تظل خيارات التعامل مع تسرب الكربون من الخزانات البحرية محدودة جداً، والاضطرار لإطلاق الغاز المخزن لوقف التسريب يلقي بظلال من الشك على الجدوى البيئية للمشروع. إن فشل احتواء الكربون لا يهدد المناخ فقط، بل يضع الشركات أمام خسائر مالية كارثية بفقدان الإعفاءات الضريبية الأميركية الضخمة التي تصل إلى 85 دولاراً للطن المتري الواحد...

تواجه مشروعات تخزين الكربون في البحر مخاطر بيئية واقتصادية مركبة في الوقت الراهن، وسط مخاوف متزايدة من ضعف القدرة على التحكم في إدارة عمليات التخزين البحرية واحتمالات التسرّب القائمة والمستمرة. فبحسب تقرير حديث اطلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة، قد يؤدي أي تسرب كبير لغاز ثاني أكسيد الكربون من الخزانات البحرية إلى كوارث بيئية ذات عواقب وخيمة على النظام الحيوي المائي. ويعزز من هذه المخاوف الجدية أن دراسات مخاطر تسرب الكربون من التخزين البحري لا تزال تفتقر إلى بيانات واقعية ملموسة، نظراً لأن معظم مشروعاته التجارية ما زالت ناشئة ومحدودة جغرافياً وتقنياً. ويختلف هذا الأمر بطبيعة الحال عن تقييم مخاطر التسرب التقليدية من مشروعات النفط البحرية، التي تستند في الأساس إلى بيانات تشغيلية وتراكمية تمتد لعقود طويلة جداً، بحسب التقرير الصادر عن معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تقود شركات النفط الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها شركتا إكسون موبيل وشيفرون، مشروعات طموحة وضخمة لتخزين الكربون تحت سطح البحر في المياه الإقليمية لولاية تكساس الأميركية. وتخطط شركة إكسون موبيل لتخزين نحو خمسين مليون طن سنوياً من ثاني أكسيد الكربون تحت سطح البحر بحلول عام 2030، لترفع هذه القدرة الاستيعابية بعد ذلك إلى مئة مليون طن بحلول عام 2040. ومع أن الشركة الأميركية أعلنت مؤخراً عدم تجديد عقود إيجار مخصصة لتخزين الكربون في المياه الفيدرالية بخليج المكسيك كانت قد حصلت عليها بين عامي 2021 و2023، إلا أنها ما زالت تحتفظ بعقود إيجار واسعة النطاق في مياه ولاية تكساس، مما يؤكد أن خططها الطموحة للاستثمار في هذا القطاع البحري لا تزال قائمة وفعالة. ومن جهة أخرى، تمتلك شركة ريبسول الإسبانية عقود إيجار لمساحات مائية واسعة في تكساس مخصصة للغرض نفسه ولم تعلن نيتها التخلي عنها، بينما تخطط شركة شيفرون الأميركية لإطلاق أحد مشروعاتها الكبرى لتخزين الكربون تحت سطح البحر بمدينة بومنت بورت آرثر في ولاية تكساس.

المخاطر الجيولوجية: التصدعات الصامتة والتسرب غير المكتشف

ويمتد العمر الافتراضي لمشروعات تخزين الكربون في البحر عادة لفترات طويلة تتراوح بين خمسة وعشرين وخمسين عاماً، وهي مدة زمنية طويلة تستوجب حذراً شديداً في تقدير المخاطر المصاحبة، سواء في أثناء عمليات الحقن أو في الفترات الطويلة التي تليها. إذ يمكن حدوث تصدعات جيولوجية غير متوقعة في الطبقات الأرضية العازلة أثناء عمليات حقن الكربون المجهدة، ومع استمرار العمليات على المدى الطويل قد تتآكل الأغلفة الفولاذية للآبار بفعل التفاعلات الكيميائية. من جانب آخر، أثبتت الدراسات الجيوفيزيائية أن الهزات الأرضية الصغيرة الناتجة عن حفر الآبار وحقن كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون قد تؤدي بمرور الوقت إلى توسيع الشقوق القائمة بالفعل تحت السطح أو خلق شقوق وتصدعات جديدة تماماً، مما يتسبب في فقدان السيطرة على احتواء الكميات المخزنة وتشتيتها.

حتمية التسرب وصعوبة الرصد

تشير نتائج عملية نمذجة علمية لمشروع تخزين بحري افتراضي بمدة حقن تبلغ عشرين عاماً إلى أن احتمالات حدوث التسرب قد تتجاوز خمسين بالمئة للمشروعات التي تتراوح أعمارها الكلية بين عشرين وتسعين عاماً. وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذه التسريبات البحرية قد لا تُكتشف بسهولة، وبخاصة إذا كانت بمعدلات منخفضة أو متوسطة، حيث قد يستغرق تحديدها بدقة ورصدها عبر المسوح الزلزالية الدورية نحو خمس سنوات كاملة.

وحتى بعد انتهاء عمليات الحقن وإغلاق الآبار، تظل هناك مخاوف حقيقية من تسرب الكربون وبخاصة في الخزانات الملحية العميقة، نظراً لوجود عوامل ضغط تختلف جذرياً عن تلك الموجودة في خزانات الهيدروكربونات المستنفدة. وقد تحدث هذه التسريبات نتيجة لخصائص جيولوجية معقدة لم تُدرس بصورة كافية قبل اختيار الموقع، أو لم تُحدد أصلاً أثناء مرحلة الاستكشاف والتقييم، فضلاً عن الأسباب الذاتية والتقنية الناتجة عن ظروف تشغيل المشروع نفسه. وزيادة على ذلك، فإن أنشطة التنقيب المتواصلة عن النفط والغاز التي تتداخل جغرافياً مع مواقع تخزين الكربون في البحر قد تهدد أمن التخزين وسلامته؛ إذ ترتفع مخاطر إتلاف الخزانات بسبب الأنشطة الميكانيكية في المسامات والمكامن المجاورة. وتسمح العديد من الولايات الأميركية بالفعل، مثل ولايتي تكساس وفرجينيا الغربية، بحقوق الحفر والتنقيب على أعماق تتداخل مباشرة مع خزانات تخزين ثاني أكسيد الكربون، مما يضاعف من هذه التهديدات الهيكلية.

محدودية خيارات المواجهة والتهديدات المالية

ولا تزال الخيارات الفنية المتاحة أمام الشركات المشغلة للتعامل مع مخاطر تسرب الكربون من الخزانات البحرية محدودة وضئيلة جداً حتى الآن؛ فبينما يمكن للمشغلين معالجة بعض التسريبات المباشرة عبر إجراءات هندسية صعبة كإصلاح الأغلفة الفولاذية التالفة للآبار، سيجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى إطلاق جزء من الكميات الغازية المخزنة بالفعل في الهواء حتى يتعادل الضغط داخل الخزان ويتوقف التسريب ذاتياً وتلقائياً. ولهذه الأسباب التشغيلية المعقدة، يحذر معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي من أن احتمالات التسرب المرتفعة وعدم وجود خيارات تكنولوجية فعالة للتخفيف من آثارها يلقيان بظلال كثيفة من الشك والريبة على الجدوى البيئية والترويجية التي يطرحها مؤيدو فكرة تخزين الكربون في البحر، فضلاً عن التداعيات المالية الكارثية المترتبة على فشل احتواء هذا الغاز.

الجدوى الاقتصادية تحت مقصلة العقوبات الضريبية: في الولايات المتحدة الأميركية، يمنح الإعفاء الضريبي المعروف بـ (45Q) مليارات الدولارات كحوافز للشركات التي تنجح في احتجاز الكربون في مستودعات جيولوجية آمنة، حيث تحصل الشركات على خمسة وثمانين دولاراً عن كل طن متري يجري احتجازه وتأمينه. وتستطيع الشركات المطالبة بهذه الإعفاءات السخية لمدة اثني عشر عاماً بمجرد البدء في تشييد المنشأة، كما تملك الحق في بيع هذا الإعفاء ونقله إلى جهات استثمارية أخرى. ويعني هذا قانونياً أن فشل مشروعات التخزين البحري أو تسببها في تسريبات كارثية، سيهدد هذه الشركات بفقدان الاعتمادات المالية الضخمة، أو إجبارها على دفع غرامات استرداد في حال كانت قد باعتها مسبقاً لشركاء آخرين.

اضف تعليق