الآثار الوجودية للعطاء مهمة عند الله، وهي هداية الملايين من البشر ببركة سيد الشهداء والتضحيات التي قدّمها، حتى هدايتنا نحن والمقدار الذي نحمله من الإيمان والأخلاق، فإنها لم تأت من آبائنا وأمهاتنا فحسب، وإن كان لهم التأثير، ولكن الآثار الوجودية هي للمنابر ولهذه التضحيات، حيث يدخل الجنة...

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الّجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (1) صدق الله العلي العظيم.

إن الموقف العظيم الذي وقفه الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وأصحابه البررة يوم عاشوراء كان منوطاً بمجموعة من العوامل:

العامل الأول: منطلق العطاء

ويعني الدافع والمحرك وأيضاً العلة الغائية من هذا العمل، إذ ربما يكون لِرَجُلَينِ شكلٌ ومظهرٌ واحد ويعملان عملاً مشابهاً من الناحية الظاهرية، ولا يوجد أي مائزٍ بينهما، لكن هذا لا يكفي في الحكم على هذا العمل وتقييمه، إذ ربما يخدعنا الظاهر، لاسيما نحن البشر ليس لدينا سوى إطلاع محدود ولا نعرف الماورائيات، ولكن عند الله سبحانه وتعالى الإحاطة بكل شيء.

فإن المنطلق والباعث نحو عمل ما، يُعَدُّ ذا أهمية كبيرة جداً، ويجب أن يكون كذلك بالنسبة إلينا، فقد نلاحظ رَجلَين يبنيان مسجدين من مساجد الله، فالمسجدان متشابهان من الناحية الظاهرية، كما أن العملين متشابهان، ولكن ليس الأمر كذلك عند الله سبحانه وتعالى، لوجود البواعث والدوافع المختلفة.

وفي حديث قدسي قال الله سبحانه وتعالى لموسى (صلوات الله عليه): (... أخلص العمل فإن الناقد بصير بصير)(2)، لذا يأتي بعض الأفراد يوم القيامة ــ والعياذ بالله ــ وإن كان لهم أعمال كجبال تهامة؛ وهي أعمال عظيمة وضخمة بحسب الظاهر، فهي ربما تكون عندنا أو عند الناس أعمالاً عظيمة، ولكن عند الله لا تساوي بمقدار جناح بعوضة، لأن المنطلق لم يكن إلهياً.

كان مع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلان قاتلا بين يديه، وهذا بحدّ ذاته عمل عظيم في أن يقاتل الإنسان بين يدي النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ويضحّي، ثم يُقتل في سبيل الله، وهو البرّ الذي ليس فوقه برّ، فهو منتهى التضحية والعطاء، حيث جاء في الحديث الشريف: (فوق كل ذي بِرٍّ بِرٌّ، حتى يُقتَل الرجلُ في سبيلِ اللهِ فليسَ فوقَهُ بِرٌّ)(3)، وجاء في الآية الكريمة الآنفة الذكر: (إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الّجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ)، فالمنطلق مهم عند الله سبحانه وتعالى، أحد الرجلين ويُدعى (قزمان) قاتل بين يدي النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وليس بين يدي رجل عادي، ولكن عندما قُتل، قال عنه النبي (صلى الله عليه وآله): إنه بطل، ولكن بطل إلى النار(4)! ولم يكن ذا قيمة عند الله سبحانه وتعالى، أما الرجل الآخر فهو حمزة (عليه السلام)، وقد قاتل أيضاً بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، لكن كان منطلق حمزة (عليه السلام) إلهياً، كما كان الباعث الذي يحركه إلهياً، فهو بطل وإلى الجنة، لذلك لم يسمع أحد من المؤمنين ـ عادة ـ باسم (قزمان)، فلم يخلده الله تعالى في الدنيا، وفي الآخرة إلى نار جهنم.

وحصل نفس الموقف في عهد الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، حيث إنه قاتل مع الثلّة المؤمنة التي كانت معه، في مقابل ذلك كان هناك رجلٌ آخر قام بعمل يشبه ما قام به الإمام الحسين (صلوات الله عليه) في نهضته، ثم إن الإمام الحسين (عليه السلام) قُتل، كما أن ذلك الرجل قُتل أيضاً، وكما استشهد أصحاب الإمام (صلوات الله عليه) فإن أصحاب ذلك الرجل أيضا قُتلوا؛ وكان الرجل هو عبد الله بن الزبير، وفي تلك الساعات الأخيرة من حياته، وبعد أن رأى الموت محدقاً به، جاء عبد الله بن الزبير إلى أمه وقال:

يا أمّاه! ماذا أصنع، وبماذا تشيرين عليّ؟!

فقالت: إذا كانت هذه الثورة التي قمت بها والتضحيات التي قدمتها لله، فاصمد حتى تموت، وإن لم تكن لله فبئس ما فعلت، خسرت دنياك وآخرتك(5)، وحقاً إنه لأمر مؤلم أن يخسر الإنسان الدنيا والآخرة مرة واحدة، وقد قال عنه الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): إنه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا (6)، هذه الرواية ذكرها المحدث القمي (رحمة الله عليه) في (سفينة البحار)، فهذا الرجل الحاقد على أهل البيت (عليها السلام) المبغض لهم، والذي كان يلعن عليّاً (صلوات الله عليه) ويشتمه فوق المنابر، كان ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، فثار ضد الحاكم وقاتل وقُتل وقُتل معه جميع أصحابه، لكن لم يكن الباعث إلهياً، لذا لا يساوي عمله عند الله جناح بعوضة، كما أنه ليس ذا قيمة عند جميع الطوائف.

إن الثورة ليست مهمة عند الله سبحانه وتعالى، فأن يثور الإنسان أو لا يثور، ليس ذا قيمة عند الله، إنما الباعث المحرّك وراء عمله وثورته هو المهم؛ هنالك في التاريخ الكثير من الحكام، والكثير من الثائرين والكثير من الأفراد الذين قاموا بأعمال خيرة، فالعمل الخير بذاته ليست له قيمة عند الله سبحانه وتعالى، لذا يجب أن لاننخدع بأعمالنا الطيبة، وما نقوم به من أعمال، فالمهم هو ما يخبئه القلب، وهو المهم أيضاً عند الله سبحانه وتعالى، جاء في الآية الكريمة: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)، ويمكن ملاحظة فتوحات الثاني، فتلك الفتوحات ليست ملاكاً وذات قيمة عند الله سبحانه وتعالى، إنما المهم هو الباعث والمحرك لتلك الفتوحات للبلاد المختلفة، وفي رواية كشف الإمام الصادق (صلوات الله عليه) عن هذا المحرك بقوله: (... كان يريد الدنيا).

العامل الثاني: حجم العطاء

هل يعني حجم العطاء، أن يكون هناك من يعطي مائة دينار وآخر يعطي ألف دينار؟ وهل يكون صاحب العطاء الأكثر مفضلاً عند الله؟

إن المقصود بالحجم، ليس الحجم المطلق، أو وفق النسبة الرياضية، وإنما وفق الحجم النسبي للعطاء، أي أن يملك رجلٌ ألف دينار فيعطى مائة دينار منها، فإنه بذلك أعطى عشرة بالمائة من أمواله، وآخر يمتلك مائة دينار فيعطي عشرة دنانير، فيكون قد أعطى عشرة بالمائة أيضاً، لذا فإن الذي أعطى عشرة دنانير والذي أعطى مائة دينار متكافئان عند الله سبحانه وتعالى ــ من هذا الحيث ــ وفي درجة واحدة، فالحجم من القدرة التي يمتلكها الإنسان، وهي لاتقتصر على القدرة المالية، إذ قد تكون القدرة بدنية أو فكرية، وحتى قدرة الجاه والموقع الاجتماعي، إذن المقياس هو حجم العطاء وقدرة الإنسان على العطاء.

الآية الكريمة الآنفة الذكر تحدد حجم للعطاء، كما حددت منطلق العطاء في العامل الأول، وهو: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ)، لكن حجم العطاء غير معلوم، لأن العمل في سبيل الله لا تحده حدود، تقول الآية الكريمة: (إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...)، وفي عقد البيع هنالك أربعة أركان: البائع والمشتري والثمن والمثمن، فالمشتري هو الله سبحانه وتعالى، والبائع هو كل واحد منّا نحن المؤمنون، (إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، أما الثمن فانه لا يُحد بحدود، وليس له مقياس معين، فهو يمضي مهما اقتضت الوظيفة، (اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، فالنفس ليست ملك الإنسان وكذلك المال، إنما هي ملك لله تعالى، ولا حدّ للمثمن ــ أي بالحد المادي ــ، بل هو حيث تكون الوظيفة وبمقدار الوظيفة الشرعية وربما تقتضي الوظيفة تقديم عشرين بالمائة من المال، وربما تقتضي تقديم أربعين بالمائة من المال، وربما تكون بإنفاق المال كله في سبيل الله، بل ربما تقتضي الوظيفة تقديم النفس في سبيل الله في بعض المواقف.

من هنا نجد أصحاب الإمام الحسين (صلوات الله عليه) مصداق حدّ الوظيفة الذي ذكرته الآية الكريمة، فعندما يسقط مسلم بن عوسجة (رضوان الله عليه) وهو في اللحظات الأخيرة من حياته، يأتي إليه سيد الشهداء (صلوات الله عليه) ومعه حبيب بن مظاهر، ويحضران معاً عند مسلم بن عوسجة وهو في حالة الاحتضار، وفي هذه اللحظات يتوجه إليه حبيب بالقول: (لولا أني في أثرك لأحببتُ أن توصي إليّ بما أهمك)، فهو يعلم أنه بعد دقائق أو ساعات مقتول أيضاً، ولا يتمكن من تنفيذ وصية مسلم بن عوسجة، فقال مسلم وهو يشير إلى سيد الشهداء (صلوات الله عليه) بصوت خافت: (أوصيك بهذا أن تموت دونه)(7)، وهذه هي أقصى أنواع التضحية، ثم فاضت روحه الزكية إلى بارئها.

وفي ليلة العاشر من محرم وقف الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وخطب في أصحابه تلك الخطبة المعروفة التي قال فيها: (أما إني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أوصل وأبرّ من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيراً ولقد بررتم وعاونتم... وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، اتركوني وحدي، فالجماعة يريدونني ولا يريدونكم، ولو ظفروا بي لذهلوا عن غيري، وأنتم في حلّ من بيعتي...)(8)، ثم قال الإمام (صلوات الله عليه): (ألا ومن كانت في رحله امرأة ــ كأن تكون زوجته أو أمه ــ فلينطلق بها إلى بني أسد)، فقام رجل اسمه علي بن مظاهر وقال للإمام (صلوات الله عليه): لماذا يا بن رسول الله؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بما هو مصداق الآية الكريمة: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ) (9)، حيث الشفقة والعطف على الآخرين، فقال (صلوات الله عليه): إن نسائي تُسبى بعد قتلي، وأخاف على نسائكم السبي، فالإمام (عليه السلام) يخشى على نساء أصحابه من السبي وأن يُنقَلنَ من بلد إلى بلد، وأي إنسان ربما يكون مستعداً للتضحية بنفسه، لكنه غير مستعد بأن تسبى عائلته وتُهان من بعده، لذا تقدم علي بن مظاهر وجاء إلى الخيمة، فقامت زوجته إجلالاً له واحتراماً لمقدمه وتبسمت في وجهه، قال: دعيني والتبسم، فقالت له: إني سمعت الإمام الحسين (صلوات الله عليه) خطب خطبة ثم سمعت في آخرها همهمة فما عرفت ما قاله، فقال: إن الإمام (عليه السلام) قال: إن نسائي تُسبى بعد قتلي، وأخاف على نسائكم السبي، فالذي عنده امرأة في رحله فليأخذها وينصرف إلى بني أسد حتى تكون في أمان من السبي، فقالت له زوجته: وما أنت فاعل يا ابن مظاهر؟ قال: قومي حتى اُلحقك ببني عمك، فقامت هذه المرأة البطلة ونطحت رأسها بعمود الخيمة وقالت: (ما أنصفتني يا ابن مظاهر! أيسرّك أن تُسبى بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا آمنة من السبي؟ وهل يسرّك أن يبيض وجهك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويسود وجهي عند فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟! لا والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء)، فهذه المرأة لا تكتفي بتقديم زوجها في سبيل الله، وإنما تبدي استعدادها لأن تواسي زينب (عليها السلام) وبنات رسول الله (صلوات الله عليه وآله) حتى بالسبي، فعاد علي بن مظاهر إلى سيد الشهداء (صلوات الله عليه) باكياً، فسأله الإمام عن سبب بكائه قال: أبت الأسدية إلاّ مواساتكم، فبكى سيد الشهداء (صلوات الله عليه) وقال: (جزيتم عني خيراً) (10)، وهذا مصداق للتضحية بلا حدود.

العامل الثالث: الآثار الوجودية

إن الآثار الوجودية للعطاء مهمة عند الله، وهي هداية الملايين من البشر ببركة سيد الشهداء (عليه السلام) والتضحيات التي قدّمها، حتى هدايتنا نحن والمقدار الذي نحمله من الإيمان والأخلاق، فإنها لم تأت من آبائنا وأمهاتنا فحسب، وإن كان لهم التأثير، ولكن الآثار الوجودية هي للمنابر ولهذه التضحيات، حيث يدخل الجنة مئات الملايين بل مئات المليارات من البشر، ببركة هذه التضحيات.

وفي هذه الأيام ليس المطلوب من الغالبية منّا أن نُقتل وأن نجاهد في سبيل الله، بقدر ما تكون وظيفتنا وواجبنا هو أن نصنع ما نقدر عليه، وأن نقدم ما نستطيع من العطاء لسيد الشهداء (عليه السلام)، وأقل ذلك لبس السواد الذي يُعدّ نوعاً من الحداد على سيد الشهداء (عليه السلام) ونوعاً من المشاركة مع شهداء عاشوراء، وكذلك نُلبِس الأولاد والأطفال السواد، وفي كل الأحوال يسعى الإنسان للمشاركة بكل ما يتمكن في هذه القضية ــ قضية الإمام الحسين (عليه السلام) ــ، من المشاركة بالمال وبالنفس وبلبس السواد وغير ذلك، بينه وبين الله، لتكون من أفضل الذخائر لنا يوم القيامة إن شاء الله.

