في كل موقف محلي او دولي يشدد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على أهمية تحقيق التنمية المستدامة، ويؤكد دعمه لتحقيق هذه الغاية التي يعتبرها من الغايات النبيلة التي تأتي في مقدمة أولويات الحكومة، ومع تقادم الوقت ومرور الأيام يتضح ان لا شيء يتقدم او يتحقق وفق ما مرسوم له، وهو ما يوضح غياب او قصور الرؤية الحكومية.

السوداني أكد خلال مشاركته في قمة أهداف التنمية المستدامة المنعقدة في نيويورك، أن حكومته تبذل جهودا كبيرة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مشيرا الى احراز تقدما نسبيا ضمن هذا الإطار.

وربما يتقدم أحد المراقبين او المختصين في مجال التنمية الى رئيس الحكومة، بالسؤال الآتي، سيادة الرئيس هل بإمكانك اطلاع الرأي العام على نسب تحقيق التنمية المستدامة او هل اقتربت حكومتك من تحقيق هذا الهدف؟

ستتعذر عليه الإجابة بالتأكيد، كونه لا يعرف ماذا تحقق وكيف سيحقق المتبقي، الضبابية هي المسيطرة على المشهد العمومي في البلاد، الأوضاع الداخلية غير مستقرة تماما، من الناحية السياسية هنالك جزء لا يزال خارج العملية السياسية من الناحية الشكلية.

ولم يكن من ضمن حكومة السوداني، مع معرفة الأخير بأهمية ان يشارك التيار الصدري في مفاصل الحكومة ليضمن الاستقرار المرحلي الى حد ما، وقد تمضي الحكومة باتجاه تسريع اجراء الانتخابات المبكرة لعودة التيار السياسية وان كانت من الباب الخلفي بعد إعلانهم المقاطعة الفعلية للعملية السياسية.

اما الوضع الاقتصادي فيمر بحالة حرجة ومتناوبة لا يمكن منحها توصيفا دقيقا، فالدولار لا يزال غير مستقر مع الإجراءات الحكومية الكثيرة، الى جانب التوصيات الامريكية بضرورة السيطرة على عملية خروج العملة الأجنبية، ومع ذلك تبقى جميع الإجراءات في هذا الجانب متعثرة ولا ترتقي لان تكون حلولا ناجعة.

ولا يقل أهمية ما يتعلق بالجانب الأمني، فلا تزال صعوبة إدراج العراق ضمن البلدان او المناطق الآمنة، اذ يشهد بين فترة وأخرى تطورات امنية تنم عن ضعف او خلل واضح في المنظومة الأمنية بكاملها، واخير هذه الخروقات المواجهات في قاعدة عين الأسد والقصف المستمر على بعض الفصائل.

كل ذلك يعني ان البلد غير محصن امنيا وقابل للانزلاق بفوضى امنية، على الرغم من التصريحات المتكررة من قبل القادة الأمنيين، الذين يغضون طرفهم عن الخروقات الأمنية، يحاولون تقليل أهميتها امام الرأي العام وعدم تعليق التقصير على شماعتهم.

عدم وضوح الرؤية الحكومية جعلها تتخبط في عملها ولا تركز على اتجاه دون الآخر، اذ تعمل على تطوير القطاعات بمجملها، تريد النهوض في القطاع الزراعي، وتطوير الصناعة المحلية، وبناء المستشفيات والمدارس، والعمل على فك الاختناقات المرورية، وإدخال النظم التعليمية الرصينة الى الحقل الأكاديمي.

التركيز على هذه القطاعات بهذه الصورة امر ينذر ببقائها دون المستوى المطلوب غير قابلة للتطور والتقدم بالشكل الذي تريده الحكومة او أعلنت عنه في بداية التكليف، وكان الاجدر بها التركيز على جانب معين واتخاذه أنموذج لبقية القطاعات، مع ضرورة مراعاة الأهداف والاستراتيجيات العامة لكي تسير الخطة بمسار متواز من أهداف الدولة التنموية.

فعلى سبيل المثال عندما وضعت بعض الدول العربية المتقدمة امامها هدف ان تكون الوجهة السياحية الأولى في المنطقة او على مستوى العالم، وضعت لتنفيذ هذه الرؤية استراتيجية واضحة وفق سقف زمني، بعدها تضافرت كل الجهود وكل الجهات الحكومية حتى تكون دبي أفضل وجهة سياحية، وكان لها ذلك بإقرار قوانين ولوائح وتشريعات تعنى بالسياحة.

واستكملت هذه الإجراءات ببناء الفنادق والأسواق والمجمعات التجارية والمدن الترفيهية لتكمل مشروعها الكبير للسياحة، حتى الطرق والشوارع والمرور وقوانينها ولوائحها أصبحت متماشية مع قانون السياحة الخاص بها.

هكذا تتطور البلدان وبخلاف ذلك تبقى دون مستوى الطموح، فالعراق ونتيجة لغياب الرؤية الحكومية الواضحة سيبقى يراوح في مكانه ان لم يتراجع، لا نعرف اين سيتجه، هل هو بلد صناعي؟ ام زراعي؟ ام مصدر او مستورد؟ هويته غير واضحة كما رؤيته، وهو ما يستدعي قيام الحكومة بوضع خطة تنموية قابلة للتطبيق حتى تتمكن جميع الجهات الحكومية من العمل عليها لتحقيقها.

اضف تعليق