"الإنسان سيعيش فقط أربع سنوات بعد اختفاء النحل من سطح الكوكب". مقولة نسبت لألبرت أينشتاين ويستخدمها ناشطو "أنقذوا النحل!" للدلالة على أهمية النحل بالنسبة الأمن الغذائي للإنسان واستقرار النظام البيئي.

يومأ بعد يوم، تتعالى أصوات ناشطي حملة "أنقذوا النحل!" (Save the bees!). ويتم نسب مقولة لألبرت أينشتاين مفادها أن "الإنسان سيعيش فقط أربع سنوات بعد اختفاء النحل من سطح الكوكب".

لا دليل على أن أينشتاين تفوه بما سبق. والعبارة ليست صحيحة من الناحية العلمية، لماذا؟ ستستمر النباتات التي تُلقح بالرياح كالأرز والقمح والذرة بالنمو. بينما عليم ان تقول وداعاً لمعظم النباتات المزهرة كالخضروات والفواكه، لأن حيوانات أخرى كالخنافس والطيور والخفافيش وغيرها تلقح حوالي 90 بالمائة من تلك النباتات.

آلاف الأنواع من النحل، عادة ما يخلط العامة بين النحل ونحل العسل. هناك ما يقارب 20 ألف نوع من النحل. معظمها بري ويعيش في أماكن معزولة ويتغذى على رحيق نوع معين من النباتات، مما يجعلها أفصل بكثير في التلقيح.

على الرغم من أننا لا يمكن قياس قيمة تلقيح النحل البري بدقة، فمن المؤكد أن المحاصيل في جميع أنحاء العالم ستتأثر بغيابه وهو ما قد حصل في الولايات المتحدة بالفعل. وليس من المعروف علمياً مقدار الضرر الذي سيلحق بأمننا الغذائي واستقرار النظام البيئي بغياب النحل البري.

هل نحل العسل في خطر؟ بالتأكيد يعاني نحل العسل من التغيرات البيئية والزراعة الزائدة، ولكن فكرة أنه ينفق هي صحيحة جزئياً فقط، حسب جمعية مربي النحل الألمان DIB، والتي تعلل ذلك بأن نحل العسل يتلقى العناية البيطرية وهو في مأمن مقارنة بالنحل البري. ومن هنا يتعين علينا الكف عن الهوس بنحل العسل وإيلاء النحل البري المزيد من الاهتمام.

المثير والجديد ما يقوله العلماء بإن دماغ النحلة أصغر من دماغ الإنسان بعشرين ألف مرة وعلى الرغم من ذلك يقوم بمهام تتفوق أحياناً على البشر إذاً هناك لغز لا يمكن حله! بل إن النحل عندما يقوم بعمليات معقدة جداً باستخدام دماغه الصغير فإننا أمام شيء غير مفهوم حتى الآن.

أثناء طيران النحلة فإن أعينها تعمل بطريقة فريدة حيث تعالج المعلومات بسرعة كبيرة لا تتناسب مع حجم دماغها الصغير جداً فهي تميز الزهور وهي تطير بسرعة كبيرة وتميز العوائق وتختار أفضل الطرق التي تسلكها... وكل هذا يجعل العلماء يقفون عاجزين عن تفسير هذه الأسرار في عالم النحل!

وسبحان الله! لقد أشار القرآن إلى ظاهرة غريبة في عالم النحل وهي الوحي الذي يجهله العلماء وهذا ما يثير حيرتهم يقول تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 68-69].

وفي الآونة الأخيرة شهدت النحل خطرا كبيرا يهدد حياتها بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتغيرات المناخ، وخاصة النوع الطنان فأوضح العلماء إن ظاهرة الاحترار العالمي تسهم في تناقص المساحات الملائمة لمعيشة النحل ما يدفع هذه الحشرات إلى الهجرة من مناطق معيشتها الدافئة، والنحل الطنان يقوم بوظيفة جوهرية في تلقيح أزهار المحاصيل مثل التوت البري والتفاح واليقطين (القرع) والطماطم (البندورة) وتدهور هذا النشاط في المنظومة البيئية قد يؤدي إلى تناقص الغلة المحصولية وارتفاع أسعار الغذاء فضلا عن عواقب تتعلق بالإمدادات الغذائية والاقتصاد.

من جهة أخرى تم إنشاء أول "طريق سريع للنحل" في العالم بهدف حماية هذه الحشرات الضرورية في حياة الإنسان في ظل الخطر الكبير الذي يهدد بقاءها، ولا تزال الاكتشافات والدراسات مستمرة حول فوائد وعجائب وغرائب هذه الكائنات، وقد رصدت شبكة النبأ المعلوماتية بعض الأخبار والدراسات نستعرض أبرزها في التقرير أدناه.

معلومة قد تصدمك.. النحل الغاضب ينتج سماً عالي الجودة

قد لا تبدو لدغة النحل أمراً محبباً أو مبهجاً، لكن بحثاً أستراليًا جديدًا أظهر أن النحل الغاضب ينتج سماً أفضل، فقد كشف باحثون في جامعة كيرتن الأسترالية أن النحل الذي تم إثارة غضبه باستخدام جهاز صدمات كهربائية، ينتج سما عالي الجودة وغنيا بالبروتين، بحسب ما نشرت "ديلي ميل" البريطانية.

ويعتبر "النحل الغاضب"، ذلك الذي يكون أكثر نشاطًا، ويتفاعل بشكل أفضل مع أجهزة التحفيز الكهربائي للباحثين، التي تم إنشاؤها باستخدام لوح زجاجي ونظام نبض كهربائي ينتج عنه الحد الأدنى من الصدمة للنحل.

من جانبها، قالت الباحثة الرئيسية للدراسة، دكتور دانييلا سكاكاباروزي، من كلية كيرتن للعلوم الجزيئية وعلوم الحياة"من المثير للاهتمام أننا اكتشفنا أن النحل الغاضب الذي تفاعل بشكل مكثف مع أجهزتنا المحفزة أنتج سما أغنى وأكثر كثافة بالبروتين".

في المقابل، أشارت نتائج الدراسة إلى أن درجات الحرارة الأكثر دفئا تؤدي إلى "انخفاض إنتاج النحل للسم"، وأن سم نحل مستأنس، من 25 خلية بالقرب من هارفي في جنوب غرب أستراليا، كان يحتوي على بروتينات أقل.

كما أضافت دكتور سكاكاباروزي أن النطاق الأمثل لتنويع البروتين العالي يتراوح من 33 إلى 36 درجة مئوية، هذا وكتب الباحثون في الدراسة: "أن النتائج أشارت إلى عوامل متصلة بالموقع الجغرافي، لكنها تتطلب بالتأكيد مزيدًا من العمل لتمكين التحكم الفعال في جودة المنتج وتصميم استراتيجيات فعالة من حيث التكلفة لحصاد سم النحل".

يذكر أنه يمكن أن يختلف سعر سم النحل بشكل متفاوت، حيث يتراوح من 30 إلى 300 دولار للغرام الواحد، ويقول الخبراء إن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لمساعدة النحالين على تلبية الطلب على سم النحل، الذي يستخدم في مجموعة متنوعة من الحالات المختلفة سواء في التجميل أو العلاجات، مثل التهاب المفاصل والأكزيما، كما يمكن أن يستخدم أيضا في مكافحة مرض باركنسون وهشاشة العظام، كذلك في علاج أنواع معينة من السرطان.

النحل يعد من اليسار إلى اليمين

يقول باحثون إن "النحل قادر على العدّ، حتى خمسة على الأقل" وأنه يملك القدرة على رؤية الكميات من اليسار إلى اليمين، من الأصغر إلى الأكبر. فهل يمكن أن يكون دماغ النحل قادراً على تنسيق الأرقام كما يفعل البشر؟

يملك النحل القدرة على رؤية الكميات من اليسار إلى اليمين، من الأصغر إلى الأكبر، بحسب تجربة تعزز فرضية آلية نظرية لا يزال وجودها عند البشر محل نقاش هي خط الأعداد الذهني، حتى قبل تعلم العدّ، يمتلك الإنسان القدرة على ترتيب الكميات المتزايدة عقلياً من خلال الانتقال بشكل طبيعي من اليسار إلى اليمين. ولكن في الثقافات التي تستخدم الكتابة من اليمين إلى اليسار، كالكتابة العربية، يُعكَس هذا الترتيب.

وبالتالي، "لا يزال الموضوع محل نقاش بين من يعتقدون أن الخط الرقمي العقلي له طابع فطري وأولئك الذين يقولون إنه مكتسب"، على ما لاحظ في حديث لوكالة فرانس برس مارتان جيورفا، الأستاذ في مركز أبحاث الإدراك الحيواني في جامعة "تولوز 3" بول ساباتييه.

إلا أن الدراسة التي نُشرت في تشرين الأول/أكتوبر في مجلة "بروسيدينغز" التابعة لأشارت إلى أن دراسات حديثة أجريت على حديثي الولادة والفقاريات الأخرى، ولا سيما الرئيسيات، أظهرت اتجاهاً فطرياً لهذه الآلية هو من اليسار إلى اليمين.

وأكدت التجربة التي أجراها فريق البروفسور جيورفا هذه الاكتشافات من خلال إثباتها وجود آلية مماثلة في نوع شهير من اللافقاريات هو النحل. وقال جيورفا "سبق أن توصلنا إلى أن النحل قادر على العدّ، حتى خمسة على الأقل" وأنه يعالج المعلومات في كلّ من نصفي الكرة المخية بشكل مختلف عن النصف الآخر. وهذا الفارق في المعالجة موجود أيضاً عند البشر، وهو "أحد الأسباب المعطاة لوجود الخط العقلي الرقمي"، وتساءل الباحث باختصار هل يمكن أن يكون دماغ النحل قادراً على تنسيق الأرقام كما يفعل البشر؟ وقال شارحاً "إذا كنت أستخدم الرقم واحد كمرجع، فإن الرقم ثلاثة سيكون موجودا على يميني، ولكن إذا كنت أستخدم الرقم خمسة كمرجع، فإن الرقم ثلاثة سيكون على يساري".

واستخدم جيورفا في التجربة التي صممها مع كاترين تيفينو من جامعة لوزان وروزا روغاني من جامعة بادوفا صندوقاً مقسوماً بواسطة فاصل. وكانت النحلة معتادة على أن تجد بعد عبورها هذا الحاجز ملصقاً واحداً في القسم الثاني، يحمل دائماً العدد نفسه من الأشكال، تتغير عشوائياً، إذ قد تكون مثلاً دائرة واحدة أو ثلاثأً أو خمساً أو مربعات أو مثلثات. ولدى تمكنها من بلوغ الهدف، تحصل على مكافأة، وهي محلول حلو بواسطة ماصة صغيرة موضوعة في وسط الملصق، وما أن تعتاد النحلة على ذلك، تواجه هذه المرة ملصقين متطابقين ولكنهما يحمل عدداً من الأشكال يختلف عن تلك الموجودة في التدريب، وتقع في الجزء السفلي من الصندوق، على اليسار وعلى اليمين.

فعلى سبيل المثال، النحلات التي تم تدريبها للحصول على مكافأة بملصق يضم ثلاثة أشكال ستجد نفسها أمام ملصقين متطابقين يحملان الشكل نفسه. وبالنتيجة، "تتخذ بشكل عام القرار الصحيح بنسبة 80 في المئة"، فتتجه نحو الشكل الموجود على اليسار، على ما أوضح جيورفا، نظراً إلى أن شكلاً واحد اقل من ثلاثة.

أما إذا وُضِع ملصقان يحمل كل منهما خمسة أشكال، فتتجه النحلات إلى اليمين، لأن خمسة أكبر من ثلاثة. وتكون النتيجة مماثلة للنحلات التي اعتادت على مكافأة بعلامة تحمل رقمًا واحدًا، والتي تتجه نحو الملصق الموجود على اليمين عندما يتضمن ثلاثة أرقام، وللنحلات التي اعتادت على ملصق يحمل خمسة أشكال، والتي تتجه إلى اليسار عندما يتضمن الملصق ثلاثة أشكال فقط، وبالتالي، يرتب النحل الأرقام بالفعل على خط الأعداد الذهني، من اليسار إلى اليمين. لكن لماذا لا يتمتع بعض البشر لهذه الآلية؟

بدلاً من الاختيار الثنائي بين الفطري والمكتسب، يفضل جيورفا الاستنتاج القائل بأن "هذا التمثيل للأرقام فطري، يمكن للثقافة أن تؤهله، أو حتى أن تعكسه، أو على العكس أن تؤكده". من ناحية أخرى، من الواضح أن النحلة تتمسك بما تفرضه عليها الطبيعة.

كيف نحمي النحل من الحر ونؤمن إمدادات الغذاء العالمية؟

مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات قياسية في الصيف، تجد النباتات صعوبة في إنتاج الرحيق وحبوب اللقاح، مما يحد من قدرة النحل على تلقيح زهورها. الباحثون توصلوا إلى طرق يمكنها مساعدة الزراعة على التكيف مع عالم أكثر سخونة.

فيما انتهى الصيف رسميا في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وبدأ الربيع قبل أيام في جنوبها، تواصل الفراشات والنحل، بالتعاون مع جيوش أخرى من الملقحين، بدءا من الوطاويط وحتى الخنافس، بذل قصارى جهودها لتلقيح الزهور، التي تتحول فيما بعد إلى الطعام الذي نأكله. فهي تلعب دورا حيويا في تأمين امتلاء رفوف المتاجر سنويا بالفواكه والخضروات المغذية.

وفي المقابل، لا تقف النباتات مكتوفة الأيدي في هذه المسألة، بل تقدم بدورها بعض "المغريات"، كالزهور المفعمة بالرحيق عالي الطاقة، وحبوب اللقاح الثمينة، لضمان اجتذاب النحل إليها وغيره من الملقحين، ولكن كما نعانى نحن من درجات الحرارة العالية في فصل الصيف، تواجه النباتات والملقحون المعاناة ذاتها. فكل المحاصيل الزهرية، بدءا من السلجم وحتى التوت البري، تصارع من أجل إنتاج الرحيق وحبوب اللقاح بنفس الكيفية والجودة، التي اعتادت عليها، لضمان استمرار جذب النحل إليها، ومن ثم ضمان تكاثرها بأمان.

في الوقت ذاته، يضطر النحل للبحث والسفر لمسافات أطول، بحثا عن المواد الغذائية المناسبة، التي تضمن له أيضا تكاثرا آمنا. إنها حلقة مفرغة، وبينما يعد الحد من استهلاك الوقود الأحفوري على المدى الطويل، هو الحل الضروري والأكثر فاعلية في مواجهة درجات الحرارة المرتفعة، لاتزال هناك بعض الإجراءات التي يمكنها التخفيف من وطأة حرارة الجو.

تعد استراتيجية "تظليل المحاصيل" واحدة من الاستراتيجيات القادرة على تنظيم درجة حرارة التربة مع اشتداد الحرارة في ذروة فصل الصيف، إذ أثبتت فاعليتها في زيادة إنتاجية محاصيل الخضروات الزهرية، مما يعنى أنه تم الحفاظ على مستوى إنتاج حبوب اللقاح بتلك النباتات، أيضا، تساعد عملية تغطية التربة بطبقات من نشارة الخشب في الحفاظ على مستوى رطوبتها، والتقليل من درجة حرارتها خلال فترات الحر الشديد.

وبشكل عام، ينصح الخبراء بالحد من استخدام الأسمدة مع ارتفاع درجات الحرارة، بحيث يتم توجيه الطاقة لإنتاج رحيق عالي الجودة، بدلا من استهلاكها في مسألة حماية النبات نفسه.

على الصعيد نفسه، يؤكد الباحثون أن زراعة محاصيل متنوعة وراثيا تساعد النباتات على التطور بشكل أفضل، لتصبح أكثر تكيفا مع تطرف المناخ. فهذه الاستراتيجية فعالة في الحفاظ على تنوع الملقحين على النباتات، فضلا عن مكافحة الآفات والأمراض، والحفاظ على صحة التربة، والتنوع البيولوجي.

كيف يؤثر الحر سلبا على رحيق الأزهار وحبوب اللقاح؟ تعتمد نحو 80٪ من مجمل المحاصيل الزراعية والنباتات البرية الزهرية في الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على تلقيح الحيوانات لها. فنحو 3,7 مليار يورو ( 3,8 مليار دولار) من إجمالي الناتج الزراعي السنوي للاتحاد الأوروبي قائم بشكل مباشر على نجاح جيوش الملقحين، كالنحل، في مهمتهم.

وفى دراسة، تعود لعام 2021، حول مدى تأثير تغير المناخ على تعامل النحل مع المحاصيل، وجد الباحثون أن "ارتفاع درجات الحرارة، والإجهاد المائي يؤثران على كل من كمية ومحتوي موارد الزهور في المحاصيل، التي تعتمد في تلقيحها على النحل".

وذكرت الدراسة أنه "لدى ملاحظة تأثير الحرارة والإجهاد المائي على نبات لسان الثور، مثلا، الذي ينمو على نطاق واسع في أوروبا، تبين انخفاض مستويات السكر، ومحتوى الحمض الأميني في رحيق زهرته، بل وتراجع حجم الرحيق بشكل عام بنسبة بلغت 80٪"، وتراجع نسبة السكر في رحيق الأزهار يعنى بالتبعية "مغريات أقل" بالنسبة للملقحين، كالنحل المنتج للعسل، الذي سيفضل على الأغلب تجاهل مثل هذه الأزهار، وعدم الالتفات إليها.

كمية أقل من السكر في رحيق الأزهار تعنى التأثير بالسلب على أداء النحل خلال تحليقه، وفقا لتأكيدات الخبراء، وفي هذا، توضح جينا والترز، الباحثة في جامعة ولاية ميشيغان الأميركية، والمتخصصة في دراسة التفاعلات بين النحل والنبات، أن "النحل يميل إلى تفضيل الرحيق الغنى بالسكر عن الغنى بالبروتين خلال بحثه عن الغذاء، على اعتبار أن السكر يمده بالكربوهيدرات والطاقة اللازمة للطيران والتحليق". كما أن حبوب اللقاح لا تستخدم فقط في تخصيب النباتات، بل في إطعام يرقات النحل أيضا، وهي واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه النباتات المجهدة بفعل ارتفاع درجات الحرارة، حيث تنتج كميات أقل منها.

ولا تقتصر مشكلة محدودية حبوب اللقاح على نسل أقل في المستقبل، بل قد يتسبب ذلك أيضا في ارتفاع أعداد الذكور في الأجيال الصاعدة، مقارنة بالإناث. فالمشكلة تكمن، وفقا لوالترز، في أن "الإناث هي الملقحات الأولية للنباتات، ومن ثم فإن تراجع تعدادها يعنى محاصيل أقل في المستقبل، بل ونحلاً أقل أيضا، حيث لن توجد إناث كافية للتزاوج، ووضع البيض"، ومع تواصل تراجع "خدمات التلقيح الأنثوية"، ستستمر دورة تراجع المحاصيل الزراعية دون توقف.

ارتفاع درجات الحرارة بشكل مستمر، أوجد حاجة ملحة لتطوير محاصيل أكثر مقاومة للحرارة، وسلالات مختلفة من حبوب اللقاح، لضمان استمرار مهام النحل في التلقيح والتكاثر. وفى هذا، أثبتت دراسة علمية أن النباتات البرية تتميز بكونها أكثر مقاومة للحرارة، مقارنة بغيرها، حيث تأثر محتوى الرحيق في زهورها، رغم الإجهاد المائي والحرارى، بشكل أقل.

