تحتاج كل دراسة استراتيجية تهتم بالمستقبل أن تتسلح بأفكار واعية من شأنها الوقوف بمواجهة التحديات التي تعمل على قلب المعادلة الإنسانية، عليها أن تكون - الدراسة - جادة في مخر عباب الأحداث التأريخية؛ وذلك لامتداداتها المتصلة بالحاضر؛ ومساهمتها في إحداث التحولات الكبيرة في خصوصية المجتمعات البشرية ومكوناتها الهوياتية، مؤسسةً شعوراً يتمركز في الذهنية الجمعية.

هناك نمط من الكُتّاب يعمل على ثيمة القفز على الهوية من خلال منطق يشيح بوجهه عن التأريخ وتمثلاته، والذريعة هي الإطلالة على الحضارة من (شرفة التجربة الإنسانية) معتقداً أن الخصوصية سجناً مزعوماً. هؤلاء يستشهدون بالتجربة الأوروبية التي شهدت حروباً تدميرية، ووصلت إلى ما وصلت إليه من تقدم بعد خروجها من الجحيم التأريخي.

نعتقد أن خلطاً حدث هنا في رؤية هذا النمط من التفكير، صحيح أن الحروب التي شهدتها أوروبا في القرون السابقة أحدثت في الإنسانية دماراً، لكن عملية الإنطلاق إلى البناء الحضاري لم تتم عبر إلغاء التأريخ وعدم الإلتفات إليه كما يتوهم كثيرون، ويراد أن يُطبق على نموذجنا في الشرق، بل بوضع المسببات التأريخية على مشرحة نقدية تشخص الخلل الذي أنتج تلك المآسي الكبيرة، ويضع إصبع التحليل على مكان الجرح الحقيقي، والعمل على معالجته بالإبتعاد عن كل ماينتمي للأفكار والتجارب النازية والستالينية والفاشية، وهذه التجارب عندما انطلقت اوروبا لبناء حضارتها صارت تجارب تأريخية، يعني أنهم ناقشوا مسببات التأريخ وانطلقوا لعملية المعالجة.

غير اننا في عالمنا العربي والإسلامي، وعندما واجهتنا ذات المشكلة، لم نضع - مثل الأوروبيين - جذور مشاكلنا على طاولة النقد والتحليل والحوار، بل اكتفينا بترديد جمل إنشائية رومانسية وحالمة، تدعو لنبذ الفرقة واعتزال التأريخ الماضوي، ورحنا نقيم المؤتمرات الوحدوية والمهرجانات الثقافية، ونصفق لقصائد حماسية ينتهي تأثيرها مباشرة بعد نزول الشاعر من منصة الإلقاء، من دون أي التفات حقيقي لأسباب الأزمات والتشظي، وهكذا دأبت أنماطنا التفكيرية وسيطرت على وعينا الجمعي بصورة مخيفة، حتى انطبق علينا قول الشاعر ساخراً : " وَيُعقدُ مؤتمرٌ للسلام…… لنخرجَ منه إلى مؤتمرْ ".

المشكلة أن المنادين بالطلاق الخلعي مع التأريخ لم يلتفتوا إلى المعطيات المرتبطة به والمتداخلة معه، ومن الصعب ترك هذه المعطيات خلف ظهورهم وإن تظاهروا بأنهم تركوها فعلاً، كالمعطيات الدينية والقبلية. وهذان المعطيان يشكلان قيمة حضورية كبيرة في عالمنا العربي، فالمنادي بالإنفلات من (القيد الديني) بحسب رؤيته، نراه يتزوج وفق الأعراف الدينية سواء كانت إسلامية أو مسيحية او يهودية وغيرها، فيصير الدين الذي يريد تجاوزه وعبور تداخله مع التأريخ سبباً في رسم ملامحه المستقبلية على الصعيد الأسري والمجتمعي.

إن وضع التأريخ في سياق إنساني وحضاري، لايعني بالضرورة التنصل عنه بالكامل، واعتباره قامعاً للعقل ومقيداً للتفكير في ظل خريطة وجودية تتغير بسرعة كبيرة، بل حتى أن جملة (التأريخ في سياق إنساني)، تشير إلى ضرورة الإنطلاق من أحداثه وحيثياته إلى آفاق أخرى أكثر حداثة ومعاصرة، وليس بنسفه او إلغائه.

ويرى (محمد عابد الجابري) وهو من كبار منظري التراث والحداثة، أن أية نهضة عربية إسلامية، سيكون من المستحيل عليها أن تتحقق من دون الإنطلاق من التراث العربي الإسلامي، والذي يتمثل في العقيدة والتشريع واللغة والأدب وعلم الكلام، فمالذي سيبقى من الهوية وخصوصيتها في حال الإنفصال عن كل هذه القيم؟، أليس الأفضل أن تكون لنا تصوراتنا واستقراءاتنا الخاصة بتأريخنا؛ حتى نؤصل بها وجودنا وثقافتنا، ونمهد لمستقبل مضيء دون الإتكاء على تراث آخر او الإنتظام فيه بشكل عشوائي؟.

إنَّ التصورات العقلية والموضوعية في دراسة ونقد التأريخ كفيلة بتقديم نموذج مستقبلي لهوية ذي خصوصية، يمكن لها أن تندمج بقيم التقدم والتجدد، وهذا أفضل طبعاً بدلاً من التباكي على مايسمى بـ (هول اللحظة ووحشيتها)؛ بسبب فشل الكتابات التنظيرية في تفسير أحداث التأريخ، أو غض النظر عن تداعياتها؛ لأسباب تتعلق بالسلطة والأدلجة، وغياب شجاعة الإعتراف بفشل المنهج الإلغائي لكل مايمت بصلة للتأريخ والهوية.

نحن ندرك أهمية التقدم التكنلوجي، وضرورة توقف الحروب القائمة على نزاعات إيديولوجية مختلفة تعبث بمصير البشرية، غير ان اعتماد التقدم هنا على ثيمة أحادية تعتمد اللاتاريخ منطقاً، هذه الرؤية تمثل وهماً كبيراً لابد من تجاوزه بعد أن اثبتت الأحداث عدم صموده أمام التحديات التي كادت تعصف بالوجود الإنساني.

ومنذ أحداث الحاد عشر من سبتمبر عام 2001، والتي أنتجت فكرة الحرب على الإرهاب، والعالم يغلي ويلتهب، وانتعش التعصب والتطرف مدعوماً بأنظمة سياسية تنطلق مذهبياً من مسلمات تأريخية، ولم تغب هذه المُسلّمات عن ذهنية القوى العالمية المسيطرة على العالم، فكان من نتاج هذه المُسَلّمات نشوء القاعدة وداعش كتنظيمات تحاول تصدير العنف تحت مسمى إسلامي في سعي ممنهج جعل العالم في حالة نفور من الإسلام في ظل صعود تيارات إسلامية في بعض البلدان التي شهدت ثورات مايعرف بـ (الربيع العربي) إلى الحكم، وصاحب هذا الصعود ممارسات خاطئة سرعان ماثارت عليها الشعوب كما في النموذجين المصري والتونسي، فزادت نسبة الصدمة العالمية وتوزعت بين أنظمة تقمع شعوبها على مستوى الحريات الدينية والمدنية، وبين جماعات تكفيرية فتكت بالوجود البشري. وإذا كانت القوى العالمية الكبيرة قد رحبت بالتغييرات (الربيعية)، وباركت للشعوب خلاصها من الأنظمة التي جثمت على صدورها رغم علمانيتها وليبراليتها، فإنها بالمقابل صمتت عن بعض الثورات والإنتفاضات الشعبية في بلدان تمثل أنظمتها السياسية دعماً مالياً وسياسياً وإعلامياً لجماعات التطرف التي قلنا انها تنطلق من المُسَلَّم الفقهي المرتبط والمتداخل مع التأريخ، بينما نجد المفكرين والمثقفين يكثفون الدعوات إلى تبني منطق اللاتأريخ. وحقيقة لانعرف كيف لنا -أمام هذه الإشكاليات والتعقيدات بتمظهراتهاالسياسية والدينية - تجميد التأريخ والإنطلاق لبناء حضاري؟ ألا نخشى في ظل التهاب المنطقة بصراعاتها أن يذوب جليد الإبتعاد عن التأريخ فتنتعش الأزمات الماضوية؟.

الحاجة للوسطية

نحن اليوم بحاجة ماسة إلى تعميق الأواصر وتعزيزها منطلقين من هويتنا والناصع من تراثنا، فالهوية نتاج علاقة الذات بالمجتمع، وليس المقصود بالمجتمع هو الحاضر فقط، بل الذي له امتداداته الزمنية، وتداخله مع القيم الأخرى وأهمها اللغة، ولغتنا مرتبطة بكلام الله سبحانه، وهي اللغة الوحيدة التي استطاعت إنتاج حضارة من خلال تلازمية العلاقة بينها وبين الهوية الجامعة على أسس إنسانية بالدرجة الأساس.

نحن كذلك في حاجة لاستنفار الكتابات الواعية التي تقف بوجه محاولات تسطيح الهوية وإفراغها من محتواها نتيجة صراع المفاهيم، بين قومية تقصر الهوية على فكرة أحادية تتمثل في تمجيد أواصر الدم واللغة والمصير المشترك، وغيرها من الشعارات القومية التي أرادت أن تحل بديلاً للدين، وبين ليبرالية قامت على أنقاض الشيوعية والعلمانية، وهي تسعى لتمييع الخصوصية بواسطة سلطة الغريزة، بعد تصدير مفهوم القرية الكونية الصغيرة التي يجتمع العالم فيها، فينساق أفراد البلدان النامية لهذا التصور هروباً من انعكاسات واقعهم الذي يزيد من أوقات فراغهم؛ بسبب البطالة المستشرية في هذه البلدان كنتيجة حتمية لسوء الإقتصاد، واجتهاد السلطات في إبقاء الشعوب خارج دائرة الوعي، وإشغالها بصراعات داخلية تارة، وخارجية تارة أخرى، وأيضاً محاولات ترغيب أصحاب الأقلام من الكتّاب والمفكرين وترهيبهم، فيكونوا صدى سيئاً لكل الممارسات السلطوية الخاطئة.

إذاً، تكون الوسطية هي الحل الأمثل لهذا الصراع، وبها نضمن عدم القفز على الهوية، وبها ننطلق لآفاق تجديدية، والوسطية يمثلها منطق إسلامي معتدل، يؤمن بالحوار الصريح والنقد البناء واحترام المختلف.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
العراق
عندما ابتعدت الأمة عن تاريخها المجيد أصيبت بفيروس الارهاب2016-11-07