دأب الكيان الصهيوني انطلاقاً من طبيعته العدوانية القائمة على العلو والاستكبار وتجاهل حقائق الميدان التي باتت تتغير بسرعة كبيرة لغير صالحه، وتجاهله لتحذيرات الحلفاء قبل الخصوم من إقدامه على أي عمل عسكري عدواني، أقدم على اغتيال القائد في حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس (الجناح العسكري للحركة) تيسير الجعبري.

وإن ما قام به الكيان الصهيوني يرجح أن يتلقى عنه رداً عنيفاً قاسياً، في ضوء مؤشرات ردود المقاومة الفلسطينية خلال جميع المواجهات السابقة، خاصة في حرب سيف القدس التي دامت 11 يوماً قبل أقل من عام من الآن، إذ تكبد خلالها هذا الكيان خسائر فادحة رغم التكتم الشديد عن طبيعتها الحقيقية، وبات شعب الكيان رهين الملاجئ طيلة أيام تلك الحرب، وتعطلت مطاراته وحركة الحياة العامة فيه. بيد أن العوامل المستجدة في هذه المواجهة التي لم يتأملها بتعقل، أو يدركها وفق المعطيات المتغيرة لغير صالحه محلياّ وإقليمياً ودولياً، سواء بسواء.

فعلى الصعيد الأول يعاني الكيان سياسياً من حكومة إئتلافية ضعيفة للغاية، ليس لها أغلبية إلا بفارق نائب واحد في الكنيست، وتشقق وتصدع حاد بين الفرقاء وصراع زعامات، وتباين في جهات النظر والاختلاف إزاء معظم القضايا، فضلاً عن التصدع الاجتماعي داخل المجتمع الصهيوني، وتراجع العقيدة في بقاء أو استمرار الكيان، وحديث بعض قادة الكيان مما يسموه لعنة العقد السابع، إذ جرت مجريات التاريخ وفق اعتقاداتهم أن دولهم التي قامت، لم تعمر أكثر من سبعين عاماً، وقد بلغت دولتهم الآن هذا الأمد! كما دأب الكيان على شراء بعض الجزر من اليونان وسواها تحسباً لأي طارئ أو ترجمة فعلية لمخاوفهم التي يعيشونها.

أما على الصعيد الإقليمي الذي فشلت فيه جميع المشاريع الصهيونية مع كل الدفع والضغط والتهديد الأمريكي، آخرها في قمة التنمية والأمن في جدة التي حضرها الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن لحث بعض الدول العربية والخليجية على إنشاء ناتو عربي أو شرق أوسطي بقيادة الكيان، بحجة الوقوف بوجه إيران، فضلاً عن تزايد حدة الأزمات مع بعض دول الجوار للكيان، نتيجة قيام الأخير بمحاولة التنقيب و سرقة الغاز من الحقول اللبنانية كحقل كريش مما دفع أمين عام حزب الله حسن نصر الله للتهديد أكثر من مرة، وفي آخره حدد موعد حرب سيبدأها الحزب بين شهر آب وأيلول إن لم يسحب الكيان سفنه.

كما تعددت اعتداءات الكيان وقصفه لسورية بحجج شتى منها تواجد قوات إيرانية أو نقل أسلحة لحزب الله. وعلى الصعيد العالمي فالكيان يعاني أكثر مما مضى من قلة التأييد والدعم المعتاد من حيث الشدة والكثافة من حلفاء استراتيجيين يأتي في مقدمتهم الولايات المتحدة والغرب، بفعل تزايد أكلاف دعم الكيان وتزايد عدوانه، وما يعانيه هؤلاء الداعمين جراء الحرب الروسية الأوكرانية ومعاناتهم من أزمات طاقة وركود اقتصادي وتضخم، وتصاعد أصوات الضجر والملل والسخط الشعبي نتيجة سياسات حكوماتهم، وخشية هذه الحكومات من خروج تظاهرات واحتجاجات وفوضى بفعل تلكم الأزمات، وهو ما نرجح وقوعه قريباً.

على ألا ننسى تدهور العلاقات الروسية - الصهيونية بسبب من دعم الكيان لأوكرانيا، ولهذا نتائج بالضد من مصلحة الكيان فقد تلجأ روسيا للانتقام من الأخير بوسائل شتى، منها جواز استخدام القوات السورية صواريخ S300 التي زودتها بها، فبوسع تلك الصواريخ إسقاط أحدث الطائرات الصهيونية الــ F35 الأمريكية، وهذا يعني كسر لقواعد اشتباك لم تكن مألوفة من قبل طوال تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ويزيل عنصر التفوق الصهيوني الذي دأب الكيان حسمه لصالحه.

ولعل أهم ما يجعل هذه المعركة مصيرية وحاسمة ولصالح قوى المقاومة وقد تكسر شوكة الكيان الصهيوني وتنذره بالزوال السريع هو:

1. توحد مواقف قوات المقاومة على مختلف توجهاتها وجغرافيتها.

2. السلاح الذي تمتلكه قوات المقاومة من حيث الكم والنوع ودخول سلاح المسيرات الذي نجح في تغيير وكسر معادلات عسكرية حكمت لصالح الكيان في المواجهات السابقة، وقد برعت قوى المقاومة في صناعته واستخدامه بشكل كبير يصعب مواجهته أو الحد من أضراره، والذي سيشل القبة الحديدية الصهيونية والتي عجزت عن صد صواريخ حماس في معركة سيف القدس نتيجة كثافتها، فضلاً عما تخبئه المقاومة من صواريخ نوعية لم يجرب الكيان التعامل معها من قبل.

3. طبيعة الضربات التي سيتلقاها الكيان من حيث طبيعتها ومكانها، إذ ستطال كامل إقليم الكيان وبناه التحتية، وقد تستهدف معامل غاز الأمونيا كما هدد أمين حزب الله السيد حسن نصر الله، أو قد تذهب ابعد من ذلك في استهداف مفاعل ديمونة النووي.

4. قد تدخل إيران في المعركة مباشرة إذا ما تطلب الوضع وطبيعة المواجهة وأبعادها خاصة إذا تعرضت قواتها أو حلفاءها لأي ضربات موجعة، أو كانتقام لعملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني وعلماء إيرانيين فضلاً عن الأعمال التخريبية داخل المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية.

وتأسيساً على ما سبق فإن الكيان قد وقع في خطأ الحساب الاستراتيجي، وإن الكيان الصهيوني بعد هذه المواجهة ليس هو ما قبلها، وإنه على مشارف الزوال إذ يعيش لحظات لفظ الأنفاس الأخيرة، فغدت مسألة زواله مسألة وقت قصير ليس إلاّ، وعلى الشعوب العربية والإسلامية زيادة الدعم والإسناد مادياً ومعنوياً لديمومة زخم قوات المقاومة والتعجيل بنهاية هذا الكيان المصطنع، فالعالم على مشارف أبواب نظام عالمي جديد ليس للكيان الصهيوني مكان مؤثر فيه، وأن عصر الأفول الأمريكي الغربي قد بدأ فعليا لاسيما بعد تصاعد الدور الروسي في إضعاف الهيمنة الأمريكية على العالم والذي عززته المواقف والأفعال الصينية والإيرانية في هذا الاتجاه وبالتزامن مع الانتصارات الروسية في الحرب مع أوكرانيا.

* متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق