استطاعت الثورة المعلوماتية والاتصالية والرقمية ان تكسب اهتمام المتلقي وتقلب اولويات اهتماماته الاعلامية رأسا على عقب وتسحب البساط من تحت الصحافة الورقية التي تراجعت حظوظها الى ادنى مرتبة في تلك الاهتمامات الا اللهم تلك التي انجرفت مع موجة الاعلام الالكتروني، فالصحف الالكترونية والفضائيات والاذاعات سرقت...

تآزرت عدة عوامل على تحجيم دور الصحافة الورقية في العراق وفقدانها بريقها الذي تميزت به منذ نشأتها عام 1869، وبعد التطور الهائل في عالم الميديا ووسائل الاتصال أُرغمت الصحافة الورقية على النزول من عرشها الذي يعود إلى القرن السابع عشر إبان عصر النهضة ومن فرنسا بالذات، لتفسح المجال لبقية وسائل الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولم تكن الصحافة الورقية في العراق بمنأى عن هذا السياق بل كانت تحت تأثير عوامل عدة اثرت على مستواها كماً ونوعا وبسبب الظروف التي طرأت على المشهد السيا/اعلامي بعد زلزال التاسع من نيسان 2003.

فلم تمرَّ الصحافة الورقية في العراق في ظرف عسير كالظرف الذي تمر به حاليا رغم عالمية هذه الظاهرة على سبيل المثال، مجلة نيوزويك الأمريكية التي اكتفت بنسخة رقمية ومعها صحيفة فرانس سوار الفرنسية وجريدة ذي إندبندنت البريطانية العريقة، وصحيفة كريستيان ساينس مونيتور الامريكية، وقد لجأت مجموعة كبيرة من الصحف ذائعة الصيت إلى تقليص أرقام توزيعها والغاء آلاف الوظائف وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، بينها صحف، واسعة الانتشار مثل شيكاغو تربيون الامريكية، وبوسطن غلوب وانجلوس تايمز الانكليزية وغيرها، وحتى مجلة تايم الأميركية الشهيرة الأوسع انتشارا في العالم.

وزاد في تراجع الصحافة الورقية في العراق عدة امور منها التقشف المالي الذي ضرب الاقتصاد الريعي العراقي ما اثر سلبا على واقع تمويل الجهات الراعية لها و ادى الى انحسارها وتسريح الكثير من كوادرها والبعض منها الغيت تماما، وعامل اخر هو ارتباط اغلب منشورات الصحافة الورقية في العراق بالمؤسسات الحكومية وما رافق ذلك من تلكؤ في الاداء الحكومي ما افقد تلك المنشورات حماس المتلقي تجاهها، والذي لم يعد متلهفا على اقتناء منشورات ورقية تصدر عن مؤسسات مرتبطة بأداء غير مقنع للكثير من المواطنين بسبب الفساد والامراض العضال التي ابتليت بها العملية السياسية، فاذا كانت هذه المفاصل غير مقنعة للمواطن البسيط تكون الصحافة الورقية المرتبطة بها غير مقنعة ايضا كتحصيل حاصل.

لذا فقدت غالبية الصحافة الورقية جدواها من التواصل مع متلقٍ لم يعد مقتنعا بها، خاصة وان غالبية تلك المنشورات تروّج لجهات وشخصيات بعيدا عن الهم الوطني ونبض الشاعر المتخم بالهموم والمشاكل والمكتظ بسيل جارف من المعاناة.

وتأتي المنافسة الشرسة لبقية وسائل الميديا لتضيف بعدا اخر للتدهور الحاصل في الصحافة الورقية في العراق فقد استطاعت الثورة المعلوماتية والاتصالية والرقمية ان تكسب اهتمام المتلقي وتقلب اولويات اهتماماته الاعلامية رأسا على عقب وتسحب البساط من تحت الصحافة الورقية التي تراجعت حظوظها الى ادنى مرتبة في تلك الاهتمامات الا اللهم تلك التي انجرفت مع موجة الاعلام الالكتروني، فالصحف الالكترونية والفضائيات والاذاعات سرقت سرعة الخبر والمعلومة من المطبوع.

فقد أصبح الانترنيت الطريق الاقصر لمعرفة الاخبار والاحداث ففي عصر التطور الرقمي فان الافراد اصبحوا اكثر رغبة بالتفاعل مع ما يتلقونه من اخبار وحوادث سواء بإبداء الرأي او تصحيح معلومة او الاضافة عليها، وهذا ما توفره المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي على عكس المطبوع الورقي الذي لا يتيح لقارئه هذه الميزة، إلا في نسب محدودة ومتواضعة. والحجة في ذلك ان وسائل الاتصال التفاعلي تقدم لهم المعلومات بأنواعها بصورة آنية لحظة حدوثها ولا ينتظرون قراءتها وهي منتهية الفعالية في منشور اليوم التالي الذي يكون فيه الخبر قد تغير او تطور او زال إثره.

وثمة عامل آخر يضاف يتمثل في تغير عادات المتلقين وسلوكم فأكثرهم من فئة الشباب الذين يفضلون السرعة في تلقيهم للمعلومات على اعتبار اننا نعيش في عصر السرعة الذي وفرته التقنيات والبرمجيات الحديثة، ومن الأسباب التي أدت إلى الانتقال السريع نحو الصحافة الرقمية، التدهور الحاصل في عائدات الاعلانات المدفوعة على صفحات الجرائد، ويعود السبب إلى أن قطاع الاعلانات أصبح رقميا هو الاخر فتراجع الاعلان الورقي كواقع حال ما افقد الصحافة الورقية جزءا كبيرا من تمويلها، فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات الانترنت يمكن الوصول إلى أكبر شريحة من المستهدفين من قبل الاعلان وبأقل التكاليف أيضا.

وعلى الاجمال ورغم تشاؤم البعض من ان الصحافة الورقية في العراق هي الان تموت سريريا، الا انها يبقى لها مذاقها الخاص بها ونكهتها التي لم تفارق ملايين العاشقين للحرف الورقي الذي يبقى عصيا على الاندثار.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق