بقلم: ستيفن روش

نيوهافين ــ كان ينبغي لي أن أنصت إلى ألان جرينسبان ــ على الأقل عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالعملات. ذات مرة، أخبرني رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق أنها فكرة حمقاء، حيث احتمالات التوصل إلى التقدير الصحيح لقيمة العملة أسوأ من الرهان الناجح على قذف عملة معدنية في الهواء. قبل عامين، تجاهلت نصيحة المايسترو وجازفت بالتنبؤ بأن الدولار الأميركي سينهار بنحو 35%.

بعد انخفاض محير بنسبة 9% في النصف الثاني من عام 2020، ذهب مؤشر الدولار العريض ــ سعر الصرف الفعلي الحقيقي وفقا لحسابات بنك التسويات الدولية ــ في الاتجاه المعاكس، ليرتفع بنسبة 12.3% خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2021 إلى مايو/أيار 2022. وبهذا أصبحت قيمة الدولار أعلى بنحو 2.3% من المستوى الذي كانت عليه في مايو/أيار 2020، أي في الوقت حيث توصلت إلى هذا التقدير الأحمق. تُـرى كيف أسأت التقدير إلى هذا الحد؟

ساهمت ثلاثة عوامل في تشكيل فِـكري في هذا الصدد: عجز الحساب الجاري في أميركا، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي، و"عدم وجود بديل". زعمت أن العجز الخارجي كان في طريقه إلى مشكلة كبرى وأن الاحتياطي الفيدرالي السلبي لن يفعل الكثير لمنع المشكلة من التفاقم ــ مما يدفع فعليا القسم الأعظم من تعديل الحساب الجاري إلى التركز في عملة متزايدة الضعف بدلا من أسعار الفائدة المتزايدة الارتفاع. كما انتقدت الدفاع عن الدولار بادعاء عدم وجود بديل له، محاولا الدفاع عن الحجة لصالح ارتفاع قيمة اليورو والرنمينبي.

في الأساس، أنقذ بنك الاحتياطي الفيدرالي الدولار ــ بمساعدة وتشجيع من الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. الواقع أن عجز الحساب الجاري الأميركي، وهو جوهر حجتي الأساسية ضد الدولار، تدهور بشكل كبير خل العامين الأخيرين. انتقل المقياس الأعرض لميزان أميركا الدولي من 2% بالسالب من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2020 إلى 4.8% بالسالب في الربع الأول من عام 2022، حيث كشفت البيانات المسجلة للتو عن أوائل عام 2022 عن ثاني أسوأ تدهور ربع سنوي منذ عام 1960. لم يكن عجز الحساب الجاري الأميركي بهذا الحجم منذ منتصف عام 2008 في خضم الأزمة المالية العالمية.

كان سردي لقصة انهيار الدولار متعلقا بدرجة كبيرة على احتمالية حدوث ديناميكية غير مستقرة بشكل متزايد في الحساب الجاري بعد الجائحة، حيث يؤدي عجز الميزانية الفيدرالية الضخم إلى انضغاط حاد للمدخرات المحلية الكاسدة بالفعل. تؤكد النظرية ــ في الواقع، الهوية المحاسبية للدخل الوطني ــ على أن الاقتصادات التي تعاني من نقص في المدخرات يجب أن تستورد مدخرات فائضة حتى يتسنى لها الاستمرار في النمو، ثم تدير عجزا ضخما في الحساب الجاري من أجل اجتذاب رأس المال الأجنبي. في مواجهة عجز الموازنة المتفجر، عملت النظرية بما يتفق مع التوقعات: حيث هبط صافي معدل الادخار المحلي إلى الصِـفر في الربعين الأوسطين من عام 2020.

من المدهش أن المدخرات المحلية انتعشت منذ ذلك الحين، حيث بلغ متوسط صافي الادخار الوطني 3.25% في عام 2021 ثم سجل المزيد من الارتفاع ليصل إلى 4.2% في أوائل عام 2022. ولكن خلال فترة ما بعد الجائحة التي اندلعت في الربع الثاني من عام 2020، بلغ صافي معدل المدخرات المحلية 2.6% فقط في المتوسط من الدخل الوطني، وهو تراجع دراماتيكي من المتوسط الأطول أجلا لخمسة وأربعين عاما الذي بلغ 7% من عام 1960 إلى عام 2005. ويتوافق هذا بشكل معقول مع التوسع الحاد الأخير في عجز الحساب الجاري الأميركي.

يُـظـهِـر التاريخ أن التدهور الحاد الذي طرأ على أرصدة الحساب الجاري ليس نتيجة مستدامة للبلدان التي تفتقر إلى المدخرات المحلية. فسوف يطالب الدائنون الأجانب بتنازلات مقابل تقديم فوائضهم كقروض: عوائد أعلى (أسعار فائدة)، أو تمويل أرخص (تحويل العملة)، أو كلا الأمرين. إذا غاب أحد الخيارين، تتحمل القناة الأخرى العبء الأكبر من تعديل الحساب الجاري.

هنا حيث أنقذ الاحتياطي الفيدرالي الدولار. من المؤكد أن الأمر لم يبد على هذا النحو في عام 2020 وأوائل عام 2021. خلال تلك الفترة، كان الاحتياطي الفيدرالي مخلصا في الحفاظ على موقفه السياسي المتساهل بشكل مفرط، حتى في مواجهة الصدمة التضخمية الناشئة التي أساء تشخيصها في مستهل الأمر على أنها "مؤقتة". اعتبرت هذا التصلب سببا وجيها للاعتقاد بأن أسعار الفائدة ستظل منخفضة على نحو غير مريح. نتيجة لهذا، سيتركز تعديل الحساب الجاري الأميركي بشكل متزايد في الانخفاض الحاد لقيمة الدولار المبالغ في تقديرها. كان توقعي لتصحيح الدولار بنسبة 35% نزولا متماشيا مع المتوسط 30% لثلاث انخفاضات دورية ضخمة سابقة حدثت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من القرن الحالي.

عندما حول الاحتياطي الفيدرالي تركيزه متأخرا في أواخر عام 2021، كان من الواجب عليّ أن أفعل الشيء ذاته مع توقعاتي للدولار. استشعرت الأسواق المالية المتطلعة إلى المستقبل بشكل صحيح أن شيئا ما لابد وأن يحدث وتحركت بشكل جيد تحسبا لتحول تام في سياسة الاحتياطي الفيدرالي؛ حدث ما يقرب من نصف ارتفاع قيمة الدولار بنسبة 12.3% منذ يناير/كانون الثاني 2021 قبل تحول الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر/كانون الأول التالي. وأضافت تهديدات الحرب من قِـبَـل بوتن ثم عدوانه العسكري اللاحق على أوكرانيا إلى مكانة الدولار كملاذ آمن. وانخفضت قيمة اليورو وحتى الرنمينبي، بدلا من أن ترتفع، كما توقعت، وانهار الين الياباني، حيث كان بنك اليابان على أتم استعداد لاستيعاب مفاجأة التضخم كترياق ضد "عقد ضائع" ثالث.

الواقع أن الدروس المستفادة من هذه الواقعة كثيرة. الدرس الأول، والأكثر وضوحا: لا تقاوم بنك الاحتياطي الفيدرالي. لقد فعل البنك المركزي الأميركي الصواب في نهاية المطاف؛ كما أنه لديه وفرة من المزيد من التصرفات لكنه يبدو الآن أكثر استعدادا للقيام بذلك. ثانيا، لا تبالي الأسواق المالية على الإطلاق بالنظرية. لا يُـنـظَـر إلى إحكام السياسة النقدية في الولايات المتحدة باعتباره امتيازا لتمويل الحساب الجاري من جانب الاقتصاد الأميركي الذي يفتقر إلى المدخرات بقدر ما يُـعَـد محاولة يائسة للحاق بمنحنى العائد. ثالثا، في أوقات الحرب يصبح الامتياز الباهظ الذي يتمتع به الدولار باعتباره عملة العالم الاحتياطية أشد وضوحا من أي وقت آخر. وفي ظل حالة الارتباك التي اجتاحت العالم بفضل بوتن، تصبح حجة "عدم وجود بديل" أكثر إغواء من أي وقت مضى.

في النهاية، بطبيعة الحال، يتلخص الأمر كله في مقدار ما جرى إسقاطه من الحسبان بالفعل من قِـبَـل الأسواق المالية المتطلعة إلى المستقبل. أظن أن قرار الاحتياطي الفيدرالي وعامل "عدم وجود بديل" يؤثران الآن بالفعل على سعر الدولار المقدر بأعلى من قيمته الحقيقية. ولا أعتقد أن ذات الشيء يمكن قوله عن التكهن الرهيب بشأن ميزان المدفوعات في الولايات المتحدة. أعرف – هذا ما قلته شخصيا قبل عامين.

* ستيفن س. روش، عضو هيئة التدريس بجامعة ييل والرئيس السابق لمورغان ستانلي آسيا، ومؤلف كتاب "غير متوازن: الاعتماد على أمريكا والصين"، والصراع العرضي القادم: أمريكا والصين وصراع الروايات الكاذبة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق