من الآمن القول أن العلاقات الصينية التركية أصبحت اليوم أكثر ديناميكية منذ فبراير 2012؛ حيث تصدر التعاون الاقتصادي مشهد العلاقات بين البلدين خاصة في قطاعي الطاقة النووية والسكك الحديدية حتى أصبحت تركيا في العام نفسه "شريكًا في الحوار" لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO).

وبعد سنوات من التقارب والتعاون الاستراتيجي تنامت أكثر علاقات تركيا مع الصين رغم بعض الأزمات التي اعترضت توازن تلك العلاقات -مشكلة الايغور واللاجئين- فوفقًا لمعهد الإحصاء التركي تكثفت العلاقات الاقتصادية التركية الصينية منذ عام 2016 حيث ارتفعت التجارة الثنائية إلى (27.8) مليار دولار في عام 2016، ووصلت إلى (21.66) مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من عام 2017، كما أكدت وزارة التجارة الصينية أن قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني عام 2016 في تركيا بلغت (642.3) مليون دولار، في المقابل اشترت شركة الهواتف الذكية الصينية العملاقة ZTE (48.8) في المائة من شركة Telekom التركية في ديسمبر 2016 ووقع بنك زراعات المدين للدولة في تركيا اتفاقية ائتمان بقيمة 600 مليون دولار مع بنك التنمية الصيني.

أين تعززت المشاريع الاقتصادية، وحسب احصائيات مركز الإحصاء التركي دائما كشفت البيانات حاليا (احصائيات 2022) ارتفاع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة (7.6 في المئة) مقابل توقعات بنمو( 7.5 في المئة) إذ صرح السفير الصيني لدى أنقرة، ليو شاوبين مؤخرا أن "الصين أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي 2021 (235.9 مليار دولار) وأن التعاون الاستراتيجي بينها يزداد عمقا" كما أكد أن تركيا والصين دولتان ناشئتان وأن التعاون بينهما في السوق الناشئ سيفيد جميع دول المنطقة والعالم.

رغم ذلك فإن بكين التي تظهر جانبا من التفاؤل الحذر بشأن العلاقات المستقبلية مع أنقرة، حريصة على تجنب الاقتراب الشديد من تركيا، خشية أن تعرض سياسات تركيا الأخيرة تجاه سوريا أو إيران أو روسيا أو الغرب مصالحها الخاصة للخطر لذا يبدو أن تركيا ليس لديها استراتيجية واضحة في صياغة علاقاتها مع بكين، كما أن أغلب المراقبين لتسارع وتيرة تطور هذه العلاقات يدركون تماما أن تطوير الشراكة الاستراتيجية التركية الصينية لم تتشكل من فراغ بل كانت على خلفية اغتراب تركيا الاستراتيجي عن الغرب خاصة بعد الانقلاب العسكري الفاشل في تموز (يوليو) 2016 حيث أصبحت علاقات تركيا مع الغرب في أدنى مستوياتها على الإطلاق، لذلك دفعت هذه الوضعية الجديدة إلى التفكير فيما إذا كانت علاقة أنقرة المتزايدة التوتر مع الغرب قد تؤدي إلى تحول جوهري في توجهها الاستراتيجي نحو الشرق، وهو ما يفسر تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مناسبات عدة إلى أنه قد يتخلى عن سعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مقابل العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون.

هنا تطرح اشكالية مهمة في تحليلنا هذا ترتبط بإمكانية حل مشكلة عدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي- بعد مرور 40 عامًا على محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- من خلال تعويضها بالانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون خاصة بعد التقاء الرئيس شي جين بينغ بنظيره التركي رجب طيب أردوغان وحثه على "الثقة السياسية المتبادلة" بين الجانبين خلال اجتماع أمني إقليمي في آسيا الوسطى بتاريخ 16 سبتمبر 2022 مما سوف يجعل تركيا تعيد حساباتها الإقليمية حسب قول هوارد آيسنستات (أستاذ مشارك في التاريخ بجامعة سانت لورانس).

الأدوار التي يمكن أن تقوم بها تركيا مقابل الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون

تعتبر تركيا شريك حوار لمنظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست في عام 2001 وهي منظمة سياسية واقتصادية وأمنية أوروآسيوية، فمن حيث النطاق الجغرافي والسكان، فهي أكبر منظمة إقليمية في العالم، وتغطي حوالي (60٪) من مساحة أوراسيا، و(40٪) من سكان العالم، وأكثر من (30٪) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتتألف من الصين والهند وباكستان وروسيا وأربع دول في آسيا الوسطى وبالتالي تغطي أوراسيا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وغرب آسيا، كما تعمل الصين على تعزيز التعاون الاقتصادي منذ 2013 من خلال مبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي للتعاون بالتوازي وتولي مزيدًا من الاهتمام للدور السياسي الدولي لمنظمة شنغهاي للتعاون وتعزيز مكانة المنظمة وهو الدور الذي أكد عليه الرئيس شي في البيان الأخير (16/9/2022) الذي ألقاه حمل عنوان: "الركوب على اتجاه العصر وتعزيز التضامن والتعاون لتبني مستقبل أفضل" حيث صرح قائلا: نرحب بجميع الأطراف للمشاركة في تنفيذ مبادرة الأمن العالمي، والالتزام برؤية الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وبناء هيكل أمني متوازن وفعال ومستدام، انطلاقا من ذلك تحرص الصين حسب تحليل رئيس رابطة أخصائيي العلاقات الحكومية (GR League) في الاتحاد الروسي على نوع جديد من المفاهيم ونوع جديد من العلاقات الدولية، ومفهوم أمني جديد، بالمقابل تثبت جدواها وتكون نموذجًا للدبلوماسية الصينية الناجحة، فلم تشارك الصين ودول أخرى في منظمة شنغهاي للتعاون في العقوبات ضد روسيا التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا ولم تكن هناك خلافات أو تناقضات بين دول منظمة شنغهاي للتعاون بسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

أكد شين أيضا على دعم التعددية قائلا: " يجب أن نظل حازمين في حماية النظام الدولي المتمركز حول الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، وممارسة القيم المشتركة للإنسانية ونرفض لعبة محصلتها صفر وسياسة الكتلة" "يجب تعزيز تطوير وتوسيع منظمة شنغهاي للتعاون وإفساح المجال الكامل لتأثيرها الإيجابي، سنخلق زخمًا قويًا وديناميكية جديدة لضمان السلام الدائم والازدهار المشترك لقارة أوراسيا والعالم بأسره" تؤيد الصين دفع توسع منظمة شنغهاي للتعاون بطريقة نشطة وحكيمة".

فعلا في هذا الصدد تم التوقيع على مذكرة التزامات بشأن عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون؛ كما بدأت إجراءات انضمام بيلاروسيا؛ من جهة توقيع مذكرات تفاهم تمنح مصر والمملكة العربية السعودية وقطر و وضع شركاء حوار منظمة شنغهاي للتعاون؛ أيضا تم الاتفاق على قبول البحرين وجزر المالديف والإمارات العربية المتحدة والكويت وميا نمار كشركاء جدد في الحوار، فماذا عن تركيا؟

مما لا شك يأتي جدوى انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون وتعزيز علاقاتها مع الصين- باعتبار هذه الأخيرة القوة الكبرى في المنظمة- ردًا على مماطلة الإتحاد الأوروبي في حسم قرار عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي، لذلك نتوقع أن يفرز انضمام تركيا إلى منظمة شينغهاي للتعاون - إذا تم الانضمام في المستقبل القريب- مزيدا من تأزم العلاقات التركية الأوروبية كما أنه يضع تركيا في مواجهة موقعها في حلف الناتو وهو الأمر الذي لن تستطيع تركيا التفريط فيه مطلقا مقابل عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون، فشي يدعو إلى مزيد من "الثقة السياسية" مع تركيا بالمقابل عبّر الرئيس رجب طيب أردوغان عن رغبته في الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وبالتالي فإن تركيا وحسب عديد المعطيات والمتغيرات الدولية ستلتزم بلعبة شد الحبل في تحديد أدوارها هنا يجادل هولستي K.J Holsti في نظرية الدور- نظرية الدور في العلاقات الدولية- بأن تصرفات الحكومات قد تكون مستنيرة أيضًا من خلال "مفاهيم صانعي السياسة الخاصة لدور أمتهم في منطقة أو في النظام الدولي ككل.

وفق هذا الطرح ستحتاج تركيا إلى تحقيق التوازن بين مجموعة متنوعة من الأدوار ومتعددة الأبعاد.

أولا: حسم ورقة الانضمام الى الاتحاد الأوروبي وحل الخلافات العالقة خاصة مع اليونان لكننا لا نتوقع حدوث ذلك لأن الاتحاد الأوروبي لن يغير موقفه تجاه تركيا من المنظور القريب.

ثانيا: دورها كعضو في حلف الناتو ونحن نعلم أن الولايات المتحدة تعتبر منظمة شنغهاي للتعاون منظمة معادية للغرب مما قد يوتر العلاقات بين تركيا وأمريكا وطبعا لا نتوقع سلوك معاد للغرب من قبل تركيا رغم تراجع العلاقات بينهما، ومن زاوية أخرى تبرز للواجهة مشكلة التسليح الذاتي لتركيا واتفاقيات التعاون مع روسيا.

ثالثا: دورها في الشرق الأوسط من حيث مكاسب تركيا في الحرب السورية أمام مصالح روسيا كطرف فاعل في هذه الحرب.

رابعا: دورها في آسيا الوسطى من حيث موازنة دور تركيا لتأثير الصين في آسيا الوسطى في لعبة التنافس على النفوذ في آسيا الوسطى.

خامسا: دورها في الفضاء الأوراسي ككل وتعزيز نفوذها الأوراسي خاصة وأن القوى الناشئة والصاعدة اليوم تعمل على تطوير أشكال جديدة للدبلوماسية و التنافس الجيوسياسي في اللعبة الجيوسياسية العالمية و ونزاعات السيطرة على مصادر الطاقة العالمية.

بالتالي فإن تركيا باعتبارها دولة جسر بين الشرق والغرب، ستقوم على الأكثر بدور الوساطة في حل بعض القضايا الإقليمية من جهة ستعمل جاهدة للحصول على دعم الغرب خاصة في قضايا حقوق الانسان واللاجئين وتعزيز الاستقرار الاقليمي والدولي كما ستعمل على اقناع الدول الأعضاء الحالية في منظمة شنغهاي للتعاون خاصة موافقة الهند لتصبح عضوًا، كل هذه الاعتبارات والأدوار ستحسم تركيا بموجبها عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون وما إذا كانت هذه العضوية كبديل حقيقي لتركيا عن عضوية الاتحاد الأوروبي.

* باحثة جزائرية تخصص إدارة دولية
[email protected]

اضف تعليق