بقلم: رحمة ضياء

يعيش المواطن الهولندي بوريس فان ويستيرنج، البالغ من العمر 47 عامًا، في مدينة أمسترادم بهولندا، ويستخدم الدراجة لإيصال ابنه إلى المدرسة وبعد ذلك يذهب بها إلى عمله في غضون 40 دقيقة، لا يرى "ويستيرنج" في شوارع مدينته الخضراء الكثير من السيارات، فهي كما يصفها "أقلية"، في حين تُعد الدراجة وسيلة المواصلات الأكثر شيوعًا.

يقول "ويستيرنج" في تصريحات لـ"للعلم": الدراجة جزء من ثقافتنا يتم غرسه فينا منذ سنٍّ مبكرة جدًّا، ولدينا مسارات آمنة للدراجات في كل الشوارع بما يتيح للجميع من كل الأعمار استخدام الدراجة، ولدينا تطبيقات لاستئجار السيارات، وإذا احتجت إلى سيارة لرحلة طويلة على سبيل المثال أستأجر واحدةً لمدة يوم أو يومين.

يعمل "ويستيرنج" مستشارًا مستقلًّا في الصحافة والاتصالات المناخية، ويشارك في المؤتمر السابع والعشرين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (CP27)، ممثلًا عن شبكة صحافة الأرض -إنترنيوز، ورسالته هي "آمل أن نتمكن من بناء الجسور عبر الدول وتعزيز بعضنا لبعض بأفضل الممارسات لمساعدة بعضنا لبعض على تخضير مدننا، قرأت على سبيل المثال عن استخدام تقنيات هندسة تبريد الهواء الآن لبناء منازل جديدة أكثر برودةً في إسبانيا، لذا فإن تبادل الأفكار والتقنيات لبناء مدن مستدامة هو تبادلٌ متساوٍ بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، يمكن أن تساعد الصحافة المستقلة في الكشف عن هذه القصص والأمثلة والإسهام في العمل المناخي الفعال".

عالميًّا

تحتل هولندا الترتيب الثالث وفق مؤشر المستقبل الأخضر لعام 2022، وهو مؤشر عالمي يقيس ترتيب 76 دولة من خلال قدرتها على تطوير مستقبل مستدام ومنخفض الكربون ووفق درجة تمحور اقتصاداتها نحو الطاقة النظيفة والصناعة والزراعة والمجتمع من خلال الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والابتكار والسياسة الخضراء.

وتأتي أيسلندا والدنمارك في الترتيب الأول والثاني، وتغيب كثير من الدول العربية عن المؤشر الذي يقيِّم اقتصاديات الدول وفقًا لخمس ركائز أساسية تتمثل في انبعاثات الكربون، وانتقال الطاقة، والمجتمع الأخضر، والابتكار النظيف، وسياسة المناخ.

الاقتصاد الأخضر

الاقتصاد الأخضر وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة هو الاقتصاد الذي يحسِّن رفاهية الإنسان ويبني العدالة الاجتماعية مع الحد من المخاطر والندرة البيئية، وهو بديلٌ للنموذج الاقتصادي السائد اليوم، والذي يؤدي إلى تفاقُم عدم المساواة، ويشجع على التبذير، ويؤدي إلى ندرة الموارد، ويولِّد تهديدات واسعة النطاق للبيئة وصحة الإنسان.

على مدى العقد الماضي، برز مفهوم الاقتصاد الأخضر بوصفه أولويةً إستراتيجيةً للعديد من الحكومات، وفي عام 2008، أطلقت الأمم المتحدة للبيئة مبادرة الاقتصاد الأخضر (GEI)، وهي برنامج بحث عالمي مصمم لتحفيز صانعي السياسات على دعم الاستثمارات البيئية.

وبفضل هذه المبادرة وعمل الوكالات الأخرى، وُضع "الاقتصاد الأخضر في سياق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر" على جدول أعمال مؤتمر الأمم المتحدة (ريو +20 في البرازيل) لعام 2012، وتم الاعتراف به بوصفه أداةً لتحقيق التنمية المستدامة.

في الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2015، نشرت الأمم المتحدة للبيئة وثيقة "الكشف عن المسارات نحو اقتصاد أخضر شامل"؛ لتأكيد مفاهيم مثل المشاركة والدائرية والتعاون والتضامن والمرونة والفرص والترابط.

معايير بيئية

يقول هشام عيسى -مسؤول التنسيق السابق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومدير مركز التغير المناخي السابق بوزارة البيئة- لـ"للعلم": من الصعب أن يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد أخضر بالكامل، وإنما يحدث التحول بدرجات، وهناك معايير معينة يتم تقييم الدول من خلالها، وكلما توافرت هذه المعايير، ارتفع ترتيبها وسط الدول الرائدة في مجال الاقتصاد الأخضر.

وأوضح أن الاقتصاد الأخضر مظلة واسعة تندرج تحتها الأنشطة الاقتصادية وشكل المدن من المباني ووسائل المواصلات والطرق وغيرها من المعايير البيئية التي تحقق الاستدامة وتقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتحافظ على البيئة.

وأضاف: "من ضمن هذه المعايير على سبيل المثال انتشار الوظائف الخضراء داخل البلد، واستخدام وسائل نقل صديقة للبيئة، ووجود منظومة متطورة لإعادة تدوير المخلفات، ومعالجة المياه، والاعتماد على الطاقة المتجددة في الصناعة والمباني، وتوافُر أنظمة للتكيف مع تغيُّر المناخ وغيرها من المعايير التي كلما توافرت أمكننا أن نقول إن هذه الدولة يمكن تصنيفها كدولة أو مدينة خضراء".

وأشار إلى أن "التحول إلى الاقتصاد الأخضر لا يعتمد فقط على السياسات والمشروعات التي تنفذها الدولة، ولكنه يرتبط كذلك بوعي المواطنين وسلوكهم وتعاملهم مع البيئة بطريقة مستدامة".

وأضاف أن "الاقتصاد الأخضر من شأنه أن يساعد الدول على تحقيق تنمية اقتصادية، ومن ثم تحقيق الرفاهية للمواطنين؛ لأنه يستحدث وظائف خضراء تسهم في زيادة إجمالي الناتج المحلي، كما أنه يقلل الخسائر المرتبطة بالتلوث ويقلل من النفقات المخصصة للصحة، ومن ثم يخفض التكلفة ويحقق مردودًا اقتصاديًّا".

نفقات كبيرة

وفي المقابل يحتاج التحول إلى الاقتصاد الأخضر إلى دعم وتمويل كبيرَين؛ لأن "أي مشروع ناشئ يحتاج إلى نفقات كبيرة في البداية حتى يستطيع أن يغطي تكاليفه ويحقق أرباحًا، وهو ما لا يتوافر للدول النامية ويجعل عملية التحول في كثير من البلدان مرهونةً بالحصول على تمويل من الدول الكبرى"، وفق "عيسى".

وأشار إلى أن اتفاقية باريس نصت على ضرورة تقديم الدول الصناعية الكبرى المتسببة في النسبة الأكبر من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون دعمًا ماليًّا وفنيًّا للدول النامية المتضررة، بالإضافة إلى نقل التكنولوجيا إليها.

وأضاف: "كثير من الدول الصناعية لم تلتزم بتقديم الدعم، وهذه المسألة من أكبر نقاط الخلاف في مؤتمرات الأطراف التي تُعقد سنويًّا".

عربيًّا

يتصدر المغرب الدول العربية الرائدة في الاقتصاد الأخضر، وفق مؤشر المستقبل الأخضر لعام 2022، أما مصر فتحتل المركز الخامس عربيًّا، وتأتي في المرتبة رقم 59 عالميًّا.

يقول أحمد الشريدة -رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية- في تصريحات لـ"للعلم": على الرغم من أن الاقتصاد الأخضر له الكثير من الفوائد الإيجابية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تعوق عملية التحول وسط البلدان العربية والبلدان النامية بشكل عام، وأبرزها نقص التشريعات المتعلقة بعملية الانتقال من الاقتصاد المعتمد على رأس المال إلى الاقتصاد المحافظ على البيئة، وقلة الوعي والتمويل اللازم للقيام بهذا الانتقال، علاوةً على الخبرات الفنية والتكنولوجية.

ولفت إلى أن تجربة المملكة المغربية من التجارب الرائدة عربيًّا في مجال الاقتصاد الأخضر، إذ تعتمد في اقتصادها اعتمادًا كبيرًا على طاقة الأمواج والشمس والرياح والشبورة، وكذلك الإمارات التي تعتمد بدورها على الطاقة المتجددة ولديها مدينة "مصدر" في إمارة أبو ظبي التي أسستها عام 2006، وتعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، وتستهدف الدولة الوصول إلى صافي صفر كربون بحلول عام 2050.

وكانت المملكة المغربية من أوائل الدول التي تبنت نهج الاقتصاد الأخضر والاعتماد على الطاقة الشمسية، إذ احتلت المرتبة الأولى في العالم النامي من خلال مؤشر أداء تغير المناخ في عام 2016، وتم اختيارها مضيفًا لمؤتمر الأطراف COP22 في ذلك العام، وفق موقع متتبع الاقتصاد الأخضر.

محليًّا

في حين تشتمل إستراتيجية مصر للانتقال إلى الاقتصاد الأخضر على التحول إلى الطاقات المتجددة، واعتمدت حكومة مصر خطةً طويلة الأجل لطاقة الرياح، وحددت هدفًا يتمثل في تلبية 20% من الاحتياجات الكهربائية من مصادر للطاقة المتجددة بحلول عام 2020، تغطي طاقة الرياح 12% منها، وفي عام 2010، تلقت مصر 1.3 مليار دولار لاستثمارها في تنمية الطاقة النظيفة عن طريق مشروعات تتعلق بالطاقة الشمسية والحرارية وطاقة الرياح، وفق موقع وزارة البيئة المصرية.

وفي تقرير المساهمات المحددة وطنيًّا المحدث الذي تقدمت به للأمم المتحدة في يوليو الماضي، تعهدت مصر بخفض انبعاثاتها بحلول عام 2030 بنسب 33% في قطاع الطاقة و65% في صناعة النفط والغاز و7% في قطاع النقل، بالإضافة إلى تبنِّي أهداف منخفضة الكربون في قطاعات التخطيط العمراني والسياحة والري.

وذكر التقرير أن تكاليف تنفيذ المشروعات الهادفة لتحقيق هذا الخفض لا تقلعن 246 مليار دولار، بواقع 196 لمشاريع التخفيف و50 مليار دولار لمشاريع التكيف، وأن التنفيذ الفعلي لتدابير التخفيف والتكيف هذه مشروطٌ بتوفير تمويل دولي ملائم ومناسب.

شوط كبير

من جهته، يقول صابر عثمان -المدير السابق لإدارة التكيف مع التغيرات المناخية بوزارة البيئة المصرية- في تصريحات لـ"للعلم": إن مصر قطعت شوطًا كبيرًا فيما يتعلق بالانتقال إلى الطاقة المتجددة والاعتماد على الاقتصاد الأخضر وعلى رأسها محطة بنبان للطاقة الشمسية، كما تضمنت خطة مصر المحدثة المقدمة للأمم المتحدة برنامجًا يشمل 17 مشروعًا قائمًا، و36 مشروعًا آخر مخططًا حتى عام 2030.

وفي إطار الاستعدادات المصرية لاستضافة مؤتمر الأطراف السابع والعشرين، عملت الحكومة على تحويل مدينة شرم الشيخ إلى مدينة خضراء، فتم تنفيذ نظام نقل صديق للبيئة، ومنظومة حديثة لإدارة المخلفات الصلبة في المدينة، وإضافة مزيد من مصادر الطاقة المتجددة بمختلف أنحاء المدينة، ووحدات للطاقة الشمسية في الفنادق، مع تأهيلها للحصول على النجمة الخضراء، إلى جانب تغيير ثقافة المواطنين والممارسات السلبية ضد البيئة، وفق موقع وزارة البيئة.

اضف تعليق