لو طبقنا بصورة عملية بين كلمة الامام الحسين (ع) التي سعى من خلالها الى حمل مسؤولية الإصلاح والتغيير قولاً وفعلاً، وبين ما يجري اليوم من احداث ومتغيرات على ارض الواقع، وفي مختلف المستويات، لوجدنا مقدار الزيف والكذب والاستهانة بمسؤولية الكلمة لمن يدعى القيام بالإصلاح والسعي نحو التغيير...

علمنا الامام الحسين (عليه السلام) ان الكلمة مسؤولية، وان تأثيرها يتعدى محدودية الزمان والمكان، الى فضاء رحب ينتصر فيه المظلوم على الظالم، وتعلو فيه كلمة الحق فوق اكاذيب الباطل، لذلك كان الامام الحسين (عليه السلام) على موعد مع "الكلمة" التي تحدى فيها الباطل والنفاق والظلم والاستبداد وأهله، رغم كل التحديات والاغراءات التي واجهها بشجاعة الثائر الكبير الذي يحمل هم الكلمة الصادقة في زمن الزيف والخداع والذل والهوان.

الكلمة هي شرف الانسان الواعي، الساعي للإصلاح، وهي الفيصل لقدرته بين الثبات على المبدأ والانحراف عنه، وهي كالشجرة الطيبة او الخبيثة، كما يعبر عنها القران الكريم في قوله تعالى: (الم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).

وعندما ثار الامام الحسين (عليه السلام) ضد ظلم السلطة الاموية الغاشمة واستبدادها واستعبادها البلاد والعباد، لم يكترث لكثرة أعداءه امام القلة من أصحابه ومناصريه، ولم يسعى لكسب منصب او مال اوجاه، ولم يخطط لكسب المعركة من الناحية العسكرية او المادية، وانما "لطلب الإصلاح في امة جدي"، حيث توحد القول مع الفعل عند الامام الحسين (عليه السلام)، والكلمة مع العمل في تحقيق مشروع الإصلاح والتغيير ضد السلطة الحاكمة، ومن هنا كانت ثورة الامام الحسين (عليه السلام) قريبة من النفوس والعقول لأنها كانت صادقة ومتطابقة قولاً وفعلاً.

يقول تعالى: (يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون)، وهي إشارة واضحة وصريحة لمقت الله (عز وجل) لمن يخالف قوله فعله، فالتناقض الذي يعيشه الانسان وهو في السلطة (مهما صغرت او عظمت) يحوله الى ظالم لنفسه وللأخرين، خصوصاً إذا اقتنع وامن بصواب ما يقوم به، وخطأ غيره، وبالتالي السير في طريق الاستبداد والتفرد والاستعلاء وصولاً الى الحالة "الفرعونية" او "الصنمية".

وهذه الطبقة المتسلطة التي وجدت من يروج لها ويعظمها ويقلدها من اتباع ومريدين من "همج رعاع يميلون مع كل ريح، وينعقون مع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا الى ركن وثيق"، هم من سعى الامام الحسين (عليه السلام) ليقف بوجههم ويمنعهم من الاستمرار في غيهم وانحرافهم عن جادة الصواب وقول الحق واستعبادهم للإنسان وتزييف الحقائق.

لو طبقنا بصورة عملية بين "كلمة الامام الحسين" (عليه السلام) التي سعى من خلالها الى حمل مسؤولية الإصلاح والتغيير "قولاً وفعلاً" من خلال سيرة حياة المباركة حتى لحظة استشهاده الخالدة، وبين ما يجري اليوم من احداث ومتغيرات على ارض الواقع ضمن حياتنا اليومية، وفي مختلف المستويات (السياسية، الثقافية، الاجتماعية، الإصلاحية)، لوجدنا مقدار الزيف والكذب والاستهانة بمسؤولية الكلمة لمن يدعى القيام بالإصلاح والسعي نحو التغيير وهو يخالف هذا القول بأفعاله، فالقدرة على التغيير وقول كلمة الحق عند اهل الباطل ليس مجرد استعراض او ادعاء بل ايمان وشعور بمسؤولية وثقل هذه الأمانة وواجب اداءها وقت الحاجة مهما كان الثمن والجهد المبذول في سبيلها، كما ان المغريات والتحديات التي تعترض طريق الإصلاح لا تعني شيئاً للمصلح وصاحب الكلمة امام عظمة الرسالة وخطر المسؤولية.

والخلاصة اننا امام عظمة الامام الحسين (عليه السلام) تلك المدرسة التي علمت الأجيال تلوا الأجيال والهمتهم ان يكونوا احراراً في دنياهم وهم يحملون مسؤولية الكلمة التي تعني (الإصلاح/ التغيير/ الحق/ الحرية/ المسؤولية/ المبدئية) لا نملك الا ان ننحني خاشعين امام دروسها وعبرها وثباتها العجيب، التي من تخلف عنها "لم يبلغ الفتح"، نعم من تخلف عن هذه المدرسة العظيمة بكل تفاصيلها لم يصل الى المستوى الذي يؤهله ان يدرك معنى الفتح المعنوي والمادي، وبالتالي سيتعرض الى الخسارة والانهزام على المستوى النفسي قبل خسارته للأخرين.

وعليه يمكن القول:

1. ان مسؤولية الكلمة ينبغي ان تنبع من مبادئ الانسان الثابتة على الحق وليست متلونة بحسب المصالح والمكاسب الانية التي يسعى ورائها ويطوع كلمته بحسب مقتضاها.

2. تطابق الفعل مع القول من أبرز واهم مصادق مسؤولية الكلمة واحترامها والثبات عليها، اما المتاجرة بين الفعل والقول فهو طريق النفاق والاستبداد.

3. ان اغلب الأنبياء والمرسلين والاوصياء والصالحين لم يملكوا جيوشاً او اموالاً وغيرها لتساعدهم في أداء رسالتهم المكلفين بها من الله (عز وجل)، ولكنهم كانوا يملكون "الكلمة" الصادقة ويعرفون قيمتها وأثرها على الانسان وقدرتها على احداث الفارق والتغيير.

4. الامام الحسين (عليه السلام) أدى ما عليه من مسؤولية وترك للإنسان حرية الاختيار بين التحرر والعبودية، فطريق الحق واضح مثلما طريق الباطل كذلك، يبقى الانسان ومدى قربه او بعده من هذه المسؤولية في اختيار الطريق الأقرب الى قلبه.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق