(9)

* من الفصل الثاني لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

..................................
(1) هذه النقطة تعد جواباً على نظرية (دلثاي) في الهِرمينوطيقا، التي تقع في مقابل نظرية غادامير مباشرة.
(2) وكذلك فهم نفسية القارئ والمستمع والمتلقي.
(3) إن قَصَد (فهم المؤلف)، ولو (قصد فهم المفسر والقارئ) فإنه كذلك مع بعض التغير في التعبير إضافة للأجوبة السابقة واللاحقة.
(4) أي الموضوعية لتحليل سيكولوجية الكاتب أو مقاصده.
(5) قلنا (هذا المذهب الهِرمينوطيقي) لأن الهِرمينوطيقية مذاهب، أشدها تطرفاً مذهب غادامير، ويقابله مذهب دلثاي، والمعتدل هو مذهب (شلاير ماخر) وقد ذكرنا بعض تفصيل ذلك في موضع آخر.
(6) لم نتوقف طويلاً عند إثبات هذه الرؤية التاريخية، لأن دراستنا هذه ليست تاريخية بالأساس، بل هي فلسفية ـ كلامية وعلمية ـ عقلية، ويكفي لنقد هرمينوطيقي المسلمين، القول بأن (علماء الغرب) في هرمينوطيقيتهم، لو فرض أنهم معذورون، إذا كانت مادة بحثهم هي الانجيل المحرف ولكون معارضتهم هي لرجال الكنيسة المحتكرين للسلطة السياسية والمعرفية، لكن بعض مفكري المسلمين ليس معذوراً في (تقليدهم) والقيام باستنساخ(كوپي) لنظرياتهم الهِرمينوطيقية وتطبيقها على القرآن الكريم أو مواجهة علماء الشيعة بها.
(7) راجع: (الهدى إلى دين المصطفى صلى الله عليه وآله) للبلاغي قدس سره.
(8) راجع (متى جمع القرآن؟) للسيد الشيرازي قدس سره.
(9) فقالوا: (حسبنا كتاب الله) وهذا النص ذكره في البخاري عن عمر بن الخطاب، و: (من قال إن محمداً صلى الله عليه وآله قد مات ضربت عنقه) وقتلوا أمثال مالك بن نويرة، وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) لمجرد معارضتهم السياسية أو العقدية، لنظام الحكم القائم.. فراجع (الغدير) للعلامة الأميني و(ليالي بيشاور) لسلطان الواعظين الشيرازي، و(النص والاجتهاد) للسيد عبد الحسين شرف الدين و(العبقات) للسيد حامد النيشابوري الكنتوري وغيرها.

اضف تعليق


التعليقات

د. رضا الوردي
العراق
ان تناول مفهوم الهرمينوطيقا امر في غاية الاهمية ومناقشة الموضوعية والذاتية والقصدية فيها احياء فلسفي متميز للغة وعلم الكتابة استفد من هذا المقال تحياتي لكم2017-01-14