أفرجت شركة «إيبيك غايمز» في 5 نيسان الماضي، عن النسخة الجديدة من برنامجها «أنريل إنجِن 5» (Unreal Engine5) بعد طول انتظار.‏ وهو محرك رسوميات الكمبيوتر الثلاثية الأبعاد. وذلك بعد نحو عامين من الإعلان الأصلي للإطلاق، وبعد عام واحد من إتاحته بشكل مبكر للمطوّرين، وبعد 10 سنوات من إطلاق نسخته السابقة «أنريل إنجِن 4». هذه الأخيرة استخدمت في ألعاب فيديو شهيرة مثل «فورتنايت»، ومسلسل «ذا ماندَلوريان» المشتقّ عن سلسلة أفلام «حرب النجوم».

أما النسخة الجديدة من البرنامجين فهي مثيرة بسبب تقنيّتين ثوريّتين: «لومن» و«نَنايت». هاتان التقنيتان، إلى جانب تطويرات وخاصيات مستحدثة أخرى مثل «بشر الميتا» (MetaHumans)، ستحدثان ثورة في عالم صناعة ألعاب الفيديو والإنتاج السينمائي والميتافيرس، إذ إن المستخدم سيجد صعوبة في التمييز إن كان ما يشاهده حقيقياً أو صنع عبر الكومبيوتر.

سابقاً، كانت صناعة أفلام الرسوم وألعاب الفيديو عملية مضنية. إذ تحتاج شركات الإنتاج إلى صنع كل شيء على حدة، ثم مزج كل ذلك في قالبٍ واحد. فعلى سبيل المثال، صناعة لعبة فيديو أو فيلم رسوميات، تحتاج إلى خلق الشخصيات والأشياء بشكلها وتفاصيلها على برنامج واحد، ثم تحريكها في برنامجٍ آخر.

كما جلب الأصوات التي ستُستخدم من تطبيق مختلف. وأضف إلى ذلك مهمة إضاءة ذلك العالم والشخصيات التي تم خلقها بشكل يحاكي الواقع. إنها أمور بالغة الصعوبة والدقة، وتحتاج إلى خبرات صقلتها السنوات. وإلى طاقم عمل كبير وبرواتب خيالية.

اليوم، تغيّر كل شيء. كل المهمّات السابقة بات يمكن خلقها في برنامج واحد: «أنريل إنجِن 5». ومن خلال طاقم عمل صغير يمكن صناعة المعجزات بثلث الكلفة. فمن أهم التحديثات التي يقدمها «أنريل إنجِن 5»، تشمل تقنية «نَنايت» (Nanite) و«لومن» (Lumen)، بالإضافة إلى تطويرات في كيفية خلق العوالم وقراءتها عبر الحواسيب. أيضاً يتضمن البرنامج تحديثات في الفيزياء والمحاكاة، والذكاء الاصطناعي:

- يتيح نظام الهندسة الدقيقة الافتراضية «نَنايت»، للمطورين، إنشاء ألعاب بجودة هائلة من التفاصيل الهندسية، وذلك مع مشاهدة ما أنتجوه مباشرة في الوقت الفعلي من دون وقت المعالجة وهو ما يعرف بـ«Rendering time» (هذه العملية كانت تأخذ من ساعات إلى أيام سابقاً)، ومن دون أي خسارة ملحوظة في الدقّة. يقول نيكولاس بنورادن، نائب رئيس الهندسة في شركة «إيبيك»: «في الماضي، كلما اقتربت من الأسطح (الأشياء داخل اللعبة أو فيلم الرسوم)، كانت الواقعية تنهار. الآن، بإمكان الفنان أن يستمر في النحت ويقدّم أكبر قدر ممكن من التفاصيل».

كل مهمّات الإنتاج السابقة لأفلام الرسوم وألعاب الفيديو بات يمكن خلقها في برنامج «أنريل إنجِن 5»

- «لومن» هو نظام الإضاءة المحدّث. هو حلّ جذري بالكامل يتفاعل على الفور مع تغيرات المشهد والضوء، ما يوفّر للفنانين والمصمّمين القدرة على إنشاء مشاهد أكثر ديناميكية بواقعية أكبر (الإضاءة تشبه أشعة الشمس إلى حدّ كبير). فعلى سبيل المثال، سيؤدّي تغيير زاوية الشمس أو تشغيل مصباح يدوي أو فتح باب خارجي أو مرور الشخصيات أو إغلاق ستارة داخل غرفة، إلى إحداث تغيير في الإضاءة والانعكاسات يشبه ما يحصل في الواقع بشكل كبير. هذا الأمر الذي بات في متناول المنتجين اليوم، كان عبارة عن وظيفة من الجحيم، إذ إن إنارة غرفة داخل لعبة فيديو سابقاً، كان يتطلّب من المطوّرين أن يصنعوا الغرفة بشكل متكرّر؛ الأولى مضاءة والثانية مظلمة، ويتم استدعاء الصورة المناسبة حسب سياق ما يقوم به المستخدم داخل اللعبة.

- «بشر الميتا» (MetaHumans)، تسمح للمطوّرين بإنشاء بشر واقعيين وبسرعة. ويمكن نحت ملامح الوجه مثل عظام الوجنتين وشعر الوجه ولون العين والتجاعيد والكثير من التفاصيل. كما تقوم هذه الأداة بتجهيز جسم الإنسان الافتراضي، ما يسهّل تحريكه في اللعبة. ما الذي تقدمه الثورة التكنولوجية التي طرأت على صناعة أفلام وألعاب الواقع؟

الميتافيرس

بالنسبة إلى العالم الرقمي الموازي، يتيح «أنريل إنجِن 5» خلق مدن وعوالم كاملة بسهولة. يمكن للمطوّرين، بعد ذلك، بناء النشاطات والألعاب والتجارب داخلها. بالإضافة إلى إسكانها بآلاف البشر غير الحقيقيين الذين سيكونون جزءاً من تجربة الحياة داخل العالم الرقمي. بمعنى أنه عند دخول المستخدمين إلى «الميتافيرس» عبر نظارات الواقع الافتراضي، سيكون موجوداً في ذلك العالم نوعان من الكائنات: بشر حقيقيون، وأشباه بشر يحرّكهم ذكاء اصطناعي ومهمتهم الأساسية جعل المدن والعوالم تضج حياةً وواقعية.

حالياً، هناك عدة مشاريع «ميتافيرس» لعملات رقمية، مبنيّة على تكنولوجيا «أنريل إنجِن 5». أبرز ثلاثة عوالم هي:

- «وايلدر ولرد» (Wilder World - WILD)، جرى إطلاقها في أيار من عام 2021، وهي واحدة من أكثر عملات «ميتافيرس» المشفّرة التي ينتظر منها بناء بيئة افتراضية فائقة الواقعية. ورغم أن المشروع لا يزال قيد التطوير، إلا أن هناك بالفعل مجموعة «NFT» خاصة بها، ومرغوبة للغاية عبارة عن مبانٍ وسيارات وأحذية رياضية... ويبلغ الحجم السوقي لهذه العملة أكثر من 24 مليون دولار.

- «ستارلينك» (Starlink - STARL)، جرى إطلاقها في حزيران من عام 2021، وهي تقوم ببناء «ميتافيرس» تمكّن المستخدمين من جمع وتداول الـNFTs وتوليد دخل إضافي بعدّة طرق. يبلغ الحجم السوقي لهذه العملة أكثر من 46 مليون دولار.

- «بلوكتوبيا» (Bloktopia - BLOK)، جرى إطلاقها في تشرين الأول من عام 2021، وهي عملة مشفّرة قائمة على «بلوكتشاين» الخاص بعملة «بوليغون» (Polygon). تقوم ببناء أكثر «ميتافيرس» ثلاثي الأبعاد تقدّماً في الوقت الحالي. وتتمثّل مهمّتها في توفير تجربة افتراضية لا مثيل لها. يُطلق على سكان «بلوكتوبيا» اسم «Bloktopians»، وبيئتها الافتراضية ستتيح لسكانها توليد دخل من خلال المشاركة في اقتصادها. بالإضافة إلى ذلك، ستمكن «بلوكتوبيا» المستخدمين من امتلاك عقارات افتراضية في عالمها، فضلاً عن أنها تستعدّ لإصدار مجموعات NFT. يبلغ الحجم السوقي لهذه العملة أكثر من 70 مليون دولار.

ألعاب الفيديو

الألعاب التي ستستخدم الإمكانات الهائلة لـ«أنريل إنجِن 5» لم تخرج بعد. جرى إعلانها باعتبارها قيد التطوير. الحديث هنا عن مجموعة أكثر ألعاب الفيديو شهرة. مثل «LYRA» و«Fortnite» و«The Matrix Awakens» و«Ark 2» و«Witcher» و«Tomb Raider». ألعاب الفيديو هذه لن تكون فائقة الواقعية فحسب، الحديث هنا عن إضاءة تشبه ضوء الشمس، عن مدينة يمكن للاعب أن يدخل كل منزل فيها. من استخدم لعبة «كول أوف ديوتي» (Call of Duty)، يذكر أنه في سياق اللعبة، هناك مشهد أشبه بفيلم يصل إليه اللاعب عند نهاية بعض المراحل.

وتلك المشاهد هي عملياً مقطع فيديو مبرمج مسبقاً كي يشاهده اللاعب. هذا الأمر انتهى. هذه كانت ألعاب الماضي. اليوم، هذه المشاهد السينمائية الرائعة ستحدث في الوقت الحقيقي داخل اللعبة. سابقاً، كان المطوّرون ينتجون هذا المشهد كي يشاهده اللاعب لأن طريقة عمل التقنيات القديمة لا تسمح بمثل ذلك الأمر. ألعاب الفيديو الآتية ستكون أكثر انغماساً وواقعية وروعة. هي قفزة تشبه انتقال «الغايمرز» من النينتندو إلى الحاسوب.

برنامج «أنريل إنجِن 5» مجاني، ويمكن تحميله من موقع «غيبيك» الإلكتروني من دون أيّ كلفة. وتقول الشركة إنها ستأخذ نسبة 5% من أرباح أيّ مشروع يتم إنتاجه فقط إذا تخطّى الربح أكثر من مليون دولار. هذا يعني أن صانعي الأفلام والألعاب الناشئين، سيتمكنون من خلق إنتاجات رائعة من دون أن يرزحوا تحت الديون. ومن شأن هذا الأمر أن يثري عالم الترفيه ويمنع احتكاره من قبل عمالقة التكنولوجيا.

صناعة السينما

على مدى السنوات القليلة الماضية، استخدم «أنريل إنجِن» في عروض متلفزة كبيرة، مثل «وِست ورلد» (WestWorld) و«ذا ماندَلوريان» (The Mandalorian). تقول شركة «إيبيك» إنه يوجد الآن أكثر من 250 خاصية مؤثرات مرئية في البرنامج، مقارنة بأقل من 12 قبل عامين فقط.

في تقرير لمجلة «تايم»، يقول آرون سيمس، صانع أفلام، إنه يستخدم «أنريل إنجِن 5» لإنشاء مشاريع كاملة في الاستوديو المنزلي الخاص به. ويطلب سيمس من صديقه ارتداء بذلة التقاط الحركة، ثم يضبط الشكل الذي يريد إظهاره فيه داخل الفيلم القصير. ويوضح سيمس، أنه في العام الماضي، ابتكر فيلماً قصيراً كاملاً في «أنريل إنجِن 5» بعنوان (The Eye: Calenthek) خلال 6 أسابيع فقط. في حين أنه كان قد خصّص في الأصل ميزانية من ثلاثة إلى أربعة أشهر لإنشاء الفيلم بشكل تقليدي. ويضيف «في المؤثّرات الرقمية التقليدية، عندما تقوم بخلق شيء ما، سيحتاج إلى معالجة حاسوبية حتى تشاهد المؤثرات التي ابتكرتها. لكن الآن، لست بحاجة إلى جيش مؤلّف من آلاف الأشخاص لخلق أشياء بعد الآن، وسترى النتيجة فوراً».

بالإضافة إلى ذلك، غيّر «أنريل إنجِن 5» مفهوم عمل مدير المشتريات في عالم السينما، إذ خلال تصوير فيلم أو مسلسل، هناك شخص يتمثّل عمله في أن يبحث ويشتري مقتنيات تريدها شركة الإنتاج بشكل محدّد. مثل سيارة من نوع معين، أو غرفة نوم ذي طابع خاص. هذه الأشياء كلها، باتت على عاتق فرق عمل تابعة لمؤسّسات تقوم بتصوير كل الأشياء من حولنا بشكل ثلاثي الأبعاد، ثم تضعها في مكتبات مقابل سعر بخس. هذا يعني أن صانع الفيلم، إن أراد للشخصية الرئيسية في الفيلم مثلاً، أن تمتلك كرسيّاً معيناً، كل ما عليه فعله هو تحميله من المكتبة فقط.

اضف تعليق