الاصلاح، التغيير، الثورة، كلمات تستخدم بكثرة عندنا في مواجهة النظام السياسي الحالي. انا استخدمت كلمة "الاصلاح" مباشرة بعد تشكيل مجلس الحكم في ١٢ تموز من عام ٢٠٠٣، لانني شخصت منذ ذلك الوقت ان العملية السياسية التي انطلقت بعد سقوط النظام الدكتاتوري في ٩ نيسان منذ ذلك العام انحرفت عن الهدف المأمول لها وهو اقامة النظام الديمقراطي المنسجم مع الهوية الثقافية للمجتمع العراقي.

كنت قد كتبت قبل سقوط النظام بعدة شهر مقترحات الانتقال من المعارضة الى الدولة، وذكرت فيها ان هدفنا بعد السقوط هو اعادة بناء الدولة العراقية على اسس ديمقراطية. لا الطبقة السياسية استمعت لكلامي، ولا الجمهور الذي كان يتوجه الى صناديق الاقتراع ليدلي بصوته على اسس طائفية او عرقية او حتى عشائرية انتبه لذلك. وبذا تراكمت عيوب التأسيس واخطاء الممارسة حتى بات اصلاحها اصعب حتى من اسقاط النظام الصدامي.

ادرك الجمهور وبعض اطراف النخبة السياسية المنحدر الذي انزلقت فيه العملية السياسية والدولة العراقية بصيغتها المشوهة متأخرين. واخذت البلاد تغلي منذ عام ٢٠١٩ والى اليوم. ولم تنفع الانتخابات الموصوفة زورا بانها مبكرة في اخراج البلاد من الوحل، لان الطبقة السياسية استطاعت ان تعيد انتاج نفسها، ولان الذين دخلوا الانتخابات تحت شعارات التغيير لم يعرفوا سر الفوز، ولأن الجمهور الناخب لم يتغير، فيما عزفت الاغلبية عن المشاركة في الانتخابات. اليوم تتعالى اصوات الثورة، بعد ان تجاوزت مصطلحات الاصلاح والتغيير، لكنها بقيت دون مستوى مستلزمات الثورة وحتى التغيير. وتصور الشباب الرافض ومن يحركهم من الخلف ان التغيير او الثورة يحصل باقتحام مبنى مجلس النواب مثلا او مبنى مجلس القضاء او غيرها من الممارسات. واطلقوا على التظاهرات مسمى الثورة، وهذا تجاوز كبير للمصطلح. فما يحصل الان ليس "ثورة"، وبينه وبين هذا المصطلح مسافة كبيرة.

ومع ذلك، لا يهمني المصطلح، وانما جوهر المسألة. وجوهر المسألة امران: الاول، ان التغيير اصبح واجبا الان بعد ان وصلت الطبقة السياسية الى الطريق المسدود، والثاني، معرفة الطريق الصحيح والمنتج للتغيير والثورة والاصلاح. ومن هنا اصبح الحديث عن الامر الثاني ضرورة واجبة كضرورة الحديث عن الامر الاول.

امامنا طريقان للتغيير: الطريق الدستوري، والطريق الثوري، وانا لا امانع ايا من الطريقين، بشرط ان تتوفر مستلزمات الطريق الذي يقع عليه الاختيار.

الطريق الاول، هو الطريق السياسي السلمي الديمقراطي. ويتمثل هذا الطريق بايجاد "امة التغيير" وهم مجموعة الاشخاص الذين يتبنون المشروع البديل للدولة الحالية، والذي يتمثل باقامة دولة ديمقراطية حديثة عادلة على اساس المواطنة والقانون والمؤسسات. وانا اعتقد ان جمهورا ثائرا بحجم جمهور التظاهرات قادر على التغيير عبر هذا الطريق اذا توفرت المستلزمات المطلوبة له.

الطريق الثاني، وهو الطريق الثوري الذي لا يلتزم بالسلمية او بالقانون الساري، وانما يسعى الى قلب الواقع القائم راسا على عقب وبناء واقع سياسي بديل. وهذا هو الطريق الذي سار عليه رجال الثورة الفرنسية والروسية والايرانية. وهذا الطريق اكثر كلفة، لكن مستلزماته ايضا غير متوفرة حاليا.

وهذا انسداد من نوع اخر غير الانسداد السياسي الذي تتعرض له الطبقة السياسية. انه الانسداد التغييري الذي يعاني منه الساعون الى الاصلاح او التغيير او الثورة، سواء عن الطريق السياسي السلمي او الطريق الثوري. ولا يمكن الخروج من حالة الانسداد هذه الا بتوفير مستلزمات احد الطريقين. والامر يحتاج الى وقت وتخطيط وشيء من الصبر. والمشكلة ان الجمهور الغاضب لا يستطيع الصبر اكثر!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق