حماية الانتخابات والصحافة والمجتمع المدني لا تكفي وحدها إذا ظل المواطنون محاصرين بالفقر، والهشاشة، وانعدام الأمان الوظيفي، وخوارزميات العمل التي تخفض الأجور وتضع العمال في سباق نحو القاع. إعادة بناء الاقتصاد على أساس العدالة، والنقابات، ومقاومة الاحتكار، ومنع تحديد الأجور بالخوارزميات، وتطوير نظام ضريبي لا يفضّل الآلات والبرمجيات...

في مقال نشرته مجلة تايم تطرح الكاتبة ساريتا غوبتا، نائبة رئيس برامج الولايات المتحدة في مؤسسة فورد، في مقالها «لإنقاذ الديمقراطية، نحتاج إلى إعادة تخيّل الاقتصاد» إشكالية عميقة تربط بين تآكل الديمقراطية واتساع اللامساواة الاقتصادية. تنطلق الكاتبة من لحظات تاريخية حرجة في الولايات المتحدة، مثل الكساد الكبير والعصر المذهب، لتبيّن أن فشل الاقتصاد في خدمة الناس يدفع المجتمعات أحيانًا إلى القبول بخيارات استبدادية أو التفريط بالحريات. 

وترى أن حماية الانتخابات والصحافة والمجتمع المدني لا تكفي وحدها إذا ظل المواطنون محاصرين بالفقر، والهشاشة، وانعدام الأمان الوظيفي، وخوارزميات العمل التي تخفض الأجور وتضع العمال في سباق نحو القاع. لذلك تدعو المقالة إلى إعادة بناء الاقتصاد على أساس العدالة، والنقابات، ومقاومة الاحتكار، ومنع تحديد الأجور بالخوارزميات، وتطوير نظام ضريبي لا يفضّل الآلات والبرمجيات على كرامة العمل الإنساني. فالديمقراطية، في جوهرها، لا تستقر فوق أرض اقتصادية منهارة، بل تحتاج إلى اقتصاد يمنح الناس نصيبًا حقيقيًا في الثروة والقرار والمستقبل.

وكتبت في مقالها تقول:

كان يوم التنصيب يوشك أن يحلّ، وكانت رائحة الحكم الاستبدادي تملأ الأجواء. كان الحراس المسلحون يجوبون المباني الفيدرالية، والقنّاصة الحاملون للرشاشات يتمركزون فوق أسطح المباني. وبينما كانت الاحتجاجات تشتعل خارج المصارف، اقترح كبار المعلّقين والسياسيين التنازل عن السلطة للرئيس من أجل استعادة النظام. بل إن إحدى الصحف الكبرى أعلنت، في عبارة صارت شهيرة، أنها «مع الديكتاتورية إذا اقتضت الضرورة».

كان العام هو 1933. ففي ذروة الكساد الكبير، بدا أن التجربة الأميركية تقترب من تاريخ انتهائها. وقد رفض الرئيس فرانكلين د. روزفلت، كما هو معروف، السير في الطريق الديكتاتوري. غير أن تلك اللحظة كانت إنذارًا مخيفًا: عندما يفشل الاقتصاد في خدمة الناس، يصبح كثيرون مستعدين للمقامرة بحريتهم.

لقد رأينا هذه الحمى من قبل. ففي تسعينيات القرن التاسع عشر، في ذروة العصر المذهب، أعادت ولايات الجنوب كتابة دساتيرها لحرمان البيض الفقراء والمواطنين السود على حد سواء من حق التصويت، وذلك تحديدًا من أجل سحق الحركة الشعبوية الصاعدة. والخيط المشترك بين هذه المراحل هو اللامساواة الاقتصادية الصارخة. ففي عام 1890، كان أغنى 1% يمتلكون ربع ثروة البلاد. وفي عام 1928، كانوا يحصلون على ما يقارب ربع كل دولار من الدخل.

أما اليوم، فقد أصبح تركز الثروة أكبر. ففي عام 2026، يمتلك أغنى 12 مليارديرًا في العالم ثروة تفوق ما يمتلكه النصف الأدنى من سكان العالم مجتمعين، أي نحو 4.1 مليار إنسان.

نحن، المكرّسين لتعزيز الديمقراطية الأميركية، دعمنا منذ وقت طويل سمات المجتمع الحر والعادل، بما في ذلك مجتمع مدني حيوي، وصحافة مستقلة، وتعليم مدني جيد، وانتخابات تُدار بنزاهة. لكن ما لم ننقل موارد كبيرة نحو إرساء العدالة الاقتصادية، فإننا سنفشل في معالجة واحد من أكثر التهديدات جوهرية لديمقراطيتنا.

كيف تؤدي اللامساواة إلى تآكل صندوق الاقتراع؟

في تحليل بارز استند إلى بيانات من معهد V-Dem، درس الباحثان إيلي راو وسوزان ستوكس حالات التراجع الديمقراطي في عشرات البلدان منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. وكانت خلاصتهما أن عدم المساواة في الدخل مؤشر «قوي على نحو مذهل» على التآكل الديمقراطي.

في المجتمع غير المتكافئ، تصبح رهانات السياسة وجودية. ويرى الحائزان على جائزة نوبل، دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون، أنه عندما تتركز الثروة في القمة، يصبح النخب مستعدين لدعم مرشحين غير ديمقراطيين من أجل حماية أصولهم من إعادة التوزيع. وفي المقابل، يصبح المواطنون العاديون، الذين يشعرون بأن النظام مصمَّم ضدهم، مستعدين لقلبه بالكامل. وقد يخلق ذلك فراغًا يملؤه قادة يعدون بتفكيك الدولة بدل إصلاحها، مستخدمين انعدام الثقة لتركيز السلطة وحماية أنفسهم من المساءلة.

عصر من عدم الاستقرار

بعد مئتين وخمسين عامًا على تأسيس أمتنا، ندخل مرحلة من عدم الاستقرار تقودها الاضطرابات التكنولوجية. لقد ثبت أن الوعد القائل إن إلغاء التنظيم والخصخصة سيرفعان كل القوارب لم يكن صحيحًا إلا لمن يمتلكون أكبر اليخوت. واليوم، يبدو مستقبل العمل على نحو متزايد أشبه بسجن رقمي شامل. فعلى سبيل المثال، في كثير من المستودعات، يخضع العمال لأنظمة تتعقب «الوقت خارج المهمة» بالثانية. وقد وجد تقرير صادر عن مركز التنمية الاقتصادية الحضرية في جامعة إلينوي في شيكاغو أن هذه المنصات يمكن أن تسهم في معدلات إصابات خطيرة لدى كبار أرباب العمل في قطاع المستودعات تزيد على ضعف معدلات منافسيهم.

وفوق ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يغيّر الوظائف فحسب، بل يهددها، ولا سيما بالنسبة إلى النساء. فوفقًا لتحليل أجرته الشراكة الوطنية للنساء والعائلات، تشكل النساء 47% من قوة العمل، لكنهن يمثلن 83% من العاملين في المهن المعرضة للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي.

فعلى سبيل المثال، تبيّن أن منصات العمل المؤقت في التمريض تدفع العاملين الأساسيين إلى منافسة بعضهم بعضًا عبر عرض المناوبات على من يقبل بأدنى أجر في الساعة. وقد صُقلت مثل هذه التقنيات في اقتصاد العمل المؤقت عمومًا من أجل تحديد أجور مختلفة، عبر الخوارزميات، لموظفين مختلفين يؤدون العمل نفسه.

كما تبيّن أن بعض الشركات تستفيد مما يسميه البعض «أجر المراقبة»، حيث تعدّل تعويضات العمال في الوقت الحقيقي، وتغيّر تلقائيًا مستويات الأجر وهياكل المكافآت من أجل تحديد أجر القبول الأدنى لدى الشخص، أي الحد الأدنى المطلق الذي سيقبل به.

عندما يحدد راتبك خوارزم غامض يضعك في مواجهة جارك في سباق نحو القاع، فإن الفاعلية السياسية اللازمة لديمقراطية ناجحة تتبخر.

مخطط للتجديد

إن حماية صندوق الاقتراع تصبح جوفاء إذا تجاهلنا الحسابات المصرفية للناخبين الذين يقترعون. ولحماية مستقبلنا، يجب أن نعيد تخيّل السياسة الاقتصادية، وأن نبدأ ببناء التضامن من خلال الكونية الموجّهة. فالبرامج الشاملة، مثل برنامج التعليم المبكر للأطفال في سن الثالثة في مدينة نيويورك، تجسر الانقسامات العرقية والطبقية لأن الجميع يصبحون أصحاب مصلحة في نجاحها. وعندما تُطرح هذه البرامج أولًا في المناطق منخفضة الدخل، تصل الفوائد إلى المحتاجين قبل غيرهم، مع استمرار تحفيز الجميع على دعم نجاحها.

ولا يقل عن ذلك أهمية استعادة القوة المضادة. فالضابط الوحيد الذي أثبت التاريخ قدرته على كبح سلطة الشركات هو التنظيم، ومع ذلك فإن كثافة العضوية النقابية اليوم تقارب أدنى مستوياتها منذ الكساد الكبير. يجب أن نتعامل مع النقابات العمالية وروابط المستأجرين لا بوصفها فاعلين اقتصاديين فحسب، بل بوصفها بنية تحتية مدنية أساسية. وينبغي أن يقترن ذلك بجهد لدمقرطة السوق عبر معالجة سلطة الاحتكار وتعزيز ممارسات السوق التنافسية. إن كسر قبضة الأوليغارشيات التقنية والمالية، بما في ذلك حظر تحديد الأجور بالخوارزميات، يضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتفريغ الطبقة الوسطى من مضمونها.

وأخيرًا، يجب أن نجعل الحكومة مرئية ومحسوسة من خلال ضمان أن الدولة تقدم فعلًا ما يحتاجه الناس. كما نحتاج إلى بناء قانون ضريبي تقدمي يعطي الأولوية لكرامة العمل، عبر مواءمة الضرائب الهامشية على توظيف العمال وتدريبهم مع الضرائب المفروضة على الاستثمار في المعدات أو التكنولوجيا. لا ينبغي لقانوننا الضريبي أن يفضّل شراء البرمجيات على توظيف الناس.

مهندسو الاقتصاد الجديد

إن مهندسي هذا التجديد يعملون بالفعل. ففي ولاية واشنطن، نجح التحالف الوطني للعاملات المنزليات في تحديث وثيقة حقوق العمال، موسعًا الحماية لتشمل قوة عمل تمثل النساء الملوّنات نسبة غير متكافئة منها، وهي قوة عمل ظلت مستبعدة إلى حد كبير طوال قرن. وفي نيويورك، حصل سائقو التوصيل على زيادة في الحد الأدنى للأجر من 5.39 دولارات إلى أكثر من 19 دولارًا في الساعة. وفي الجنوب، تنتزع ائتلافات اتفاقيات ملزمة قانونيًا للمنافع المجتمعية، لضمان أن يشمل التحول إلى الطاقة الخضراء عقودًا نقابية وتوظيفًا محليًا. وتعمل منظمة AI Now على تعبئة المجتمعات في الجنوب الأميركي والغرب الأوسط لتحدي مشاريع مراكز البيانات الضخمة التي تهدد بزيادة فواتير الخدمات المحلية والإضرار بإمدادات المياه من دون تقديم منافع اقتصادية محلية مقابلة.

هذه ليست مجرد انتصارات عمالية؛ إنها انتصارات ديمقراطية. فهي تثبت أنه عندما يكون للناس نصيب في الاقتصاد، يصبح لهم نصيب في النظام.

على امتداد تاريخنا، نجت الديمقراطية الأميركية لأننا رددنا على اللامساواة بتحولات بنيوية جريئة. فقد قاد العصر المذهب إلى قوانين مكافحة الاحتكار؛ ودفع الكساد الكبير إلى إنشاء الضمان الاجتماعي وتقنين الحق القانوني في التنظيم. ونحن اليوم نقف مرة أخرى عند مفترق طرق. لا يمكننا أن نحرس صندوق الاقتراع بينما الأرض الاقتصادية تحته تنهار. يجب أن نبني اقتصادًا يجعل الديمقراطية ممكنة. وما إذا كانت أمتنا ستزدهر طوال 250 عامًا أخرى يعتمد على ما إذا كنا سنختار بناء بلد يعمل لمصلحة الكثرة، أم سنواصل خدمة القلة.

اضف تعليق