ينقل أحد الأخوة قضية وقعت في فترة ليست بالبعيدة ــ حيث كان أحد علماء الدين راقداً في إحدى مستشفيات مدينة مشهد المقدسة ويعاني من المرض ــ يقول هذا الأخ: ذهبت لعيادته وهو في ساعاته الأخيرة وفي لحظات الاحتضار، فجلست عنده وسألته عن أحواله، وعندما أردت الانصراف من غرفته، قال لي: ابق معي لأقرأ لك مجلس تعزية، علماً أنه كان عالم دين ولم يكن خطيباً، يقول: فتعجبت، وسألته: لماذا تقرأ مصيبة؟

- نعم، كان الكثير من العلماء والفقهاء المراجع وكذلك بعض المؤمنين، يقرؤون بأنفسهم مجالس التعزية من باب المشاركة، وكان المرجع الراحل السيد الكلبايكاني(11) (رحمة الله عليه) يقرأ مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) لعائلته في يوم عاشوراء، ونفس العمل كان يقوم به الجدّ (رحمة الله عليه)(12)، حيث كان يقرأ المصيبة في البيت لعائلته وأطفاله، وهكذا الكثير من المؤمنين حيث يقرؤون المصيبة ويبكون ويُبكون، مثل الرواديد (كثّرهم الله)، وإذا لم يكن بمقدور الإنسان المشاركة في ميدان الخطابة الحسينية، فإن بإمكانه تشجيع الأولاد على أن يكونوا خطباء أو رواديد-.

يقول ذلك العالم: رأيت البارحة رؤيا في المنام أنه صار يوم القيامة، ذلك اليوم المهول الذي (تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلَـَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ) (13)، وفي ذلك اليوم الذي يحتاج فيه الإنسان إلى وثيقة أو دليل، يقول ذلك العالم: رأيت الصفوف والحر الشديد اللاهب، وقد وقفت في إحدى الطوابير الطويلة التي لاتتحرك، وقال عنها الله سبحانه وتعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (14)، في هذه الأثناء التفتُّ وإذا بصفٍ يتحرك سريعاً باتجاه الجنة، بينما بقية الصفوف كلها ثابتة في مكانها، يقول: وجدت أن أحداً لم يراقبني، فتسللت واقتربت من ذلك الطابور لألحق به إلى الجنة فوراً، وإذا برجل راكب على جواد فأخذني وقال: ارجع إلى الصف الأول، يقول: مرتين أو ثلاث مرات كررت هذا العمل، فجاء ذلك الرجل ــ ولعلّه كان مَلَكاً ــ وأرجعني إلى صفي يقول: قلت له: لمن هذا الطابور؟ قال لي الملك: الطابور هو للخطباء الذين خدموا سيد الشهداء (صلوات الله عليهم) بمنابرهم، وأنت لست منهم، يقول: قلت له: هل لي من وسيلة أو مخرج من ذلك؟ قال: نعم، وهي أن أنزل من جوادي وأجلس، وأنت في هذا المكان تقرأ لي مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام)، فإذا قرأت المصيبة ستدخل في صف الخطباء وتذهب إلى الجنة سريعاً عاجلاً؛ يقول: استجمعت ما في ذهني ومحفوظاتي هنالك، ثم قرأت له المصيبة في ساحة المحشر واستيقظت من المنام، وأنا الآن أريد أن أقرأ لك المصيبة في عالم الدنيا حتى أكتب من خطباء سيد الشهداء (صلوات الله عليه).

لابد لكل واحد منا في هذه الأيام أن يحاول ويشارك بقدر ما يتمكن في قضية الإمام الحسين (عليه السلام) وتعظيم شعائره، لتكون لنا إن شاء الله ذخيرة في قبرنا وآخرتنا ومعادنا.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منكم ومن جميع المؤمنين هذه الطاعات والعبادات، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك أكثر وأكثر، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

..........................................
(1) سورة التوبة: 111.
(2) بحار الأنوار: ج13 ص432.
(3) كشف الغطاء: ج2 ص384.
(4) الفصول المختارة: ص145.
(5) راجع: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج 20 ص118.
(6) شرح نهج البلاغة: ج 7 ص 48.
(7) تاريخ الطبري: ج4 ص330.
(8) راجع: بحار الأنوار: ج44 ص316.
(9) سورة التوبة: 128.
(10) موسوعة كلمات الامام الحسين (عليه السلام): ص 498.
(11) آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الكلبايكاني المتوفى سنة 1414 هـ.
(12) آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي.
(13) سورة الحج: 2.
(14) سورة المعارج: 4.

اضف تعليق