لا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي منذ ظهورها الى اليوم من فوائد يصعب عدها، فسحت المجال امام الحالمين بالظهور والشهرة، واعطت الفرصة بالحصول على المعلومة دون مرورها بفلاتر الترشيح التي تضعها المؤسسات الإعلامية التقليدية عبر حراس بواباتها، لكنها حادت عن وظيفتها المعهودة وتحولت الى وسيلة من وسائل نشر التفاهة والمضمون الفقير الذي لا يخدم المتصفح سوى الهاءه وتضييع وقته.

عجّت مواقع الشبكات الاجتماعية في السنوات الأخيرة بالأخبار الكاذبة والمفبركات الموجهة لجهة دون غيرها، ممن أراد ان يحول هذه المنصات من وظيفتها الإخبارية الداعمة والمكملة لوسائل الاتصال التقليدية الأخرى، الى مسرح لبث الشائعات وتوافه الأمور والتركيز على القضايا التي لا تهم الجمهور بشيء.

فما معنى ان تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقولة لفنان شاب تتعلق بالجانب الطبي؟، والبعض يأخذ هذا الكلام او الرأي المجرد من الحقيقة الداعمة او المنطق الذي يجعله مقبولا بين الأوساط، وبالتالي يأخذه ويحاول ترويجه ونشره على انه حقيقة من الحقائق الثابتة.

ويجهد نفسه أحد المشاهير على مستوى العالم للترويج عن سائل لغسل الارضيات او مستحضر لمعالجة حالة معينة او مرض بسيط، وترى التفاعل معه هذا الطرح أكبر بكثير، في حال أردنا المقارنة مع المنشورات الأخرى التي تحتوي بحوث علمية تؤكد دقتها وصحتها.

وبذلك تحولت وسائل الاتصال الحديثة، (شبكات التواصل الاجتماعي)، من منافذ إخبارية وترفيهية تحظى بالمصداقية والمقبولية الكبيرتين، الى منصات تضليل واهتمام سطحي بالقضايا الهامشية التي لا تخدم الإنسانية بصورة عامة، او الفرد على وجه الخصوص، وقد ابتعدت بذلك عن الغاية من وجودها عبر توظيفها هذا التوظيف الخاطئ.

ولا يقتصر الامر على المجتمع العراقي او العربي، بل تشترك جميع المجتمعات بهذه الصفة المذمومة التي ظهرت بشكل واضح بالتزامن مع كثافة الاستخدام، ففي المجتمع الغربي قد تقرأ خبر يتحدث عن حظر مسؤول رفيع المستوى لنجمة في مجال ما على تطبيق انستغرام، او وفاة قط يعود لفنان تحظى أفلامه بالشهرة العالمية والانتشار الكبير.

لا يمكن ان تسيطر الجهات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي على هذا النمط من النشر، لذا تعد المغالاة فيه من الأشياء الخطرة على المجتمعات والاجيال الناشئة، فالتفاهة والمضمون السيء من عوامل الانهيار او القضاء النبتة الصحيحة التي غُرست جذورها في المجتمع البشري واخذت تشق طريقها نحو التأثير الإيجابي بالأفراد.

وخطورة هذا الامر تمكن في الدرجة الأساس بشقين، الأول إشغال الرأي العام عن القضايا المجتمعية الأساسية، ومن بينها التي سببتها الفواعل السياسية، كالبطالة والفقر والفساد وتفشي الامراض وغيرها، اما الشق الثاني فهو ناتج من استمرار او الاكثار من بث هذه التفاهات على المواقع والنتيجة تخلق مجتمع جاهل الى حد ما، يقدم على ممارسات بعيدة عن الجوانب الإنسانية، ناهيك عن فشل أي محاولة للنهوض وتغير الواقع الخاطئ.

نعم نحتاج الى هذا النوع من الاخبار في زاوية او وقت محدود كما تفعل الصحافة الورقية في أوج ازدهارها، حيث كانت تخصص مساحة لا بأس بها لنشر الاخبار الخفيفة والحاملة قدرا كبيرا من التسلية، لكن ما يحصل على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم هو غياب اشبه بالكامل للموضوعات الجدية التي تنير وتوعي المتصفح، واستبدالها بالمضمون الخادش غير المؤثر في كثير من الاحيان.

ويحظى هذا البوست على مواقع التواصل بتفاعل كبير مقارنة بغيره من المنشورات، وتجد من يتناقله بين الصفحات الوهمية والاصولية، الى جانب الحسابات الشخصية، بينما لا يحصل على تفاعل يذكر بعض الكلام الموزون وصاحب الفكرة الجيدة والطرح المميز الذي في حال تبنيه سيُحدث تأثيرا على نخبة واسعة من الجمهور المستخدم.

لا تقل الشبكات الاجتماعية في الأهمية عن الوسائل التقليدية في الساحة الإعلامية، ومن هنا يجب ان يُضع لهذه المنصات ضوابط تساعد المتصفح تمييز الغث من السمين، وتسهل توصيل المعلومة وبالتالي تشكيل وعيه، وخلاف ذلك سيتم تسطيح الجمهور وتراجع الوعي الجمعي وإضرار المصلحة العامة التي لا يمكن للحرية الفردية ان تتجاوزها او تسهم في إضرارها.

اضف تعليق