لذا ينصح الباحثون بزراعة مثل تلك الزهور بالقرب من غيرها من المحاصيل، حيث أثبتت تلك الطريقة فاعليتها في التحسين من إنتاجية المحاصيل بشكل عام، بعدما عززت الزهور البرية من زيارات النحل للمنطقة بشكل عام.

في الوقت نفسه، يعمل العلماء على تطوير سلالات جديدة من حبوب اللقاح أكثر مقاومة للحرارة، وجينات نباتية قادرة على مقاومة الإجهاد بشكل عام، لضمان الحفاظ على جودة عملية التكاثر والتلقيح، فبالنسبة لوالترز، يعد الفهم الجيد لتأثير الإجهاد الحراري على ملقحات المحاصيل أمرا أساسيا لخلق ما تسميه هي وفريقها ب "أنظمة زراعية مستقبلية مقاومة للحرارة".

ما سر موت النحل تحت شجر الزيزفون؟

ضمن مسعى العلم من اجل فهم أكبر لطبيعة النحل، توصل باحثان من بريطانيا إلى سبب قد يكون المحدد الأساسي لموت النحل تحت أشجار الزيزفون، وهو ما اعتبره العلماء خطوة هامة لفهم الرابط بين جامع العسل الصغير وهذا النوع من الأشجار.

رجح باحثان في بريطانيا أن موت النحل الطنان تحت أشجار الزيزفون، قد يكون بسبب نقص الغذاء ولو بشكل جزئي. وأوضح الباحثان، هاوكه كوخ، وفيليب ستيفينستون من جامعة "كرين ويتش" بمدينة "كينت" البريطانية أن التفسير المحتمل لهذه الظاهرة هو أن النحل يموت جوعا.

وبحسب العلماء فأنه من الممكن حدوث نفوق لأعداد ملفتة للنظر من النحل في فصل الصيف، تحت أشجار الزيزفون وخاصة ما يعرف بالزيزفون اللبدي، الذي يزدهر نسبيا أواخر العام، إذ يجتمع النحل وغيره من الحشرات تحت الأشجار بحثا عن الرحيق، ولكنها لا تجد منه سوى القليل جدا في هذه الأشجار، وذلك وفقا لمجلة "بايولوجي ليترس" المتخصصة في دراسات علم الأحياء

من جهة أخرى، أشار الباحثان أيضا أن الموت جوعا ليس هو التفسير الوحيد لظاهرة موت النحل الطنان تحت شجر الزيزفون، حيث اضطلع الخبيران على العديد من الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع. وقالا إن الباحثين السابقون كانوا يعتقدون حتى الآن أن رحيق شجر الزيزفون سام للنحل، بيد أنهما لم يجدا أدلة مقنعة على ذلك.

وفي شأن ذي صلة، اقترح كوخ وستيفنسون توفير مصادر بديلة للغذاء في مناطق الزيزفون. وهو ما أيديه أيضا أحد أشهر باحثي النحل، ديف جولوسون، من جامعة "سوسيكس" البريطانية. وأكد في هذا الصدد على أن شجرة الزيزفون نفسها ليست ضارة بالنحل.

كيف يتعرف نحل العسل على الوقت؟

لطالما كان عالم النحل وقدرته الفائقة على النظام مثار دهشة للكثيرين، ويعد الإحساس بالوقت واحدًا من بين تلك القدرات المثيرة للإعجاب، فلدى النحل ساعات داخلية معقدة بشكل مدهش مثل البشر تُمكنهم من معرفة الوقت.

بحسب "مانويل جيانوني غوزمان"، عالم الأعصاب بجامعة فاندربيلت الذي يدرس الإحساس بالوقت، فإن السجل الأول للاشتباه في معرفة النحل للوقت يعود إلى القرن العشرين عندما اعتاد طبيب نفسي ألماني على تناول افطاره في توقيت معين يوميًا، وكان يأتي النحل كل يوم للحصول على نصيبهم من وجبة الإفطار، وقد لاحظ العالم أن النحل يأتي في نفس التوقيت حتى في الأيام التي لم يكن لديه فيها طعام. كان السؤال الذي ظل مطروحًا لسنوات هو كيف يفعل النحل ذلك؟

وفقًا للبحث الجديد الذي أجراه "غوزمان"، فإن النحل كائنات اجتماعية للغاية لكل منها وظيفة محددة، ففي الوقت الذي يترك فيه بعض النحل الخلية كل يوم، هناك البعض الذي يعيش معظم حياته في داخل الخلية المظلمة الدافئة، ومع ذلك جميعهم يبدأ العمل في نفس الساعة، ويرجع ذلك كون النحل يتعرف على الوقت وينظمه وفقًا لدرجة حرارة الخلية نفسها.

ويعد حفظ الوقت جزءً مهمًا في كيفية جمع النحل للطعام، فالأزهار لا تضخ الرحيق باستمرار، بعضها يكثف رحيقه في الصباح، بينما البعض الآخر في فترة ما بعد الظهيرة. ويقول "غوزمان" إن معرفة الوقت الذي تُنتج فيه الأزهار أكبر كمية من الرحيق والاستفادة من ذلك، بواسطة الساعة الداخلية للنحل أمر رائع، إذ يستخدم النحل موقع الشمس للتنقل من زهرة إلى أخرى، وللقيام بذلك يحتاجون إلى معرفة الوقت من اليوم.

ومن المعروف أن النحل العامل يشارك مواقع مصادر الغذاء الأولية باستخدام ما يسمى "رقصة الاهتزاز"، وهي سلسلة من خطوات الرقص التي ترسم مسار الرحلة بناءً على موقع الشمس. تتمتع الراقصة بساعة حريصة، مع مرور الوقت، وتقوم بتحديث رقصتها لحساب حركة الشمس. يصف" غوزمان" النحل بأن لديه أدمغة مثل الساعة الشمسية. وقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن مبيدات النيونيكوتينويد، - وهي نوع شائع من المبيدات المرتبطة بانخفاض الملقحات - تُعطل الساعات الداخلية للنحل وبالتالي يتعطل البحث عن الطعام والنوم.

السؤال الهام، الذي طرحه الباحثون هو ما الذي يحدد الساعة؟ تكمن الإجابة في ضوء النهار، يقول "غاي بلوخ"، الذي يدرس تطور وآليات السلوك الاجتماعي للحشرات في الجامعة العبرية في القدس، إن النحل يستخدم السمات الاجتماعية للترادف، فالنحل في مركز الخلية يستجيب للاهتزازات، وهذا أحد الأشياء التي تجعل ترسيخ درجة الحرارة أكثر إثارة للاهتمام. والشيء الآخر هو أن مستعمرة النحل بيئة مستقرة جدا ". وينظم النحل درجة الحرارة الداخلية للخلية بعناية عند نحو 95 درجة فهرنهايت، ويمكن أن يؤدي اختلاف درجات قليلة فقط إلى مشاكل في النمو في اليرقات. لكن البحث الجديد يظهر أن الغرف الخارجية للعش تتقلب بالفعل.

ملكات النحل: كيف حل العلماء ألغاز لغتها؟

تمكن العلماء من حل ألغاز لغة ملكات النحل عن طريق مجسات شديدة الحساسية تستخدم لرصد الذبذبات، وتقوم النحل العاملات بتربية الملكات عن طريق وضع البويضات في خلايا خاصة وتغليفها بالشمع وتغذيتها على "هلام الملكات"، وتخرج الملكات حين تنضج، لكن إذا خرجت ملكتان في نفس الوقت تدور بينهما معركة قاتلة، وحين تخرج إحدى الملكات من الشرنقة تصدر رسائل صوتية هي عبارة عن تعليمات للعاملات بإبقاء الملكات الأخريات داخل خلاياها، وقد نشرت هذه الاكتشافات في دورية "التقرير العلمي".

ووصف مارتن بنتشيك، وهو من جامعة تونغهام وأشرف على الدراسة، الأصوات التي تصدرها ملكات النحل والرسائل التي تتضمنها بأنها "غير عادية"، وأضاف "بإمكانك أن تسمع الحوار بين الملكات. كانت هناك فرضيات أن الملكات تتحدث فيما بينها لتختبر قوة الأخريات، لكننا الآن نملك الدليل على التفسير الآخر"، وتوصل الباحثون إلى أن ما تفعله الملكة هو أنها تجوب الخلية معلنة عن حضورها للعاملات.

أما الأصوات التي تخرج عن الملكات السجينات فهي تنبئ بأنها أصبحت جاهزة للخروج لكنها ما زالت أسيرة الخلية، ولا تتحدث الملكات فيما بينها، كما أوضح بنتشيك، بل توجه حديثها للعاملات، وعددهن بعشرات الآلاف، ويعملن على إطلاق ملكة واحدة في كل مرة، وحين تتوقف أصوات الملكات السجينات يكون هذا إيذانا بأن الملكة شكلت سربها الخاص، ويمكن لملكة أخرى أن تخرج، وقال بنتشيك إن مراقبة مجتمع النحل تجربة رائعة.

وأضاف "جميع القرارات تتخذ بشكل جماعي. النحلات العاملات هن من يقررن إن كن يرغبن في ملكة جديدة"، ومع كون نحل العسل مهدد بالانقراض، فإن القائمين على تربية النحل والخلايا التي يجهزونها مهمة جدا لبقاء النحل.

ويأمل الباحثون أن يساهم التنصت على النحل وفهم ما يدور في الخلية في المساعدة على تجنب التدخل في القرارات الجماعية الحساسة للنحل والتنبؤ بوقت تشكل أسراب مستعمرات النحل الخاصة بهم.

العلاج باستنشاق خلايا النحل.. ماذا يقول العلم؟

يفضل التونسيون استهلاك مادة العسل كعلاج طبيعي ومقوي غذائي في مواجهة الالتهابات ونزلات البرد، لكن ما يقترحه الشاب محمد السويح في مجال العلاج بخلية النحل يعتبر سابقة وتجربة فريدة من نوعها في تونس والعالم العربي.

وأسس محمد السويح مركزا علاجيا متنقلا يوفر جلسة لاستنشاق هواء خلية النحل تدوم نصف ساعة وتهدف للمساعدة في علاج مشاكل صحية مختلفة تتعلق خاصة بالأمراض الرئوية كالالتهابات والربو وتليف الرئة.

وقال السويح، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إنه بدأ الاستثمار في مجال الفلاحة الإيكولويجة منذ سنوات تاركا عمله الأصلي في قطاع السياحة وركز عمله في مدينة الهوارية من محافظة نابل شمال البلاد، متمثلا في ضيعة إيكولوجية أسماها "مزرعة العجائب"، حيث جمع فيها الطيور الاستوائية والغلال النادرة التي لم يكن يعرفها الناس في تونس، على غرار "فاكهة التنين" و"المانغا" و"البابايا"، إلى جانب نباتات استوائية مختلفة.

كما يشمل مشروعه الإيكولوجي مركزا متنقلا للعلاج باستنشاق خلية النحل بدأ عمله منذ أسابيع ولاقى اهتماما من التونسيين، على غرار تجارب أخرى في العالم أثبتت نجاعتها في دول ألمانيا وأوكرانيا والمجر.

وأوضح السويح أن "تجربة التنفس داخل خلية النحل هي عملية علاجية تحتاج عددا من جلسات الاستنشاق وتسمح للمريض بالحصول على هواء خلية النحل الداخلي الدافئ والنقي في درجة حرارة تساوي 35 درجة مع رطوبة غير مزعجة"، مضيفا أن "عملية الاستنشاق تساعد على الاسترخاء والاستفادة من كل منتجات الخلية من غذاء ملكات النحل وشمع النحل وحبوب اللقاح والعكبر "البروبوليس"، فضلا عن الاستمتاع برائحة العسل المنعشة طيلة الجلسة".

وأكد محمد السويح أن استنشاق الهواء، الذي تنتجه خلايا النحل، يساعد في علاج الربو وأمراض الرئة والتهابات الجهاز التنفسي والصداع النصفي وحتى الاكتئاب، وتابع صاحب المشروع الإيكولوجي: "لقد أثبتت الدراسات أن هواء خلية النحل على درجة عالية من النقاوة والتعقيم يعادل تعقيم غرف العمليات وهو أفضل من الهواء العادي بكثير كما ينصح به خبراء الطب البديل لأن مفعوله يقترب من مفعول عقار الكورتيزون، وبدورنا لاحظنا ارتياحا كبيرا لدى المرضى الذين جربوا معنا استنشاق هواء خلية النحل وأكدوا لنا تحسن وضع التنفس لديهم".

يشار إلى أن محمد يحرص على تقديم خدمات استنشاق هواء خلية النحل في مركزه المتنقل على شكل سيارة إسعاف بداخلها خلية نحل، بينما تتم عملية التنفس عن طريق قناع خاص موصول بأنبوب يسمح بخروج الهواء فقط دون التعرض لمخاطر لسعات النحل.

وحدثتنا آية قصد الله، التي خاضت التجربة، بالقول إنها كانت تعاني من حساسية تنفسية مزمنة ولجأت لجلسات الاستنشاق، التي أشارت إلى أنها "مكنتها من الاسترخاء والتخلص من احتقان الجيوب الأنفية وحسنت عملية التنفس عندها بعد أكثر من حصة علاجية فضلا عن استمتاعها خلال الجلسة بروائح العسل والزيوت الأساسية للزهور التي تنقل بينها النحل".

وأكد مربي النحل منير بشير، في حديث للموقع، أن "استنشاق خلية النحل يعد علاجا طبيعيا منذ قديم الزمن خاصة وأن هذا الهواء محمل بفوائد العكبر والشمع ومن الأفضل استنشاقه في ساعات الصباح الباكر قبل خروج النحلات الشغالات للعمل لجلب الرحيق وحبوب اللقاح، كما أنه هواء معقم يساعد في القضاء على الجراثيم الموجودة في الجهاز التنفسي ومعالجة الأمراض طبيعيا".

من جهته، يفضل الدكتور سامي كمون، رئيس الجمعية التونسية للأمراض الرئوية، التداوي من المرض عبر العقاقير الطبية، قائلا في تصريح للموقع: "هناك مثل هذه الاستعمالات في عدد من البلدان وهي طريقة مستحدثة تعتمد على الهواء النقي الذي تنتجه خلية النحل، لكن وجب التأكد من أنها مضمونة وناجعة في علاج أمراض مزمنة مثل الربو والتهابات القصبات الهوائية، ووحدها البحوث العلمية والتجارب على عدد مهم من المرضى كفيلة بتأكيد فاعليتها وهو ما لم تثبته أبحاث علمية دقيقة إلى اليوم".

نحل العسل يتبنى سلوك التباعد الاجتماعي لتقليل نقل العدوى داخل المستعمرة

أتاح التباعد الاجتماعي فرصة لتقليل انتشار العدوى بين البشر خلال جائحة كورونا. فهل نرى لهذا السلوك الحيوي نظيرا مماثلا في عالم الحيوان؟ خلال 18 شهرا الماضية، أصبح البشر على دراية تامة بمصطلح "التباعد الاجتماعي"، ومدى أهميته للوقاية من الوبائيات. ولكن يبدو أننا لسنا الكائنات الوحيدة التي تعي أهمية التباعد الاجتماعي خاصة عندما تكون صحتنا في خطر، إذ تشير الأبحاث إلى أن نحل العسل يفعل الشيء ذاته.

ففي الدراسة الحديثة التي نشرت في دورية "ساينس أدفانسز" (Science Advances) يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أفاد العلماء -في جامعة ساساري (University of Sassari) وجامعة تورينو (University of Turin) بإيطاليا وفي كلية لندن الجامعية (University College London) بالمملكة المتحدة- بأن نحل العسل يزيد من التباعد الاجتماعي كلما كانت خليته واقعة تحت تهديد من الطفيليات.

وبحسب التقرير الصحفي الذي نشره موقع "يوريك ألرت" (EurekAlert)، فإن نحل العسل يُبدي ردة فعل إذا أصابت الطفيليات الضارة مستعمرته، وذلك بتعديل موضعها وتفاعلها مع بعضها بعضا لزيادة التباعد الاجتماعي بين الصغار والكبار.

ويذكر أليساندرو سيني -المؤلف المشارك في الدراسة في مركز التنوع البيولوجي وأبحاث البيئة التابع لكلية لندن الجامعية- أن هذه الاستجابة المكتشفة تقدم "أول دليل على تعديل نحل العسل تفاعلاته الاجتماعية وللكيفية التي يتحرك بها في خليته كاستجابة منه لإصابتها بأي طفيلي شائع".

ويضيف سيني "نحل العسل حيوان اجتماعي يتشارك توزيع المسؤوليات وتجمعه تفاعلات اجتماعية متبادلة. غير أن زيادة هذه الأنشطة الاجتماعية يزيد من خطر الإصابة بالعدوى. ولكن يبدو أن نحل العسل قد طوّر آلية لتحقيق التوازن بين المخاطر والمكاسب وذلك بتبنيه التباعد الاجتماعي".

وعلى ما يبدو، فإن سلوك التباعد الاجتماعي ليس غريبا في عالم الحيوان، إذ يمكننا ملاحظة هذا السلوك في العديد من الكائنات بدءا من قردة البابون التي تتباعد عن أقرانها المصابة بالتهابات الجهاز الهضمي، ووصولا إلى النمل المصاب بالفطريات المُمرِضة والذي ينأى بنفسه بعيدا عن مجتمعات النمل حتى لا تصيبها بالعدوى.

وقد اهتمت الدراسة الحديثة بمعرفة التأثير الذي قد تلحقه الطفيليات الخارجية من نوع "فاروا المدمرة" (Varroa destructor) إذا أصابت مستعمرات نحل العسل. إذ تساءل الفريق في البداية إن كانت هذه الإصابة ستغير من التنظيم الاجتماعي في خلية النحل بالشكل الذي يقلل من انتشار الطفيليات داخل الخلية.

وتعتبر طفيلية الفاروا المدمرة واحدة من عوامل الإجهاد الكثيرة التي تؤثر على مستعمرات نحل العسل. ويعد عث الفاروا عدوا لدودا لنحل العسل، إذ يلحق العديد من الآثار الضارة سواء بأفراد نحل العسل أو بالمستعمرة ككل.

ومن المعروف أن مستعمرات نحل العسل تُقَسَّم إلى جزأين: جزء خارجي يسكنه جامعو الكلأ، وجزء مركزي داخلي تشغله ملكة النحل والمُربيات والحَضَنَة. ويعمل هذا الفصل المكاني بين أفراد الخلية داخل المستعمرة على تقليل التفاعلات بين قسمي المستعمرة الخارجي والداخلي، ومن ثم يحمي الأفراد الأهم قيمة -كالملكة والصغار والحضنة- من البيئة الخارجية ويقيهم من الأمراض.

وقد تعرف الفريق البحثي على سلوك مفرد يمكنه أن يزيد من فرص انتقال العث داخل المستعمرة. فبعدما قارن الفريق بين المستعمرات المصابة بطفيلية الفاروا وتلك التي لم تُصَب بها، لاحظوا أن رقصات البحث عن الطعام حدثت بشكل أقل في الأجزاء المركزية من الخلية التي كانت مصابة بطفيلية الفاروا. كما لاحظوا أن سلوكيات الاستمالة أصبحت أكثر تركيزا في الخلية المركزية.

اضف تعليق