ان الملحمة الحسينية شهدت منذ أوائل وقوعها إعلاماً مقاوماً عظيماً تمثل بدور العقيلة زينب من خلالها خطبتها الأولى التي كانت في الكوفة، مرتكزة على التأنيب والتقريع باعتبارهم من العارفين بحقهم، وكان لخطبتها وقعاً كبيراً قادت إلى انطلاق ثورات كثيرة تمثلت في حركة التوابين، أما خطبتها الشهيرة في الشام...

ممَّا لا شك فيه أنَّ المقارنة بين الإعلام الحسيني الماضي والحاضر يحتاج إلى مزيدٍ من الوقت وبحثٍ معمق ودراسةٍ متأنية، لكن في جميع الأحوال كان للإعلام أهمية مفصلية في القضية الحسينية كشأن الإعلام في أي ثورة وحركة إصلاحية وأن نجاحها يرتكز بشكل أساسي على قوَّة الإعلام في نشر أهدافها وترسيخ استمراريتها.

ملحمة حسينية

وبنظرة خاطفة بين الفترتين يمكن أن نقول أنَّ الملحمة الحسينية شهدت منذ أوائل وقوعها إعلاماً مقاوماً عظيماً تمثل بدور العقيلة زينب من خلالها خطبتها الأولى التي كانت في الكوفة، مرتكزة على التأنيب والتقريع باعتبارهم من العارفين بحقهم، وكان لخطبتها وقعاً كبيراً قادت إلى انطلاق ثورات كثيرة تمثلت في حركة التوابين. أما خطبتها الشهيرة في الشام فكانت مختلفة المحتوى، إذ سعت فيها إلى كشف حقائق ومواجهة التضليل الإعلامي الذي مورس في حينها. وبعد الأسر، عندما استقرت (عليها السلام) في المدينة، ثم نُفيت منها قهراً، نجد أن خطابها قد تغير، وأصبح لعموم المسلمين. ولا يمكن أن نغفل الدور الإعلامي للإمام السجاد وأثره في نشر القضية الحسينية ومظلومية الإمام الحسين (عليه السلام). واتسم الإعلام الحسيني الزينبي والسجادي بالصدق والواقعية والاستدلال المنطقي والاستشهاد بآيات قرآنية والتدرج في الخطاب وإظهار القوة والالتزام بالخلق الرفيع والاتصال الجماهيري المباشر وتغير محتوى الخطاب بتغير المجتمع المخاطب، وواصل الإعلام الحسيني مهمته على مرّ العصور مرتكزاً على الرثاء الشعري، فظهرت أسماء كثيرة خلدتها قصائدها.

وفيما يتعلق بالإعلام المعاصر محور المقالة، نجد أن الوسائل الإعلامية قد تطورت وتغيرت وتنوعت منهجاً وأسلوباً، ومن أبرزها:

المنبر الحسيني الذي يعدّ وسيلة إعلامية ثقافية مهمة، عمل على نشر ثورة الإمام الحسين وبمبادئها، ولتعدد مناهجه ومدارسه؛ فإن منها ما حوّل المنبر إلى أداة تقليدية على حساب مضمونه ودوره العميق، وحصره وأطره بالحزن والبكاء واللطم، ومنها ما حوّله إلى أداة تخصصية بالقضية الحسينية فقط بسرد الروايات والواقعة تاريخياً، حاشراً نفسه بين دفتي كتب التاريخ، ومنها ما جسده في بعده الحضاري وفلسفته الشمولية ـ الإصلاحية التنويرية، متناولاً الإمام الحسين (عليه السلام) كرمز عالمي للإصلاح وتأثير ثورته على الإنسانية مع ربطه بالقضايا العصرية، والشيخ أحمد الوائلي انموذجاً. ولكن من هذه المنابر ما تحوّل إلى “دكاكين” للربح والارتزاق مستفيداً من شهر محرم الحرام، الفداء والتضحية، ليختلق روايات وأحاديث ما أنزل لها بها من سلطان، أو معتمداً على روايات مكذوبة وضعيفة السند، خطرها القليل يؤدي إلى تحريف السيرة الحسينية وتفريغ محتواها، الأمر الذي يستدعي إنشاء هيئة خاصة تشرف على ما يتداول في المنابر حفاظاً على هذا التاريخ الإنساني من التحريف والتدليس. والوسيلة الإعلامية الأخرى: اللطميات، التي تجد صدى كبيراً لدى الجمهور، في العراق والبلدان الإسلامية لاسيما تلك المنشودة باللهجة العراقية. وقد نجحت نجاحاً كبيراً في ايصال المأساة الحسينية وفي زيادة التفاعل العاطفي مع القضية الحسينية وعملت جنباً إلى جنب مع كتب التاريخ والروايات لترسيخ هذه الملحمة في النفوس والأذهان. ولكن ساد في الآونة الأخيرة موجة لطميات تثير فينا الخوف على القضية الحسينية من خطر تحريفها ومن توهين شعائرها والاستخفاف بها من هول ما نرى ونسمع من هؤلاء المتطفلين على هذا الميدان، الوالجين فيه طمعاً بجني المال وطيران الصيت، إن لم نقل هناك جهات أخرى تقف وراء هذه الموجة من اللطميات لضربها كوسيلة إعلامية حيوية في حدّها الأدنى وضرب الدين بكامله في حدّها الأعلى.

