عن أي نوع من انواع النخب التي تقود باتجاه الديمقراطية، فيذهب المؤشر الى التعددية الحزبية باعتبارها الركيزة الأساسية للديمقراطية وبالتالي تساهم التعددية الحزبية في ترصين العمل السياسي اذا ما كانت مؤمنة بمبادئ الديمقراطية ومنها مبدأ التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون، واعتبار العمل السياسي جزء من اللعبة السياسية...

تؤشر الادبيات السياسية المهتمة في آليات ضبط التعددية الحزبية وترشيد القرار والعمل السياسي الى أن من أولى الأولويات في أي بلد يعتمد آليات ومبادئ الديمقراطية في تداول السلطة معرفة طبيعة التعددية الحزبية وانماط قيادتها وبرامجها وسلوكياتها، اذ قد يختلف توصيف الحالة الحزبية في كل بلد تبعا لسلوكيات هذه الطبقة السياسية او تلك، من هنا اذا ما اردنا ان نقرن مفهوم النخبة السياسية Political Elite على طبيعة الحالة الحزبية والسياسية وتشعباتها فعلينا ان نعرف ماهية النخبة وانعكاساتها على طبيعة الحالة العراقية، لذا سنقف أولا على مفهوم النخبة السياسية.

تعرف النخبة السياسية بانها جماعة من الناس لها اتجاه سياسي معين، أو هي جماعة من الأفراد الذين يمارسون السياسة على اختلاف مواقعهم ورتبهم ويحتلون مواقع القوة والنفوذ داخلها، وتستمد سلطتها مما تمتلك من سلطة اتخاذ القرار والتسییر، ولها معطيات لا تكون متاحة لغالبية أفراد المجتمع، كما أن لها قدرة التأثير المباشر على العملية السياسية، وتدل كلمة نخبة أو صفوة في اللغة العربية معنى الخلاصة، فيقال صفوة الشيء خلاصته وخياره، ويقال اصطفاه أي اختاره، ونخبة القوم خيارهم، والانتخاب هو الاختيار والانتقاء، ومنه النخبة وهم جماعة تختار من الرجال.

من هنا تعد كلمة النخبة عن طبقة معينة أو شريحة منقاة من أي نوع عام، كما أن هناك مصطلح التزاوج الانتخابي في علم الأحياء وهي تعني أيضا الأقلية المنتخبة أو المنتقاة من مجموعة اجتماعية (مجتمع أو دولة أو طائفة دينية أو حزب سياسي أو إعلام) تمارس نفوذا غالبا في تلك المجموعة عادة بفضل مواهبها الفعلية أو الخاصة المفترضة.

كما ان مفهوم النخبة السياسية يرتبط ارتباطا مباشرا بالديمقراطية اذ ان هناك أصناف اخرى للنخبة ومنها النخبة العسكرية التي ترتبط باليات الضبط العسكري مهما كان دور هذه النخبة حتى على انعكاسات السلطة والجانب السياسي وهذا ما ينعكس بأوجه مختلفة على الأصناف الأخرى من النخب كالنخب الدينية وما الى ذلك.

كما ان هناك من يقرن النخبة السياسية بمفاهيم أخرى كالتعددية السياسية او الطبقة السياسية او المكونات السياسية والدينية والطائفية والقومية، اذ يعتمد السياق السياسي والكمي في توصيف الظاهرة الحزبية والسياسية، وهذا ما يطلق في كثير من الأحيان على الطبقة السياسية من أحزاب وكتل وشخصيات سياسية في العراق بعد عام 2003، وهي أي مفهوم النخبة السياسية من حيث الكم والوصف لا تتعارض مع التسميات المشار لها لكنها من الواضح انها تختلف من حيث الأهداف والنوع والسلوك والبرامج، اذ غالبا ما تعطي مدلولات النخبة السياسية إشارات إيجابية وهي تقترن بمفهوم التعددية الحزبية في بعض الجوانب في حين تتسم مفاهيم الطبقة والمكونات السياسية والدينية والطائفية والقومية الى مدلولات سلبية اقل ما يقال عنها انها بدائية في ادبيات العمل السياسي والحزبي في الأنظمة الديمقراطية، كما انها تتسم بطبيعتها القبلية مرة او الاسرية او العائلية من جانب ثاني، او مكوناتية وطائفية وقومية من جانب ثالث.

واذا تجاوزنا هذه الإشكالية بين النخبة والديمقراطية وادبيات العمل الحزبي، وذهبنا مع الرأي الذي يقول بأنه لا يوجد حيز شاسع بينهما (النخبة والديمقراطية) كما اشرنا في دراسة سابقة حتى مثلاً داخل التعددية هناك نخبة، وبالمحصلة ما دام أننا تجاوزنا الإشكالية بين النخبة والتعددية أحدى مسلمات الديمقراطية، فهنا يعرض التساؤل التالي: كيف نوجد نخبة تقود الديمقراطية؟.

وهنا يأتي الدور المناط بالنخبة لكي تؤدي بما تمتلكه تلك النخبة من القدرات، وهنا لا يشترط بالدور نوع أو ممارسة واحدة إنما مهما كان هذا الدور سواء بالكلام أو السكوت أو التأييد أو الممانعة أو القبول أو الرفض، اما عن أي نوع من انواع النخب التي تقود باتجاه الديمقراطية، فيذهب المؤشر في الحالات الاعتيادية الى التعددية الحزبية باعتبارها الركيزة الأساسية للديمقراطية وبالتالي تساهم التعددية الحزبية في ترصين العمل السياسي اذا ما كانت مؤمنة بمبادئ الديمقراطية ومنها مبدأ التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون، واعتبار العمل السياسي جزء من اللعبة السياسية تعتمد على فريق يحكم اذا ما فاز في الانتخابات وآخر في المعارضة اذا ما تراجع في الانتخابات، ويبدو ان الحالة السياسية في العراق لا تزال في طورها البدائي رغم مرور عشرون عام من التغيير السياسي من النظام الاستبدادي القائم على أساس الحزب الواحد، وممارسة السلطة بصورة شمولية لا تعتمد على المنافسة او الانتخابات، وهو اقرب الى ما يعرف بسيطرة النخبة العسكرية.

واذا ما فشل الخيار الأول في قيادة وتنضيج العمل السياسي القائم على مبادئ الديمقراطية فإن المؤشر يذهب باتجاه النخبة المثقفة، كون باقي النخبة تؤدي دورها ضمن مجالها المناط بها وهذا لا يعني أنها لا تثقف باتجاه قبول الديمقراطية، فمثلاً النخبة الدينية يدور واجبها اتجاه تهذيب الناس من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، والنخبة العسكرية، تدور حول خبرة الاحتراف العسكري والمهني.

ومما تقدم فإن النخبة السياسية او الصفوة المناط بها خلق نخبة تقود الديمقراطية في المجتمع، فهي تقع على عاتق النخب المثقفة، ونحن هنا عندما نتعامل مع هذه النخبة فأنه لابد من تبيان أن هناك نوعين هما من يعمل النخب المثقفة، ففي الجانب الأول حينما يكون المثقف جزءا من السلطة والمؤسسة الحاكمة، لذا فإن المثقف هنا يمارس الخطاب الثقافي التقليدي الذي درجت عليه المؤسسة الرسمية سواء كان هذا التوجه ديمقراطيا ام غير ديمقراطي ليصبح المجتمع تحت تأثير تلك المؤثرات. أما الجانب الثاني فهو حالة المثقف خارج السلطة وهو يعبر عن نفسه بانتمائه إلى المشروع السياسي، سواء اتخذ هذا الانتماء صيغة القبول أو المناوئة التصحيحية السلمية.

وعليه ووفقاً لما تقدم فإنها من الضروري ان يقود المجتمع هذا النوع من النخبة المثقفة وهي المؤهلة باتجاه المدنية، وبالتالي فإن هذه النخبة هي من تقود أركان السلطة، المجتمع والمؤسسة الحاكمة باتجاه الممارسة الفعلية نحو الديمقراطية، لا سيما وان دور النخبة السياسية في جانب السلطة تحول من صيانة الديمقراطية الدستورية والقانونية الى الاوليغارشية السياسية التي تهدف استغلال السلطة والكسب غير المشروع لمشاريع خاصة وعلى حساب المصالح العامة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق