انضّم العراق الى منظمة السياحة العربية، وهي خطوة جيدة، ولكن هل تفعّلت السياحة في بلادنا، بالتأكيد لا، لماذا؟، لأننا لم نرسم الخطوات العملية لها، ولأننا لم نفكر مليا بالأهداف غير المنظورة للسياحة، فهي ليست مصدرا للدخل القومي فحسب، بل من شأنها التخفيف من حدة التطرف والغلو، وترطيب المزاج الاجتماعي المتشنج...

ما زرت اسطنبول الفريدة بجوامعها والعادية ببعض مواقعها السياحية الا وانتابتني مشاعر الحزن والتذمر من أصحاب الأمر والنهي في بلادنا الذين مازالوا ينظرون الى باطن الأرض للحصول على المال من دون أن يلتفتوا الى خزائن أخرى يمكنها جعل بلادنا أكثر ثراء، ودائما ما أتساءل مع نفسي، مَنْ الذي يفك؟، تشعر ان الأمور تمضي بطريقة عشوائية، فطالما النفط يُدر أموالا طائلة، ويمنحنا القدرة على توزيع الرواتب في رأس كل شهر، ومعها بمقدورنا اخماد الأزمات، واغراءنا بخوض الحروب. 

فلا داعي للتفكير في تنويع مصادر الدخل، وأبعد ما نكون عن القلق الذي يساور العالم كله فيما اذا نشفت الآبار، ومع ان المستقبل يقلقنا أيضا، لكننا لم نفكر بشأنه، ليس لأننا واثقون منه، بل لأننا لم نعه.

برج (غلطة) الذي لم يمض على تشييده سوى ما يقرب الستة قرون، ويزدحم الأن بالسياح من مختلف الجنسيات، تحيطه المطاعم والمقاهي والملاهي ومحال بيع الملابس والهدايا من جميع جوانبه، موفرا الآلاف من فرص العمل للشباب، ومفعّلا المكان بطريقة مثيرة وجذابة، حتى ان زائر اسطنبول تبقى زيارته ناقصة ان لم يمر ببرج غلطة الذي يوفر لصاعده اطلالة بانورامية لخليج البسفور المكتظ بالسفن السياحية، لا يحتاج الأمر الى الكثير من الوصف، فلا أظن سياسيا او مسؤولا تنفيذيا عراقيا لم يزر اسطنبول، لكن الأمر الذي يستوجب هو سؤالهم ، ماذا تعلمتم من زياراتكم الرسمية والسياحية لتركيا وايران على أقل تقدير.

لا يمكن لأي دولة أن تقارن ببلادنا من حيث ثرائها السياحي، ففي بغداد وحدها توجد من المعالم ما هو أكثر عراقة من برج غلطة، يكفينا عقرقوف وطاق كسرى والمدرسة المستنصرية، هذا فضلا عن المزارات الدينية، وهو ما يجعل برج غلطة صغيرا ازاء شموخ هذه المعالم التاريخية. وبدل أن تدر علينا من المال ما يعظّم خزينة الدولة، صارت الحكومات تنفق عليها لأغراض الترميم والصيانة.

نعم، انضّم العراق الى منظمة السياحة العربية، وهي خطوة جيدة، ولكن هل تفعّلت السياحة في بلادنا، بالتأكيد لا، لماذا؟، لأننا لم نرسم الخطوات العملية لها، ولأننا لم نفكر مليا بالأهداف غير المنظورة للسياحة، فهي ليست مصدرا للدخل القومي فحسب، بل من شأنها التخفيف من حدة التطرف والغلو، وترطيب المزاج الاجتماعي المتشنج، واشاعة أجواء البهجة والاسترخاء والأمل، وتعويد الناس على قبول حرية الآخر، وهذا يفترض بنا جميعا جعل السياحة من ضمن أولويات الاهتمام.

مرة اقترحت على أحد المحافظين أن نحّول شارع متوسط الطول في منطقة جاذبة الى شارع سياحي، وذلك بمنع دخول السيارات اليه، ومنح الناس حرية الحركة فيه من دون أن يزعجهم مرور المركبات والدراجات وأصوات منبهاتها وافرازات عوادمها، فاقسم لي بأمانة الله ورسوله انه فكر بالأمر، لكن المباشرة فيه تؤدي الى ارتفاع أسعار العقارات، طبعا لا ربط بين الأثنين، لكن تعذر عليّ رده أمام الحاضرين، فمثل هذه الشوارع موجودة في مدن العالم ومنها شارع (تاركوفي) في اذربيجان وشارع (النافورة) في أرمينيا وشارع (الاستقلال) في تركيا. 

ما أتمناه ان لا ينفرد المسؤول الأعلى باتخاذ القرار حيال المقترحات التطويرية، قد تكون ثقافته لا تؤهله، او خلفياته الاجتماعية تتعارض مع فكرة المقترحات، لا بد من تشكيل لجنة من اختصاصات مختلفة، وان لا تقتصر على موظفي الدائرة المعنية، بل تضم في عضويتها فنانين وأدباء ومثقفين وأكاديميين.

قد لا أكون مغاليا اذا قلت ان نسبة (99 بالمئة) من أبنائنا لم يروا المدرسة المستنصرية او عقرقوف او ملوية سامراء او آثار بابل، لذا اقترح على وزارة التربية الزام مدارسها بتنظيم سفرات سنوية لطلبتها، ولكي نجذب الأطفال لهذه المواقع أدعو البلديات الى انشاء متنزهات ومدن ألعاب قربها، نريدهم ان يتعلموا ويعرفوا باللعب، فالآثار لوحدها لا تعني شيئا للأطفال.

اضف تعليق