مر قرن بثلاثة عهود على تأسيس الدولة العراقية، ولم يحظَ العراقيون بسبل الحياة الكريمة، بل تحولوا على مر السنين إلى (تكتلات بشرية خالية من اي فكرة وطنية)، حسب وصف ما زال يُنسب إلى الملك فيصل الأول! والسبب غياب الفلسفة الحقيقية لبناء الدولة المستقرة.

ففي شهر آب 1921 بدأ العهد الملكي بتتويج أول ملك للعراق، حيث كان تأسيس المملكة العراقية جزءاً من طموح العائلة الهاشمية لتولي زعامة الولايات العربية المنفصلة عن الدولة العثمانية، ونقل نظام الخلافة المنهار في إسطنبول إليها تحت الرعاية البريطانية.

تعاقب على حكم العراق ثلاثة ملوك ليسوا عراقيين، ماتوا في ظروف غامضة، عدا الملك الأخير الذي قتل صبيحة 14 تموز 1958.

لم يشهد هذا العهد استقراراً سياسياً حقيقياً؛ فخلال 37 سنة ــ مدة العهد الملكي ــ أُعيد تشكيل الحكومة 59 مرة، وكان الملك متأرجحاً بين إرادة الاحتلال البريطاني وإرادة الأحزاب السياسية المتصارعة على السلطة؛ وعانى العراقيون من أزمات معيشية، وتعليم محدود، واقتصرت السلطة على الشيوخ والإقطاعيين والرجعيين، وتكبّل العراق بالمعاهدات الجائرة مع بريطانيا؛ مما ولد احتجاجات جماهيرية، وتمرد العشائر والأقليات، تحولت إلى مواجهات مع النظام، ومن إفرازاتها حدوث مجزرة سميل (الآشوريين).

كما شهد أيضاً انقلاب 1936 وهو أول انقلاب عسكري عرفته الأنظمة العربية، وفتح الباب أمام تدخل الجيش في السياسة، تلاه انقلاب 1941 الذي أعاد الوصاية البريطانية على العراق بعد أن تحرر منها عام 1932.

وفي العهد الجمهوري (1958 ــ 2003)، توجهت الدولة ونظامها الحاكم نحو العسكرة في جميع مفاصل الحياة، صار الحكم فيه مستبداً على طريقة ميكافيللي القائل: (ان الرجال إما أن يُستمالوا أو يُبادوا).

ومنذ بداية هذا العهد، شهد سلسلة من الانقلابات والحروب والتفرد بالسلطة وفرض سطوة الحزب الواحد، كان عهداً مليئاً بالدم والتصفيات والمحاكم الخاصة وملء السجون بمعارضيه فكرياً وسياسياً، واقتيادهم إلى المشانق في أكثر الأحيان. تعاقب على الحكم فيه خمسة رؤساء، كلهم عسكريون، انتهى حكمهم بانقلابات دموية، اغتيالات، انقلابات ناعمة تحت تهديد السلاح، أو حروب كارثية.

وفي الحقيقة إن نظام الحكم الجمهوري يُستمد من الجماهير ومشاركتهم في الحياة السياسية، لكن غالباً ما يستخدم الحكام بعض المفردات لتجميل الأحداث القبيحة التي يفعلونها. فلم يكن هذا العهد جمهورياً إلا في وسائل إعلامه.

أما في العهد الديمقراطي ما بعد 2003، تلقى العراقيون نظاماً انتخابياً ديمقراطياً ما عهدوه من قبل، وفي نظر الكثيرين إن هذا النظام يديره مسؤولون وضعوا أهدافاً سطحيةً وإصلاحات طارئة مؤقتة؛ فأنتج حكومات ضعيفة، مقابل سلطات تشريعية، فيها كتل متنفذة تبتز السلطة التنفيذية، وفي كل مرة تنتهي مهمة الحكومة التوافقية إلى عدم تحديد المسؤولية عن الفشل العام في الدولة!

اختلف هذا العهد عن العهدين السابقين بأنه وقع في شراك الفساد المالي والإداري الفظيعين، وتنامي الطائفية، واستفحال الإرهاب، وسيادة السلاح المنفلت، بينما صارت سلطة العشائر والأحزاب والعصابات ورجال الدين تتحدى سيادة الدولة في كثير من مشاهد الحياة.

وإذا أخذنا الأمور بخواتيمها، نجد إن الأنظمة الحاكمة في هي بيت الداء ورأس البلاء، وإن انعكاسات الأحداث والصراعات السياسية في العهود الثلاثة، تسببت في تشرذم النسيج الاجتماعي، وتحويل الناس إلى فئات محدودة النظرة والأهداف، لكل فئة منها قضية على حجمها، فلم تعد لديهم أي تطلعات إلى وطن أكبر مستقر، مما سهّل السيطرة عليهم، ووضع الرأي العام في أسر التحلل، فظهرت العواقب ظرفية وآنية، وتعملقت في مستقبل الأجيال، فلا يشارك أحد الآخر الهم الوطني العام، واقتربنا من نقطة محو معالم الدولة.

وبعد قرن مر من حياة العراق، رأينا ما للأنظمة الحاكمة وما عليها، وبدأنا بفعل ذلك ننحدر من وهم الدولة إلى حقيقة اللا دولة، فمن يحيي العراق وهو رميم؟

اضف تعليق