شهد العراق ما بعد عام 2003 العديد من الازمات السياسية، ولعل جميعها كانت مفصلية وحساسة، وكانت تمثل نقطة اختلاف عميقة بين القوى السياسية الرئيسة (الشيعية والسنية والكردية)، وعلى الرغم من حداثة التجربة السياسية لهذه القوى وقلة خبرتها السياسة، لكن سرعان ما يتم تجاوز تلك الازمات؛ وذلك بسبب قوة الفاعل الأمريكي في السنوات الأولى من عمر العملية السياسية، الذي كان بمثابة ضابط الايقاع لكل مفاصل العمل السياسي والمرجع لأغلب الاطراف السياسية، فضلاً عن نشوة الابتهاج السياسي لهذه القوى بالتخلص من صدام حسين ونظامه، وهي ترسم ملامح الخارطة السياسية الجديدة "الخاصة بها" التي تقوم على كسب الهويات الفرعية والحزبية والمذهبية وتوطينها سياسياً، ولم تكن تلتفت للقضايا المفصلية بقدر ما كانت تريد ان تثبت وجودها السياسي على المستويين (الداخلي والخارجي) لذلك كانت سياسة ترحيل الازمات حاضرة وبقوة مع كل أزمة مفصلية من الممكن أن تودي بحياة العملية السياسية والنظام السياسي القائم، فضلاً عن مكاسبهم السياسية والحزبية التي تحققت بسرعة فائقة.

فاذا رجعنا بالذاكرة لأغلب الأحداث التي مرت على العراق بعد عام 2003 نجد أغلبها كانت احداث مصيرية، شكلت أوقاتاً مفصلية في تاريخ البلاد، منها على سبيل المثال، تنظيم أول انتخابات للجمعية الوطنية والتصويت على الدستور الحالي، ثم بروز الاستقطاب الطائفي، ثم جاءت انتخابات 2010، وما رسمته من كارثة سياسية ودستورية بحق المادة الخاصة بتفسير مفهوم الكتلة الأكبر، ثم اجتياح داعش لثلث العراق كنتيجة للشحن الطائفي وتدخل دول الجوار في إدخال المقاتلين المتطرفين من كل العالم ونقلهم للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإرهابي، ثم انتخابات عام 2018، التي لم تختلف على مفهوم الكتلة الاكبر فحسب، بل قفزت عليها وذوبتها سياسياً، من خلال تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء بعد أشهر طويلة من المباحثات والمناكفات بين القوى السياسية.

لكن حتى هذا الوقت "انتخابات 2018" كانت المعادلة السياسية في العراق تدار بإرادة خارجية وقبول داخلي من قبل القوى الفاعلة في إدارة المشهد السياسي، ولاسيما في تسمية رئيس الوزراء.

بعد ذلك جاءت احتجاجات أو انتفاضة تشرين عام 2019، التي غيرت المشهد والمزاج السياسي وقوضت المعادلة السياسية المتعارف عليها في العراق بعد عام 2003، ليس لكونها اطاحت بحكومة وأتت بغيرها أو غيرت المفوضية وقانون الانتخابات، وإنما لكونها اختلفت عن كل الاحتجاجات السابقة، سواء تلك الاحتجاجات التي خرجت في عام 2011، او تلك التي خرجت بين الاعوام (2015-2018)، فالأولى كانت مدنية تقتصر على الناشطين والمدونين المدنيين والشيوعيين، ولم تمثل تهديد حقيقي للأحزاب الماسكة بالسلطة ولا لمكاسبها ووجودها السياسي، والثانية كانت محصورة بأنصار التيار الصدري المشارك في العملية السياسية وإدارة الحكم في العراق، والمتهم من قبل مناوئيه وخصومه السياسيين بتقاسم (كعكة الحكم في العراق).

أما تشرين فكانت بمثابة تهديد حقيقي وراديكالي للنظام والعملية السياسية وللأحزاب والقوى السياسية، ولاسيما تلك القوى المدعومة خارجياً وإقليمياً، وكانت احتجاجات تشرين بمثابة الحركة الشعبوية التي تريد ان تعيد صياغة المفاهيم السياسية وإدارة الدولة بمفاهيم وطنية وقومية بعيداً عن الإرادة الخارجية.

لو بحثنا في موقف السيد الصدر والتيار الصدري بشكل عام من كل تلك الاحداث "انفة الذكر" سنجد بان السيد الصدر تعامل مع كل أزمة بشكل شعبوي تقريبا "لو صح التعبير" بما يريده انصاره والشارع العراقي من المتذمرين والناقمين على القوى السياسية وطريقة إدارة الدولة، وبما يوحي بأنه سيضع حلولاً للأزمة القائمة، لكن مع كل مرة، تفشل جهود السيد الصدر "بسبب أو بآخر"، وبعضها اثبت قراءته السياسية فيها، فعلى سبيل المثال، اذا ما اخذنا موقف السيد الصدر من الدستور وعدم التصويت له عام 2005، سنفهم بأنه كان محقاً بذلك، ولاسيما مع الفترة القصيرة التي اعد بها الدستور تحت مظلة الاحتلال الأمريكي، وقلة الخبرة السياسية والدستورية للقوى السياسية الشيعية، وضبابية المشهد السياسي الذي لم تتضح ملامحه السياسية بعد، وهي اسباب اثبتت صحتها التجربة السياسية بعد 17 سنة تقريباً من تاريخ التصويت على الدستور العراقي.

وكذلك الحال بالنسبة لموقف السيد الصدر من مقاومة الاحتلال الأمريكي، واعتراضه على العملية السياسية في ظل وجود الاحتلال؛ الامر الذي عرضه للانتقاد السياسي والمطاردة القانونية له ولاتباعه، فضلاً عن مواقفه السياسية من الأزمات الأخرى، كعلاقته مع إيران، التي وصفها في بداية مشاركته السياسية، بانها علاقة عقائدية وليست سياسية، على الرغم من أن دور طهران في ذلك الوقت كان طفيفاً جداً في العراق مقارنة بالدور الأمريكي، ومواقفه السياسية من قضية تشكيل الحكومات العراقية واشتراطاته السياسية عليها، التي تراوحت بين الانسحاب من الحكومة "عبر سحب وزراءه في مرات عديدة" والاحتجاج والتظاهر عليها ومحاولة اسقاطها "كما حدث في عام ( 2016) واعتصامه على اسوار المنطقة الخضراء واجتياح انصاره لمجلس النواب العراقي عام (2016).

فضلاً عن مواقفه السياسية الراهنة من الدور الأمريكي، الذي تراجع كثيراً مع تصاعد الدور الإيراني، الذي اصبح فاعلاً رئيساً في صياغة الاحداث السياسية في العراق، وهي مواقف اثبتت نوايا الصدر في التعامل مع القضايا والازمات بدوافع وطنية، إذ يحاول في كل مرة أن يخرج منتصراً منها ويعيد كسب ثقة الاخرين من غير انصاره، لكن دائماً ما تكون التهديدات بحرق العراق "كما قال الصدر في احدى لقاءاته التلفزيونية" حاضره ضد مواقفه السياسية المضادة للحكومات والقوى السياسية، أو بالانقلاب على وثيقة الاتفاق التي يضعها في بنود اتفاقاته واشتراطاته السياسية مع خصومه السياسيين، كما حصل في اشتراطه الاخير عندما اعلن انسحابه من انتخابات تشرين الماضية، قبل ان يعود للمشاركة بعد ان اتفق مع خصومه السياسيين من القوى السياسية الشيعية الأخرى.

بالمجمل كان الصدر يريد ان يغير معادلة إدارة الدولة بما يملكه من ادوات سياسية وشعبية وبما لا يتعارض مع الديمقراطية والدستور، ولا يعرض المجتمع إلى مواجهة مسلحة أو اقتتال وحرب اهلية، أي بمعنى أن السيد الصدر يريد ان يغير المعادلة السياسية من خلال الآليات المتاحة أمامه ديمقراطياً من خلال (الانتخابات، الدستور، الاحتجاجات، المقاطعة والاعتصامات... وغيرها من الوسائل) لكنه فشل في كل تلك الادوات، ولعل اخرها فوزه الانتخابي الذي رجح كفته بشكل كبير عن أقرب منافسيه في انتخابات تشرين 2021.

نتيجة لذلك نعتقد بأن السيد الصدر اراد من هذا الانقلاب "بدخول البرلمان والاعتصام بداخله والإعلان عن نواياه الإصلاحية التي تطرق لها بتغريدته الاخيرة واشارته إلى (الفرصة الذهبية التي فاتته عام 2016 وهي إشارة إلى اقتحام انصاره ودخولهم إلى الخضراء آنذاك، إذ عد الاقتحام الحالي والاعتصام داخل البرلمان، فرصة ذهبية لتغيير النظام السياسي والدستور والانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة... مطالباً العشائر العراقية والثائرين والشعب العراقي والقوات الأمنية والحشد الشعبي "نساءً ورجالاً" بمساندة الإصلاح، مخيرهم بين الإصلاح والفساد، وأن من لم ينصر الإصلاح بانه سيكون اسير العنف والمليشيات والخطف... فأما ان يكون عراق شامخ بين الامم أو عراق يتحكم به الفاسدون والتبعيون وتحركه ايادي الخارج شرقاً وغرباً...).

فالصدر من خلال تغريدته يبدو بانه تطرق علناً إلى مكامن الخلل في تطرقه إلى إصلاح واقع الديمقراطية والعملية السياسية في العراق، عن طريق الاعتصام والانقلاب على منافسيه بعدما منعوه في مراتٍ عديدة ووقفوا له حجر عثرة "بشكل أو باخر، وبحجة وأخرى"، ولاسيما بعد ان وقفوا ضد فوزه الانتخابي ومساعيه في تشكيل الحكومة والمضي بمشروعه السياسي الاخير. وهذا ما يمكن أن نستنتجه من سلوك السيد الصدر الاخير ومطالبته الثائرين والعشائر العراقية بالمشاركة في الاعتصام ونصرة مشروعه القائم على تغيير الدستور والنظام السياسي والانتخابات، اي التغيير خارج الدستور والنظام، وذلك من خلال تبديل الادوات السابقة التي اعتمدها في المرات الماضية، التي لم تخرج عن روح الدستور والقانون والعرف السياسي السائد. فانقلاب السيد الصدر هذه المرة يوحي بانه راديكالي يختلف عن المرات السابقة "كما إشار في تغريدته".

لكن تبقى فرضية نجاح الصدر من عدمها في تغيير الواقع العراقي السائد منذ عقدين، رهينة عامة الشعب العراقي وليس فقط جمهور التيار الصدري، وكيف يمكن ان يقنع الاخرين بمشروعه التغييري وكيف يفهمه المتخصصون والفواعل المعنية في الشأن العراقي. لحد هذه اللحظة كسب السيد الصدر ود قطاعات واسعة في المجتمع العراقي من غير انصاره، ولاسيما بعض العشائر العراقية التي استجابت لتغريدة ومناشدة السيد الصدر واعلنت عن اعتصامها مع المعتصمين، وكذلك اغلب الناقمين على العملية السياسية من ناشطين ومدونين (مدنيين وشيوعيين) ممن تحالف معهم الصدر في انتخابات 2018، فضلاً عن المؤيدين والمنتمين لحراك تشرين، الذين ما زال بعضهم يترقب الوضع وجدية السيد الصدر من عدمها، هذا على المستوى المحلي.

أما على المستوى الخارجي، يبدو بأن الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة بايدن غير مهتمة لما يجري في العراق، بقدر ما تترقب لما تؤول عليها الامور، فقد دعمت فرضيات الحوار بين القوى السياسية بما يخدم الشعب العراقي ويقدم له الخدمات، وربما تساند خطوة السيد الصدر اذا ما نجحت في مسعاها. على الطرف الاخر، نرى إيران كذلك غير مهتمة بالأمر، على الرغم من الزيارات المكوكية التي قام بها إسماعيل قاآني إلى العراق منذ اجراء الانتخابات وحتى الآن، ولاسيما انها قد اعلنت بأن ما يجري في العراق، هو شأن داخلي وأنها لن تتدخل لطرف على حساب الطرف الآخر.

أما الموقف العربي، فيبدو بأنه مراقب للأحداث ومؤيد لخطوات السيد الصدر في استعادة الدولة والعراق إلى وضعه الطبيعي والتخلص من الهيمنة الإقليمية والدولية وسياسة المحاور المفروضة عليه منذ عام 2003 وحتى الآن، فقد رحبت الجامعة العربية بقرار الحلبوسي رئيس مجلس النواب العراقي بتعليق جلسات مجلس النواب بالتزامن مع الاعتصام داخل المنطقة الخضراء.

فهل ينجح السيد الصدر هذه المرة في مشروعه السياسي خارج العملية السياسية أم سيكون الوضع كما كان عليه في العام 2016، ولاسيما ان الصدر وصل إلى ذروة مشروعه الإصلاحي الذي بدئه منذ عام 2015 أو ما قبل ذلك، وجرب كل الادوات الممكنة في سبيل انجاحه، فأما أن ينجح في مسعاه أو أن يفشل نهائياً ويفقد ثقة قطاعات واسعة من غير انصاره؟

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق