الحق يحرركم ليست عبارة للاستهلاك الروحي، بل هي مفتاح لوعي جديد، انتخابيّ، سياسيّ، إنسانيّ، يُعيد تعريف الكرامة لا بوصفها هدية، بل استحقاقاً لا يُمنح إلا لمن يدفع ثمنه وعياً وإيماناً وبصيرة. كل صباح، إذا كنت ما تزال حياً، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل أنا مختطَف دون أن أدري؟...
لا أحد يستيقظ مختطَفاً فجأة. الأمر لا يحدث على نحو درامي كما في الأفلام، بل يتسلل كالصدأ في المعدن. تبدأ الحكاية بتنازل صغير، بصمتٍ أمام كذبة، بتأجيل للغضب، إلى أن تجد نفسك داخل قفص فاخر، محاطاً بكل ما يشبه الحياة، لكنه لا يشبهك.
في هذا الجزء من العالم، لا نحتاج إلى عصابات منظمة لنعلن أننا شعوب مخطوفة. نحن نعيش في واقع متخم بالأقفاص: أقفاص الفكرة الواحدة، الزعيم الأوحد، اللغة التي يُراد لها أن تُقال، والدين الذي يجب أن يُفهم على نحو واحد. يتقن الجميع تلاوة الشعارات، ويظنون أن الترديد يمنح المعنى. لكن الحقيقة، حين تفقد قدرتها على التخفي، تُقتل.
الحرية، ليست باباً يُفتح، بل وعي يتشكل. والحق، كما فهمه المسيح حين قال “الحق يحرركم”، ليس قانوناً أو مكافأة أو نتيجة مناظرة انتخابية، بل هو لحظة انكشاف داخلي، إدراك بأننا لسنا كما يجب أن نكون.
في العراق، حيث يختلط الغبار بالنفط، وحيث تُفرش الطرقات بمواكب الولاء، لا تزال الكارثة تتكرر بصور جديدة. الذين كنا نعرفهم حفاة صاروا الآن أصحاب عقارات وأبراج، يملكون ما يفوق أحلام الأثرياء، لا لأنهم اجتهدوا أو تميزوا، بل لأنهم عرفوا كيف يُخطف وطن، وكيف يُغلف الحطام بورق الشكر. هؤلاء ليسوا فقط خاطفين، بل يملكون الجرأة ليطالبونا بالتصفيق.
الانتخابات. مناسبة يقول عنها الكثيرون إنها تكرارٌ لا جدوى منه. لكن العجز ليس في صندوق الاقتراع، بل في من يصوت وهو يظن أن صوته لا يغيّر. الذين صعدوا على أكتاف الشهداء لا يتحملون ذنب الميّت، بل ذنب الحيّ الذي بارك تسلّقهم. ليست المشكلة في من كذب، بل في من صدق الكذبة مراراً.
كلّ شيء في هذه الأرض قابل للاختطاف: الهواء، التاريخ، الذاكرة، الصوت، حتى الكلمات. الحلم نفسه أُسر، وأُجبر على العيش تحت شروط لا تشبهه. ومع ذلك، لا أحد يخرج صارخاً من الحلم، لأن الأسر حين يُطول، يصبح وطناً بديلاً.
ولذلك فإن أخطر أنواع الأسر ليست التي تفرضها الأنظمة، بل تلك التي نبنيها نحن في دواخلنا، بجبننا، بتبريراتنا، بخوفنا المزمن من التغيير. أن تخاف أن تفتح النافذة لأن الضوء قد يزعج عتمتك، هذه هي ذروة العبودية.
الحقيقة ليست شارة نعلّقها على صدورنا، ولا لافتة في مظاهرة، بل هي ذلك الصوت الداخلي الذي يوقظك من وهمك، الذي يقول لك: هذا الطريق لا يشبهك. هذا الخطاب لا يمثلك. هذا السقف ليس سماءك.
هناك من يرى أن الانتخابات مجرد إعادة تمثيل، لكن حتى التمثيل يحتاج جمهوراً يملك ذائقة، يعرف متى يصفق، ومتى يغادر المسرح غاضباً. التغيير لا يصنعه القدر، بل الإرادة حين تتحرر من الجهل، حين ترى الأمور كما هي لا كما يُراد لها أن تبدو.
أن تصوت، هو أن تختار بين استمرار الأسر، أو بداية التحرر. ليس شرطاً أن تتحرر الأرض كلها دفعة واحدة، لكن أن تبدأ بتحرير وعيك، فهذا كافٍ لتكون إنساناً. أن تضع ورقة في صندوق الاقتراع، وأنت تدرك أنك تميّز الحق من الباطل، فهذا وحده كافٍ لتبدأ بتهديم السجن من الداخل.
ليست الأصوات هي المختطفة وحدها، بل حتى اللغة. صارت الحرية شعاراً باهتاً، والعدالة قميصاً ممزقاً، والمواطن مجرد رقم في حملة انتخابية. لكن الأمل، حين يُسقى بالمعرفة، لا يموت.
من لا يعرف الحق، لا يستطيع أن يتحرر. ومن لا يتحرر، لا يستطيع أن يختار. ومن لا يختار، يظل يدور في حلقة المخطوفين الذين يعتقدون أنهم طلقاء فقط لأن سجنهم بلا قضبان.
إن المسيح لم يكن يدعو إلى ثورة ضد الإمبراطورية، بل إلى ثورة ضد الجهل. كما أن الحسين لم يكن يطلب السلطة، بل كان يسعى لإزاحة الحجاب عن الحقيقة، وإجبار العقل على أن يفتح عينيه. كلاهما، بطرق مختلفة، دعوا إلى شيء واحد: أن يبدأ الإنسان ثورته من داخله، من وعيه، من رفضه أن يكون رقماً ضمن قطيع، من إيمانه بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالمعرفة.
“الحق يحرركم” ليست عبارة للاستهلاك الروحي، بل هي مفتاح لوعي جديد، انتخابيّ، سياسيّ، إنسانيّ، يُعيد تعريف الكرامة لا بوصفها هدية، بل استحقاقاً لا يُمنح إلا لمن يدفع ثمنه وعياً وإيماناً وبصيرة.
كل صباح، إذا كنت ما تزال حياً، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل أنا مختطَف دون أن أدري؟ وإن أجبت بـ”نعم”، فاعرف أن أول الطريق إلى الخلاص، هو أن تعرف من خطفك، ومن تُسلّم له حريتك كل يوم وأنت تبتسم.



اضف تعليق