مجالس عزاء

والأمر ينطبق تماماً بل مع زيادة بالسوء مع بعض مجالس العزاء النسائية التي تقوم بها بعض (الملايات)! ولا يتسع المقام لذكر أمثلة عمَّا أسلفنا ونتركها في بحث آخر! أمَّا الوسيلة الإعلامية الفاعلة الأخرى، فهي الفضائيات، التي تملك تأثيراً كبيراً على المشاهدين لتحكمها بحاستي البصر والسمع، ولكنها ظلت حبيسة برامج تقليدية مستهلكة تعاد سنوياً، والمراقب لأغلبها يجدها تبث: لطميات، مجالس حسينية، لقاءات، أو نقل مباشر للشعائر في أيام العاشر من عاشوراء أو الأربعينية، فالفضائيات تفتقد للتجديد والتطور، وقد لا يجدي التلميح؛ لذا نلجأ للتصريح ونقول للفضائيات، شاهدوا برنامج المقدم المصري معتز مطر، وأسلوبه في التقديم هو واقفاً وأحياناً ترتكز برامجه على طرح الأسئلة فقط! ومن وسائل الإعلام الحسيني: الكتب، وتزخر المكتبة الإسلامية بعناوين مهمة منها لكن لقلة القراء والمتبضعين للكتب أصبح تأثيرها قليلاً بل محصوراً بالباحثين. أما المسرح الحسيني فما زال غائباً ولم يستثمر من أجل الملحمة الحسينية، باستثناء القليل كالمسرحية الشعرية للشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد المعروضة في الثمانينات على المسرح الوطني ومسرحيتي “الحسين ثائراً” و”الحسين شهيداً” للشاعر المصري عبد الرحمن الشرقاوي التي قدمت في القاهرة، ومبادرات لمخرجين وناشطين هنا وهناك لإقامة مسرح حسيني وعرضه في بلدان أوربية. والكلام ذاته ينطبق على الأفلام السينمائية والمسلسلات التي غاب عنها الأدب الحسيني وتاريخه، وكان يمكن أن يكون لها أثر في نشر القضية الحسينية وترسيخها في الأذهان، فمن لا يذكر تفاصيل أفلام: “الرسالة”، “عمر المختار”، “صلاح الدين الأيوبي”، أو المسلسل التاريخي السوري “الزير سالم”، فالدعوة موجهة لوزارة الثقافة ودائرة السينما والمسرح بتبني هذه القضية وايجاد قنوات دعم وتعاون مشترك مع العتبتين الحسينية والعباسية. والوسيلة الإعلامية الأخرى التي تتسم بالجمالية والهدوء تنطوي تحت خيمة الفن التشكيلي، وخُلدت اللوحات لاستلهامها هذا الحدث العالمي. ولا يمكن أن نغفل دور الصحافة في نشر القضية الحسينية، وهناك آلاف المقالات لمئات الكتّاب التي تناولت الواقعة ومن جميع أبعادها. ويبقى الإعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي فسحة كبيرة للناشطين والباحثين والإعلاميين، ولكنه سلاح ذو حدين يستعمل أحياناً بجهل وعن غير تعمد لتوهين الدين واحياناً أخرى عن قصدٍ لتزييف الحقائق وتصيد الأخطاء. وفي الختام نكاد نجزم أنَّ قضية الإمام الحسين من الناحية الإعلامية لم تأخذ بعدها الكامل، فحُجمت وأطرت بأطر الحزن والبكاء فقط، ممَّا جعل التفاعل مع الثورة ومعطياتها مبتوراً ومشوهاً، وكان ينبغي استثمار التطور التقني والإعلامي في هذا الأمر، ونقترح على الجهات المعنية كالعتبات المقدسة ووزارة الثقافة وديوان الوقف الشيعي أن تأخذ دورها في هذا الشأن خدمة للدين والتاريخ والحضارة الإسلامية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
العراق
أضيف الى معلومات الأخت الكاتبة؛ أفلام سينمائية راقية أنتجتها ايران طيلة السنوات الماضية،مثل "السفير"، ويوم الواقعة، اضافة الى مسلسلات أشهرها: المختار، بغض النظر عن الملاحظات على هذه الاعمال، لكنها أفضل من الاستشهاد بصلاح الدين الايوبي او الزير سالم الذي يروج للثقافة الجاهلية قبل التحضر والاسلام.
والاضافة الاخرى للأخت الفاضلة عن المسرح الحسيني، ما أبدعه الشاعر والاديب رضا الخفاجي من مسرحيات عدة، الى جانب كتاب عراقيين آخرين. وياريت نكون ايجابيين في الطرح ولا نبين "التوهين والتجهيل" فهي أخطاء تصدر من البعض كما يحصل في جميع المدارس الفكرية والثقافية في العالم، إنما الخط العام هو المعيار.2019-09-17