إسلاميات - الإمام الشيرازي

زهد الإمام علي (ع) وبذخ حكّام اليوم

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

تمرُّ علينا في هذه الأيام المباركة من شهر رجب الأصبّ، ولادة فذة على مدى التاريخ والزمن، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ألا وهو سيد البلغاء وملهم العلماء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذه الشخصية المتفردة بصفاتها سواء على صعيد المسلمين أو على الصعيد البشري، فهو القائل والفاعل بمبدأ الإنصاف والمساواة والعدل، وهو الذي أكد على أن الإنسان نظير الإنسان بالخَلْق أو أخيه بالدين.

الإمام علي (ع) شخصية جمعت في كيانها الأضداد الحميدة كلها، وتنافست هذه الصفات فيما بينها، لكنها بقيتْ في أعلى مستوياتها من حيث التطبيق، فالرحمة عنوانا عريضا لسياسة الإمام عليه (ع)، حتى مع أعداء الإسلام، وحماية الرأس مبدأ لمسه معارضوه فيه قبل مؤيديه، والمساواة في توزيع الثروات وموجودات بيت المال، سياسة مبدئية وأخلاقية وشرعية لم يحِدْ عنها الإمام (ع) قيد أنملة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (المعصوم الثالث، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام):

(جُمِعت في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) صفات لم تُجمع في أحد قبله ولا بعده، وقد جُمعت فيه (عليه السلام) الأضداد من المكارم).

كل القيم والملَكات العظيمة وُلدِت في شخصية الإمام (ع)، في أول لحظة أطلّ بها على البشرية، ليجد نفسه في رحاب أخ وأستاذ بعثه الله تعالى منقذا للبشرية، ألا وهو الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، فتعلّم على يديه ونما في ربوعه الفكرية والدينية والإنسانية، وأخذ عنه العلم، ليصل إلى ذروة السلوك الزاهد بالدنيا ومغرياتها.

فكان الإمام علي (ع) ولا يزال وسيبقى مدرسة الزهد التي لا يضاهيها مدرسة على مرّ العصور، ففي الوقت الذي يتهافت فيه المنصاعون لمغريات الدنيا، ويلهثون وراءها، ويتقتلون من أجلها، ويظلمون وينتهكون حقوق الآخرين، طمعا بالمال أو الشهوة أو النفوذ، كان أمير المؤمنين (ع)، في وادٍ وهؤلاء في وادٍ نقيض تماما.

حتى حين أصبحت السلطة بين يديه، ومغرياتها وامتيازاتها تتملّقه (ع)، لم ينظر إليها ولو نظرة خاطفة، ولم يفكر بها لحظة، ولم تلفت نظره أو قلبه، إنما كان الزهد عنوانه الأعظم في التعامل مع السلطة والقوة والثروات، فلم يكنز مالا، ولم يبنِ قصورا، ولم يأكل ما لذّ وطاب، ولم يسِلْ لعابه على تلك الأموال التي تتقاطر على بيت المال من دولة تعادل اليوم مساحتها عشرات بل مئات الدول، فأي خراج كان، وأي ذهب، وأية أموال كبيرة.

القيم العظيمة هي السند الأعظم

كل هذا وسواه كل تحت أمرة الإمام (ع) وطوع بنانه، لكنه زهد بذلك، وظلّت التقوى والرحمة والإنصاف والقيم العظيمة سندهُ الأعظم في سياساته مع الجميع، يتقدمها الزهد لأنه هو الذي يقود الحكام إلى الصمود ومقارعة النفس وعدم الخضوع لشهواتها وللمغريات التي تبحث عنها، وهكذا كان الإمام علي زاهدا في السلطة بل في الدنيا كلّها.

وقد جاء في المعنى اللغوي لمفردة الزُّهْد، أي الانْصِرافَ إلَى العِبادَةِ وَتَرْكَ مَلَذَّاتِ الدُّنْيا، والإِعْراضَ عَنْها احْتِقاراً لَها. وهذا هو الوصف الدقيق الذي ينطبق على الإمام علي (ع) في زهده العظيم، وتقواه الراسخة، ومبدئيته التي ساوت بين الجميع وأنصفتهم دون اختلال وعدَلَتْ بينهم جميعا، بحيث حتى أقرب الناس للإمام (أخوه أو أخته مثلا) ليس لها أي امتياز على الآخرين ممن كانوا يعيشون في دولة الإمام (ع) مسلمين أو غيرهم.

يقول الإمام الشيرازي في كتابه نفسه:

(قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) حياته كلها في الزهد والعزوف عن ملذّات الدنيا والانشغال بالآخرة حتى صار زهده مضرباً للأمثال، ولا يكاد أحد أيّاً كان أن ينكر زهد الإمام علي (ع) سواء أيام حكومته أم قبلها).

ومع كل المقومات التي كانت تحملها شخصية الإمام علي (ع)، والثقة المطلقة بنفسه، وإيمانه بالقيم التربوية العظيمة التي درسها في مدرسة الرسول الأعظم (ص)، كان (ع) يوجّه خطبه إلى الأمة، ويدعوهم إلى ما يريده منهم، كما أنه كان نموذجهم في الزهد، فيوصف لهم حياته القائمة على أقل الأقل من مستلزمات العيش، من مأكل وشراب وملبس وسكن، فلم تكن تعني له البهرجة شيئا، ولا القوة، ولا المال ولا النفوذ، ولا مظاهر البذخ السطحي.

الإمام علي (ع) هزم السلطة ومغرياتها

كما أنه عليه السلام مع كل ما يتحلى به من تقوى وإيمان، ومن عصمة ووثوق بالله تعالى، ومع رصيده الأعظم من العلم الذي نهله من أستاذه الرسول الأكرم، كان يطلب من الناس أن يعينوه على مواصلة زهده إذا كانوا هم عاجزين عن ذلك، ويخبرهم بثبات أن دنياهم لن تغره فلا يكنز الذهب، ولا يعنيه التبر، ولا يخطر على باله شيء من مغريات السلطة والدنيا على حد سواء، فالحاكم الذي تعجز السلطة عن إغرائه سوف تفشل الدنيا في تطويعه لها.

يقول الإمام الشيرازي:

(لو أردنا ذكر الشواهد على زهده (عليه السلام) لطال بنا المقام ولكن لا بأس بالإشارة إلى بعضها: قال (ع): ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقُرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد. فو الله ما كنزت من دنياكم تِبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً).

هل ينظر حكام اليوم لاسيما من المسلمين، كيف يتصرّف إمامهم مع الدنيا، وكيف يزهد بالسلطة وامتيازاتها، وكيف يظنّ على نفسه بأقلّ المال وإن كان من حقه، فهو المشرف الأعلى على بيت المال، يدخله نظيفا واضحا يده بيضاء، ويوزع الأموال كلها بالتساوي على الذين يستحقونها، ثم يشكر الله تعالى لأنه ساعده على أن يخرج من بيت المال كما دخله، وهو الذي لا يمتلك دراهم قليلة لشراء إزار!!

يؤكد الإمام الشيرازي ذلك حين يقول:

(كان الإمام علي (عليه السلام) يأتي عليه وقت، وليس عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري بها إزاراً وما يحتاج إليه، وفي نفس الوقت كان يقسّم كل ما في بيت المال على الناس، ثم يصلّي فيه فيقول: الحمد لله الذي أخرجني منه كما دخلته).

ما أبعد الإمام علي (ع) عن أموال الناس، وما أحوطه حين يتعلق الأمر بحقوقهم، وما أبعده عن حياة البذخ حين يبيع سيفه لسد رمقه، ولا يفكر أن يشتري قميصا ثانيا، بل يبقى بقميص واحد لا يجد سواه لارتدائه حين يغسله، أي لا بديل عنده لهذا القميص الوحيد، أليس هذا درسا لساسة وحكام اليوم الذين يتنافسون فيما بينهم لاقتناء البدْلات الأجنبية (الماركة) بمئات أو آلاف الدولارات لكي ترمم نواقصهم النفسية المستعصية.

هذا هو الإمام علي (علي)، إنه النموذج للإنسان بمختلف مسؤولياته ومستوياته، كما أنه النموذج الأعظم للحاكم والمسؤول الذي يدخل السلطة نظيفا فقيرا أبيض اليد، ويخرج منها مثلما دخلها تماما، هذا هو الحاكم الذي ينتظره المسلمون والبشرية كلها.

يقول الإمام الشيرازي:

(وفي المناقب: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له إلاّ قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره).

كم يحتاج المسلمون إلى منهج الإمام علي (ع) وزهده، وطريقته في حكم الناس وإدارة شؤونهم، وحماية حقوقهم وأموالهم، أليس حكام اليوم لاسيما من المسلمين، مطلوب منهم استلهام سيرة الإمام (ع)، وشخصيته ومبادئه وزهده والفوز بالملَكات التي جعلت منه مثالا للحاكم الذي هزم الدنيا والسلطة ومغرياتهما؟

اضف تعليق