إسلاميات - الإمام الشيرازي

الإمام الجواد (عليه السلام) ومعارفه الخالدة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(كان الإمام محمد الجواد (عليه السلام) يستفيد من الفرص لترويج العلوم ونشر المعارف)

الإمام الشيرازي

استشهد الإمام المعصوم الحادي عشر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) في يوم 29 ذو القعدة 220 هجري، وترك وراءه تراثا فقهيا وأخلاقيا كبيرا، نشره بين الناس، الشيعة منهم وغيرهم، لغرض الفائدة وتنظيم حياتهم بشكل أفضل، فقد حمل مسؤولية الإمامة في سنّ مبكّر بعد أبيه الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، واشتهر بعلمه وحكمته فكسب قلوب الناس ومحبتهم، ووجدوا فيه إماما معصوما يقودهم نحو الصلاح والمعرفة.

لقد قال محمد بن طلحة الشافعي في حقّه (عليه السلام): (وهو وإن كان صغير السن، فهو كبير القدر، رفيع الذِكْر).

هذه هي المكانة المستحَقّة للإمام محمد الجواد (عليه السلام)، لأنه كما أئمة أهل البيت جميعا، ساروا على نهج جدهم النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى نهج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لذلك قال السبط ابن الجوزي: (وكان (عليه السلام) على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود).

أما عن نسبه (عليه السلام)، فقد جاء في كتاب (الأئمة المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام)، للإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله):

(هو الإمام محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام).

ونظرا للمكانة العظيمة للإمام محمد الجواد (عليه السلام)، فقد تنبّأ جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادته الكريمة، كما نقرأ ذلك في قول الإمام الشيرازي:

(لقد بشّر رسول (الله صلى الله عليه وآله) بهذا المولود المبارك، فقال صلى الله عليه وآله: وإنّ الله عزّ وجل ركب في صلبه ـ أي في صلب الإمام الرضا (عليه السلام) ـ نطفة مباركة طيبة زكية رضية مرضية وسمّاها محمد بن علي، فهو شفيع شيعته، ووارث علم جدّه، له علامة بينة وحجة ظاهرة).

امتحان صعب للشيعة

وقد تعرض الشيعة إلى امتحان عسير في اللحظة الأولى التي تصدى فيها الإمام محمد الجواد (عليه السلام) للإمامة، وسبب هذا الامتحان يعود إلى عمره الصغير (عليه السلام) إذ كان يبلغ ستة شهور وعدة شهور، إذا قام المأمون بقتل أبيه (عليه السلام) لتبقى طائفة الشيعة في حيرة من أمرها، فمن الذي يتصدى للإمامة؟، لكن المعروف أن الأنبياء والأئمة لا تُقاس أعمارهم بعدد سنواتهم، لأنهم مستثنون إلهيّا.

وقد جاء في كتاب الإمام الشيرازي عن هذه النقطة:

(امتحن الشيعة في عهد الإمام الجواد (عليه السلام) بامتحان صعب جداً، ألا وهو تصدي الإمام (عليه السلام) للإمامة وهو صغير. فمن كلام للطبري الشيعي ـ أحد علماء القرن الرابع الهجري ـ قال: ولما بلغ عمره ـ أي الإمام الجواد (عليه السلام) ـ ست سنين وشهور قتل المأمون أباه، وبقيت الطائفة في حيرة، واختلفت الكلمة بين الناس، واستصغروا سن أبي جعفر، وتحير الشيعة في سائر الأمصار. وهذا من الواضح أنه ليس المعيار في النبوة والإمامة السن. قال عيسى بن مريم (عليه السلام) وهو في المهد: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).

ومع كل ذلك تحمّل الإمام محمد الجواد مسؤولية الإمامة، وملأ فراغها بجدارة، لاسيما في مجال المعارف التي كان يستثمر الفرص لكي ينشرها بين الناس، وهذا هو الامتداد الطبيعي للدوحة النبوية الشريفة، فقد أخذ الإمام محمد الجواد (عليه السلام) علمه وفقهه وأفكاره من أجداده الأئمة الطاهرين وسار على هدى جدّه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله).

وكان لتركيزه على نشر المعرفة بين الناس أثر كبير، أسهم في توعية قليلي الوعي، وزاد في ثقافة من كان تنقصه الثقافة، وحث الشيعة وغيرهم على أهمية معرفة الأحكام الدينية، والاطلاع على الأحاديث الشريفة وحفظها، والتعلّم منها كيفية إدارة الحياة، ومن ثم تعليمها لمن لا يسعه فهمها أو الاطلاع عليها، وكان لدور الإمام المعرفي الأهمية الكبيرة في حفظ الدين، والمذهب، ومراعاة حقوق الناس وحدود الله تعالى.

يقول الإمام الشيرازي عن هذه القضية باذات:

(إن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يستفيدون من الفرص المتاحة لترويج العلوم ونشر المعارف التي تنفع الناس في دنياهم وآخرتهم، وهكذا كان الإمام الجواد عليه السلام).

دحض الأحاديث الموضوعة

من الأدوار المعرفية الكبيرة التي تصدى لها الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، فرز الأحاديث الدخيلة عن الأصيلة، وبذل جهدا كبيرا في هذا المجال، حيث قام الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بردّ جميع الأحاديث الخالية من الأسانيد الموثوقة، والعارية من المصادر المؤكّدة والمدعومة تاريخيا بأصالتها وحقيقتها.

وقد خاض الإمام محمد الجواد (عليه السلام) سلسلة من المناظرات المهمة والعميقة مع القضاة آنذاك، ومنهم قاضي القضاة (يحيى بن أكثم)، وتم خلالها التركيز العميق على الأحاديث، وقام بردّ وفرز الأحاديث الموضوعة التي لا سند لها ولا مصدر، ولم يستطع واضعوها إثبات جذورها ومصادرها الحقيقية.

وبهذا يعدّ هذا الجهد المعرفي الكبير الذي قام به الإمام محمد الجواد (عليه السلام) من الجهود الكبيرة التي أسهمت في تنقية الأحاديث الشريفة الأصيلة، من تلك الأحاديث الدخيلة عليها، وتم شرح تفاصيلها بالأدلة القاطعة، وقام الإمام (عليه السلام) بتوضيح الحقائق كلها للناس، بأسلوب معرفي متقن ودقيق حاز على قناعة وقبول الجميع.

لذا يقول الإمام الشيرازي في كتابه المذكور نفسه:

(كان أهل البيت (عليهم السلام) يؤكدون على تدوين الأحاديث وضبطها والاهتمام بها وإخراج الموضوعات منها، لذا كان الأصحاب يعرضون كتبهم عليهم. وفي عهد الإمام الجواد (عليه السلام) ومن خلال مناظراته العلمية مع قاضي القضاة آنذاك يحيى بن أكثم وغيره، ردّ الإمام (عليه السلام) تلك الأحاديث الموضوعة، وبيَّن الحقائق للناس).

وللإمام محمد الجواد (عليه السلام) إرث فقهي وديني وتثقيفي كبير، ساهم في توعية الناس، وتحذيرهم من المزالق الكثيرة التي تتربص بهم في حياتهم، ليس في مجال فرز الأحاديث الأصيلة المسنودة عن الدخيلة فحسب، وإنما كان لمناظراته الصدى الكبير بين الناس، حتى أولئك المعارضين أو المعادين، من أصحاب الحكم وغيرهم.

وقد قدّم الإمام محمد الجواد (عليه السلام) كما فعل أجداده من الأئمة الأطهار، مجموعة من الأقوال والنصائح الكبيرة العميقة بأسلوب سهل ومفعوم لكنه عميق في نفس الوقت، حيث ترسم هذه الأقوال خرائط طريق متعددة الأهداف والمضامين، أسهمت في بث الوعي العالي في العقول، وساعدت الناس على فهم تفاصيل حياتهم الدقيقة فضلا عن آخرتهم.

وأخيرا نقرأ في كتاب الإمام الشيرازي جملة من الأقوال القيّمة للإمام محمد الجواد (عليه السلام):

- فقد قال (عليه السلام): عزّ المؤمن غناه عن الناس.

- وقال (عليه السلام): من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة.

- وقال (عليه السلام): من أطاع هواه أعطى عدوه مُناه.

- وقال (عليه السلام): من هجر المداراة قاربه المكروه.

- وقال (عليه السلام): من لم يعرف الموارد أعيته المصادر.

- وقال (عليه السلام): راكب الشهوات لا تستقال له عثرة.

اضف تعليق