التَّعامل المبكِّر بأساليب تربويَّة متَّزنة، قائمة على العدل العاطفي، وإشباع الحاجة إلى الحنان، وتوزيع الاهتمام بصورة منصفة، وتوجيه السُّلوك توجيهًا إيجابيًا، يحدُّ من تفاقم هذا الشعور، وقد يحوّله إلى مدخلٍ لتعلُّم المشاركة وتنمية روح الألفة بين الإخوة. إنَّ الوعي بطبيعة الغيرة، ورصد مؤشراتها السُّلوكيّة، ومعالجتها تدريجيًا بوعيٍ وانضباط...
تتفاوتُ الأمراضُ الأخلاقيَّة التي قد تُصيب الأطفال من حيث شدَّة أثرها وامتداد نتائجها؛ إذ إنَّ بعضها يرتبط بسلسلة من الاضطرابات النَّفسيَّة والُّسلوكيَّة الأخرى. وتُعدُّ الغيرة المفرطة من أخطر هذه الآفات، لما تحمله من قابلية عالية للتحوّل إلى منبعٍ لمشكلات أعمق وأكثر تعقيدًا.
فالغيرة إذا تسلَّلت إلى البيئة الأسريَّة من دون وعيٍ تربويٍّ قادر على ضبطها ومعالجتها، فإنَّها تُفقد الطِّفل شعوره بالأمان والطَّمأنينة، وتزرع في داخله توتُّرًا دائمًا يجعله في صراعٍ نفسيٍّ مع ذاته ومع محيطه. وعلى صعيدٍ آخر، تفضي هذه الغيرة إلى نشوء مشكلات متعدِّدة، تتدرج من المقارنات المؤلمة وصولًا إلى الشُّعور بالدُّونيَّة أو الانزلاق نحو السُّلوك العدواني، ويمكن أن تتحوَّل إلى حقدٍ وحسدٍ متجذِّر، يصعب اقتلاعه لاحقًا؛ لعمق جذوره في النَّفس، ولما يخلِّفه من إطفاءٍ تدريجي لقيم الأخلاق، وإضعافٍ لمشاعر المحبَّة والتَّعاطف مع الآخرين.
ومن هنا، تبرز خطورة الغيرة المفرطة بوصفها حالة تحتاج إلى تدخلٍ مبكر، ومعالجة واعية، قبل أن تتحوَّل إلى عائقٍ في تشكيل شخصيَّة الطِّفل وتوازنه النَّفسي.
المحور الأوَّل: تعريف الغيرة لدى الأطفال ودلائل ظهورها.
المطلب الأوَّل: تعريف الغيرة لدى الأطفال.
"هي حالةٌ انفعاليَّة يشعرُ بها الشَّخص، ويحاول إخفاءها؛ إذ لا يمكن الاستدلال عليها إلَّا من خلال أنماط سلوكيَّة معيَّنة، وهي مزيج من الشُّعور بالفشلِ والانفعال الغضبي، وتأتي نتيجة الخيبة في الوصولِ إلى غرض ما -مادِّي أو معنوي- نجحَ في الوصول إليه إنسانٌ آخر؛ فتتوجه هذه الغيرة نحو ذلك الشَّخص"(1).
هذا هو تعريف الغيرة بصورة عامَّة أمَّا الغيرة عند الأطفال، فيُقصد بها: حالةٌ انفعاليَّةٌ نفسيَّة تنشأ عندما يشعر الطِّفل بتراجع مستوى الحبِّ أو الاهتمام أو القرب العاطفي الذي يتلقَّاه من الوالدينِ، أو عندما يعتقد أنَّ هذا الاهتمام قد تحوَّل إلى طفلٍ آخر، كقدوم أخٍ جديد أو تفضيل زميلٍ عليه. ويتميَّز هذا الشُّعور بكونه داخل النَّفس وغير مُدرَكٍ بوضوح لدى الطفل، ويفتقر في الغالب إلى القدرة اللغويَّة أو النُّضج النَّفسي الذي يمكِّنه من التَّعبير عنه بشكلٍ مباشر.
ولذلك، تظهر الغيرة عند الأطفال غالبًا في صورة سلوكيَّات غير مباشرة، مثل نوبات الغضب، أو البكاء المتكرِّر، أو العناد، أو التَّعلُّق الزَّائد بالوالدينِ، أو السَّعي المستمر لجذب الانتباه. وتعود هذه المظاهر إلى شعورٍ عميق بالإحباط أو الخيبة، نابع من إدراك الطِّفل –ولو بصورة غير واعية– أنَّ حاجاته العاطفيَّة لم تعد مُشبَعة كما كانت، أو أنَّ غيره قد نالَ ما كان يتوقّعه لنفسه. وفي هذا السِّياق، تتَّجه مشاعر الطِّفل نحو الطَّرف الآخر بوصفه سببًا ظاهريًّا لهذا النَّقص، من دون وعيٍ بالأسباب الحقيقيَّة الكامنة خلف هذا الإحساس.
المطلب الثَّاني: علامات الغيرة.
يحاول الطِّفلُ وبسببِ عزَّة النَّفس التي يمتلكها أو لأسباب أخرى إخفاءَ الغيرة التي تغلي في داخل نفسه؛ إلَّا أنَّها في أغلبِ الأحيان تظهر على صفحات وجهه، أو على شكل تصرُّف؛ قال أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليهما السلام): "مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِه، وصَفَحَاتِ وَجْهِه" (2)؛ وأهمُّ العلامات التي تدلُّ على وجودِ الغيرة يمكن تقسيمها على قسمينِ:
القسم الأوَّل: العلامات الانفعاليَّة المباشرة.
ويضم السُّلوكيات التي يظهر فيها الطِّفل بشكلٍ واضحٍ مشاعره الدَّاخليَّة، وتشمل:
1. السُّلوك العدواني اتِّجاه الآخر.
يُظهر الطِّفل الذي تسيطر عليه مشاعر الغيرة نزعةً عدوانيَّة اتِّجاه الطَّرف الذي يشعر نحوه بالغيرة، فتتجلَّى هذه النَّزعة في سلوكيات مختلفة، قد تبدأ بالاعتداء الجسدي كالضَّرب، أو الاعتداء اللفظي كالاستهزاء والسُّخرية، وقد تتَّخذ أشكالًا غير مباشرة مثل التَّضييق عليه، أو إزعاجه المتكرِّر، أو السَّعي إلى عرقلة حركته ونشاطه. وتُعدُّ هذه التَّصرُّفات تعبيرًا غير واعٍ عن صراع يعيشه الطِّفل، ومحاولة لتعويض شعوره بفقدان المكانة أو الاهتمام، أكثر من كونها سلوكًا عدوانيًا مقصودًا بحدِّ ذاته.
2. ردود الفعل الانفعاليَّة اتِّجاه النَّقد.
إذا وُجِّه إلى الطِّفل نقدٌ من أحد والديه، فإنّه يُبدي ردّة فعل حادَّة، فينتفض غضبًا، ويبالغ في الاحتجاج والتَّذمُّر، ويسعى إلى تبرير سلوكه من خلال تقديم ما يراه أدلَّةً على تعرُّضه للإهمال، أو على أنَّه ليس بمحلِّ احترام أو محبَّة داخل الأسرة. ويعكس هذا السُّلوك حساسيَّةً مفرطة أمام التَّقييم والنَّقد، نابعة من شعورٍ بعدم الأمان العاطفي، ومحاولةٍ لا واعية للدِّفاع عن الذَّات واستدرار الاهتمام وإثبات القيمة داخل المحيط الأسري.
3. الاقتراب من الشَّخص الذي يغار منه.
يسعى بعض الأطفال المتأثرين بالغيرة إلى الاقتراب من الطِّفل الذي يغارون منه، محاولةً للحفاظ على مكانتهم في قلوب والديهم، واستعادة الاهتمام والحبِّ الذي يشعرون بأنَّه قد انتقل إلى الآخر. وهذا السُّلوك يعكس رغبتهم العميقة في التَّأكيد على أهميتهم ضمن الأسرة وضمان استمرار الرَّوابط العاطفيَّة معهم.
4. تقليد الطِّفل الذي يغار منه.
يميل بعض الأطفال إلى تقليد الطِّفل الآخر في تصرُّفاته أو احتياجاته، أو إلى التَّقرُّب من والديهم بشكلٍ أكبر، سعيًا للبقاء مركز الاهتمام، وإثبات وجودهم، وضمان استمرار جاذبيتهم أمام العائلة. وهذا السُّلوك يظهر بوصفه وسيلة غير مباشرة للتَّعامل مع شعور الغيرة والحرص على الاحتفاظ بالمكانة العاطفيَّة.
القسم الثَّاني: العلامات النَّفسية والجسديَّة.
ويضم ما يظهر في شكل تغيُّرات نفسيَّة أو غير مباشرة، تشمل:
1. الانزواء والعزلة.
يميل بعضُ الأطفال الذين تعتريهم مشاعر الغيرة إلى الانزواء والعزلة، فيفضِّلون البقاء بمفردهم لفترات طويلة، وقد يرافق ذلك فتورٌ في الشَّهية للطَّعام أو عزوفٌ عنه. وهذه المظاهر مؤشِّرات نفسيَّة وسلوكيَّة مهمَّة يمكن للوالدينِ ملاحظتها من خلال المقارنة بين سلوك الطِّفل الحالي وسلوكه السَّابق؛ ويكشف هذا التَّغيُّر التَّدريجي في التصرُّفات عن اضطرابٍ يعجز الطِّفل عن التَّعبير عنه لفظيًا، فينعكس على نمط تفاعله اليومي وحالته الانفعاليَّة.
2. الاضطرابات الجسديَّة.
قد تتجسَّد الغيرة عند الأطفال أحيانًا في صورة اضطرابات جسديَّة، مثل مشاكل في الجهاز الهضمي، أو ظهور أعراض متَّصلة بأجهزة الجسم الأخرى. فالجسم، في كثير من الحالات، يعكس الضُّغوط النَّفسيَّة، وتتحوَّل المشاعر المكبوتة أو التَّوتر النَّاتج عن الغيرة إلى أعراض عضويَّة يمكن ملاحظتها، مثل ألم المعدة، فقدان الشهية، أو اضطرابات النَّوم، ما يوضح التَّرابط الوثيق بين الصِّحة النَّفسيَّة والجسديَّة لدى الطِّفل.
3. تبنِّي سلوكيات جديدة أو غير مألوفة.
قد يلجأ بعض الأطفال إلى تبنِّي سلوكيات جديدة غير مألوفة لديهم، مثل قضم الأظافر، أو تخريب بعض مقتنيات المنزل، أو الامتناع عن المشاركة في الأنشطة الأسريَّة. وتظهر هذه التَّصرُّفات بوصفها صورة من صور التَّعبير عن الغيرة ومحاولة لفت الانتباه، أو استجابة عاطفيَّة لضغط شعورهم بفقدان الاهتمام.
المحور الثَّاني: أسباب الغيرة وسبل علاجها.
المطلب الأوَّل: أسباب الغيرة.
الغيرةُ لا تنشأ من فراغ؛ وأغلب الأسباب تنشأ من تعامل الوالدينِ مع الطِّفل تعاملًا غير مدروس الخطوات؛ وأهمُّ هذهِ العوامل:
العامل الأوَّل: الموازنة غير العادلة.
عندما يخطئ أحد الأطفال أو يخفق في أمر ما، ليس من المناسب مقارنته بأخيه أو بأقرانه، أو حتَّى بأبناء الجيران. ومثل هذه المقارنات تولِّد شعورًا بالنَّقص والحرمان، وتغذِّي نار الغيرة في صدر الطِّفل اتِّجاه من يُقارن به، ما قد ينتهي إلى توتر العلاقة بينه وبين الآخرين وإضعاف ثقته بنفسه.
العامل الثَّاني: التَّقليل من شأن الطِّفل أو الاستهزاء بقدراته.
فعلى الرَّغم من أنَّ الموهبة أو الإنجاز قد لا يكون لها قيمة كبيرة، إلَّا أنَّ الاستهزاء بها أو التَّقليل من أهميتها يجعل الطِّفل يشعر بالنَّقص والاحتقار، ويغذِّي شعوره بالغيرة اتِّجاه من حوله، ما قد يدفعه إلى تبنِّي سلوكيات عدوانيَّة أو موقفًا مناوئًا للآخرين.
العامل الثَّالث: التَّفضيل العلني بين الأطفال.
قد يسبب تفضيل طفلٍ على آخر بصورة واضحة شعور الغيرة والحقد لدى الطِّفل غير المفضَّل، حتَّى لو كان التَّفضيل مبررًا لضرورة ما، مثل حالة مرضية تتطلَّب اهتمامًا خاصًا أو طعامًا معيَّنًا. في مثل هذه الحالات، ينبغي تعويض الطِّفل الذي يشاهد هذا التَّفضيل بالاهتمام والاعتناء بمشاعره، لتفادي شعوره بالنَّقص أو الاستبعاد وضمان استقرار نفسي متوازن.
العامل الرَّابع: الحرمان العاطفي والمادِّي.
إنَّ غياب الاهتمام والمحبَّة، وعدم الاستجابة لحاجات الطِّفل العاطفيَّة والماديَّة ضمن الحدود المعقولة، قد يترك في نفسه شعورًا بالنَّقص ويغذِّي بدايات الحقد. وقد تتجذَّر هذه العقدة في نفسيته، وتظل ترافقه طوال حياته، ممَّا ينعكس أحيانًا على سلوكه مستقبلًا، وقد يدفع بعض الأطفال في حالات قصوى إلى الانحراف عن خطِّ الاستقامة أو ارتكاب أفعال ضارَّة به وبالآخرين.
المطلب الثَّاني: أساليب تربوية لعلاج الغيرة.
أغلبُ الصِّراعات النَّفسيَّة التي يعاني منها الطِّفلُ منبعها الغيرةُ، ويمكن لهذه الصراعات أن تتجسد على أرض الواقع بشكل عدواني خطر على الآخرينَ، أو أنَّها توّلد عُقدًا في النَّفس من شأنها ألَّا يميل إلى التَّعاونِ والتَّعامل والمشاركة إن لم تعالج؛ ومن هنا يلزم المبادرة والمسارعة إلى علاج هذا السلوك بعد أن عرفنا مظاهره وأسبابه؛ وأهمُّ أساليب العلاج، هي:
القسم الأوَّل: أساليب العلاج القائمة على الاهتمام العاطفي والتَّوازن الأسري.
ويشمل الإجراءات التي تُعنى مباشرة بتوفير الأمان النَّفسي والحنان والدَّعم العاطفي للطِّفل، وهي:
1. المساواة والعدل في المعاملة.
من أهمِّ الأسس النَّفسيَّة والتربويَّة التي تُشارك في تهدئة نفس الطِّفل وبثِّ الاطمئنان في قلبه، هو العطف والحنان المتوازن من الوالدينِ، بعيدًا عن التَّدليل المفرط أو تفضيل أحدهم على الآخر. ومما ورد في ذلك أنَّ النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) نظر إلى رجلٍ له ابنان، فقبَّل أحدَهما وتركَ الآخر. فقال (صلَّى الله عليه وآله): "هلَّا ساويت بينهما"(3).
"إنَّ المساواة بين الأبناء عنصر من عناصر التربية الإسلاميَّة، فليس للأب أن يميِّز بعض أبنائه على بعض، كما أنَّه ليس من الإسلام في شيءٍ أن يخص أبناءه بعطفه وإحسانه، ويحرم بناته من ذلك، أو يخص بعض أبنائه بشيءٍ من أمواله ويحرم الباقين فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى نشوب العداء والكراهية فيما بينهم، بالإضافة إلى أنَّه يسبب تأخرًا في كيانهم التربوي، كما يؤدِّي إلى اضطرابهم النَّفسي، وعدم تفاعلهم مع بقية أفراد المجتمع" (4).
" إنَّ الكره الأبوي للطِّفل يستطيع دائمًا أن يعوق الطِّفل عن التَّكيف في الحياة، وذلك بالقضاء على شعوره بالأمن، وتحطيم ثقته بنفسه، وقد أثبتت البحوث النَّفسيَّة الحديثة أنَّ من أهمِّ أسباب القلق يرجع إلى انعدام الدفء العاطفي في الأسرة، وشعور الطِّفل بأنَّه شخص منبوذ محروم من الحب والعطف والحنان، وأنَّه مخلوق ضعيف يعيش وسط عالم عدواني، كما أنَّ عدم العدالة بين الإخوة توقظ مشاعر القلق في نفسه وتقتل فيه روح البصيرة التي تعينه على أن يشق طريقه في يسر وطمأنينة" (5).
وعن النبي الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "اعدِلُوا بَينَ أولادِكُم في النُّحلِ، كَما تُحِبُّونَ أن يَعدِلوا بَينَكُم فِي البِرِّ وَاللُّطفِ"(6).
وعنه (صلَّى الله عليه وآله) : "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أن تَعدِلوا بَينَ أولادِكُم حَتّى فِي القُبَلِ"(7).
"إنَّ الأملَ الوحيدَ للطِّفل ومبعثَ فرحه ونشاطه هو عطف الوالدينِ وحنانهما، ولا يوجد عاملٌ يُهدِّئ خاطر الطِّفل، ويبعث فيه الاطمئنان والسَّكينة مِثل عَطف الوالدينِ، كما لا يوجد عاملٌ يبعث فيه القَلق والاضطراب مِثل فُقدان جزء مِن حَنانِ الوالدينِ أو جميعه. وحسد الولد نحو أخيهِ الصَّغير الذي وِلد حديثًا لا غرابة فيه؛ لأنَّه يشعر بأنَّ قِسمًا مِن العناية التي كانت مُخصَّصة له، قد سُلِبت منه، والآن لا يُستأثر باهتمام الوالدين؛ بلْ إنَّ الحُبَّ والحنان يجب أنْ يتوزَّع عليهِ، وعلى أخيهِ الأصغر"(8).
2. غرس الحنان وتعزيز الثِّقة بالنَّفس.
من الضَّروري منذ الصغر أن يشعر الطِّفل بمحبَّة والديه ورعايتهما له، وأن يدرك أنَّه شخصيَّة مميزة تمتلك مواهب وقدرات يمكن تطويرها، وأنَّ أهله يحبونه ولا يقللون من شأنه. وزرع هذا الحنان وبث الثِّقة بالنَفس يُنمّي إحساسه بالقيمة الذَّاتية ويقلل من مشاعر الغيرة والحسد اتِّجاه الآخرين، ويؤسِّس لشخصيَّة متوازنة قادرة على التَّفاعل الإيجابي مع محيطه الاجتماعي.
3. تحقيق التَّوازن الأسري وخلق جو سعيد ومستقر.
ينبغي للوالدينِ الحرص على دقَّة تصرفاتهما أمام الأطفال، وتجنب النِّزاعات والخلافات المنزليَّة الظَّاهرة؛ إذ إنَّ أيَّ اضطراب أو توتر في البيئة الأسريَّة قد يترسَّخ في نفس الطِّفل على شكل شعور بالنَّقص أو القلق. فخلق جو أسري هادئ ومستقر يدعم شعور الطِّفل بالأمان والانتماء، ويحد من تطوّر الغيرة والمشاعر السلبيَّة نحو الآخرين.
4. الحفاظ على اهتمام ثابت بالأطفال عند قدوم مولود جديد.
على الوالدين الاستمرار في رعاية الأطفال السَّابقين دون تغيُّر في مستوى الاهتمام أو الحبِّ، مع إشراك الطِّفل الأكبر في العناية بالمولود الجديد، وإشعاره بأنَّه محل ثقة وقدرة على تحمُّل المسؤوليَّة، وهذا يخفِّف من شعور الغيرة، ويزيد لدى الطِّفل شعور الانتماء والأهميَّة داخل الأسرة، ويعلِّمه قيمة التَّعاون والمساندة بين الإخوة.
5. منح الوقت الكافي لكلِّ طفل.
منح كلِّ طفل الوقت الكافي من الاهتمام والرِّعاية يُمكِّنه من الشُّعور بمكانته الخاصَّة داخل الأسرة والاعتراف به وأنَّه فرد مهم. وهذا الأسلوب وسيلة فعَّالة لطرد مشاعر الحقد والعداوة، وزيادة الأمن العاطفي والثِّقة بالنَّفس لدى الطِّفل، ممَّا يرسخ شعوره بالاستقرار ويقوي روابطه الأسريَّة والاجتماعيَّة.
6. توفير الاحتياجات الأساسيَّة للطِّفل.
أن يسعى الوالدان إلى تلبية متطلباته الماديَّة والمعنويَّة ضمن حدود الإمكان، بما يضمن له قدرًا من الاستقرار والطَّمأنينة؛ فالإخلال بهذه الحاجات، ولا سيَّما حين يتَّخذ صورة الفقر أو الحرمان العاطفي، يترك آثارًا نفسيَّة ضاغطة، قد تتجسَّد في مشاعر الغيرة والضِّيق، ثمَّ تنعكس في أنماط سلوكيَّة غير متوازنة.
القسم الثَّاني: أساليب العلاج القائمة على التَّربية والإرشاد.
ويضم الإجراءات التي تُعنى بتعليم الطِّفل مهارات التَّعامل مع الغيرة وضبط الانفعالات:
1. تعليم الطِّفل التَّفهُّم والدُّعاء للآخرين.
من القضايا التي يقع توضيحها على عاتق الوالدينِ أن يوضِّحا للطِّفل أنَّ تفوّق الآخرين أو امتلاكهم قدرات وخصال مختلفة عن نفسه أمر طبيعي، وأنَّ كلَّ طفل يمتلك ميزات فريدة لا يملكها الآخرون. وفي هذه الحالة، يُستحسن تعليم الطِّفل الدُّعاء للآخرين؛ وذلك يخفِّف شعوره بالغيرة ويساعد على تنمية روح التَّعاون والمحبَّة. كما ينبغي التَّأكيد على الطِّفل أنَّ مكانته لدى والديه ثابتة ولا تتغيَّر بتفوّق الآخرين، فمحبتهم له لا تقلّ مهما حصل غيره على إنجازات أو امتيازات.
وقد جاء في تعاليم الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ما يربِّي على هذا السُّلوك النَّبيل؛ رُوِيَ عَنْ الإمام مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الكاظم (عليهما السلام) أنَّهُ قَالَ: "كَانَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) إِذَا دَعَتْ، تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمؤْمِنَاتِ، وَلَا تَدْعُو لِنَفْسِهَا.
فَقِيلَ لَهَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، إِنَّكِ تَدْعُو لِلنَّاسِ، وَلَا تَدْعُو لِنَفْسِكِ؟
فَقَالَتْ: الْجَارُ ثُمَّ الدَّارُ" (9).
2. الاستماع للطفل بهدوء وفهم أسباب كرهه للآخرين.
من الوسائل النَّاجحة في علاج مرض الغيرة المفرطة منح الطِّفل فرصة للتَّعبير عن مشاعره وأسبابه بطريقة هادئة، ومناقشته برفق؛ لأنَّ الطِّفل قد يبوح بأسباب لم نكن نعلمها. وبعد فهم هذه الدَّوافع، يمكن اتِّخاذ خطوات عمليَّة وجادَّة لمعالجة المشكلة، وتصحيح السُّلوك، وبناء علاقة طيِّبة مع الآخرين.
3. مدح الطِّفل.
ينبغي مدح الطِّفل، خاصَّة في سنواته الأولى، بطريقة تجعله يشعر بأنَّ مكانته محفوظة، وأنَّ الطِّفل الجديد لا يقلل من قيمته أو يهدد موقعه داخل الأسرة. فالمدح المنسَّق يحد من مشاعر الغيرة والتَّهديد النَّفسي.
وبذلك يتبيَّن من مجموع المحاور والمطالب السَّابقة أنَّ الغيرة لدى الأطفال تمثِّل ظاهرة نفسيَّة وسلوكيَّة دقيقة، تتطلَّب إدراكًا تربويًا متواصلًا من الوالدين، وقد تترسَّخ آثارها في منظومة الشخصيَّة إن أُهملت. فهي قادرة على توليد صراعات في داخل النَّفس تنعكس لاحقًا على نمط العلاقات الاجتماعيَّة ومسار التَّوافق النَّفسي للطِّفل.
غير أنَّ التَّعامل المبكِّر بأساليب تربويَّة متَّزنة، قائمة على العدل العاطفي، وإشباع الحاجة إلى الحنان، وتوزيع الاهتمام بصورة منصفة، وتوجيه السُّلوك توجيهًا إيجابيًا، يحدُّ من تفاقم هذا الشعور، وقد يحوّله إلى مدخلٍ لتعلُّم المشاركة وتنمية روح الألفة بين الإخوة.
إنَّ الوعي بطبيعة الغيرة، ورصد مؤشراتها السُّلوكيّة، ومعالجتها تدريجيًا بوعيٍ وانضباط، يمهِّد لبناء شخصية أكثر قدرة على ضبط انفعالاتها، والتَّكيُّف مع محيطها، وخوض تجارب الحياة بروحٍ سويَّة خالية من العُقد والاضطرابات.



اضف تعليق