يُعدّ وجود الأعداء في حياتنا مُهم جداً ليس فقط لتحديد هويتنا، بل إنه يجد لنا عقبة نقيس من خلالها ونقارن نظامنا القيمي وقيّمنا بشكلٍ عام، ويلجأ سكان المدن مثلاً، في مسعاهم للبحث عن العدو، إلى أهل البوادي ويفعل سكان وسط المدينة الشيء ذاته من قاطني...

كان انسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان في فبراير سنة 1989 بمثابة الإعلان الرسمي عن انهيار الإتحاد السوفييتي، كقطبٍ يُنازع الولايات المتحدة الأمريكية الزعامة العالمية، وبالتالي، نهاية الحرب الباردة. وبذلك، تبدأ حقبة جديدة حددت طبيعة العلاقات الدولية إلى يومنا هذا. خسارة الجيش السوفيتي في أفغانستان شكّلت أيضاً هزيمة "العدو الشيوعي" الذي وحّد المعسكر الرأسمالي، وقد لَعِبَ المجاهدون أو الأفغان العرب -كما يُعرفون- الدّور الأهم في ذلك الانتصار، وكان هؤلاء قد قَدِموا من كل حدبٍ وصوب من مختلف البلاد الإسلامية في استجابةٍ لنداء الجهاد الذي أطلقته بعض الدول حينها. ولم يكن تجنيد هؤلاء المقاتلين وتحريضهم للذهاب إلى أفغانستان سرياً في الكثير من الأحيان، بل إنه كان علنيا سواءً في وسائل الإعلام أو منابر المساجد أو غير ذلك من وسائل الدعوة.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها شعر المقاتلون العرب أن مهمتهم قد انتهت فحاول البعض منهم العودة من حيث أتى، لكن بلدانهم الأصلية أعلنت أنهم غير مرحبٍ بهم لأنها ترى فيهم تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فهم مقاتلون مدربون ويمتلكون خبرة عسكرية عالية، كما أنهم، وهذا هو السبب المباشر، يعتنقون الفكر الجهادي العنيف. وفضّل الكثير من الأفغان العرب الانتقال إلى ساحات القتال الساخنة، مطلع ومنتصف التسعينات، كالشيشان أو البوسنة أو حتى الجزائر في سياق العشرية السوداء. أما من تجرأ منهم على مخالفة ذلك، فقد عرّض نفسه للمتابعات القضائية.

وبين عشيةٍ وضحاها تحوّل المقاتلون في نظر الإعلام الرسمي والحكومات من أبطال محرِّرِين، مُلَبّين لنداء الجهاد ونصرة الدين إلى "أعداء" مُطاردين لا يرغب أي بلد في استقبالهم أو السماح لهم بالعودة مرةً أخرى إليه. ومنذ ذلك الحين، بدأ "العدو السوفييتي" يختفي شيئاً فشيئاً، حتى اضمحل ليحل محله تدريجياً "العدو الجهادي الإسلامي"، وهو الذي كان حتى الأمس القريب حليفاً في حرب المعسكر الغربي الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، ضد "العدو الشيوعي" الغازي لإحدى ثغور الإسلام، أفغانستان.

وفي هذا السياق، يتساءل المفكِّر الإيطالي، أُمبيرتو أيكو، عمّا حلّ بالولايات المتحدة الأمريكية بعد اختفاء "امبراطورية الشر" وتفكك العدو الأكبر، أي السوفييت، يستطرد الفيلسوف الإيطالي أن هويتها –أي أمريكا- أصبحت مهددة بالخطر، "حتى تذكّر بن لادن فضلها عليه ومساعدتها له ضد السوفييت، ليَمُدّ يده الرحيمة إليها ويمنح لبوش الفرصة لخلق أعداء جدد، مُعزِّزاً الشعور القومي الهوياتي وسلطته كذلك". ويرى أيكو أن وجود العدو هو مسألة بالغة الأهمية في مسار بناء الهوية، وإذا لم يكن العدو موجوداً وجب البحث عنه وخلقه.

ويُعدّ وجود الأعداء في حياتنا مُهم جداً ليس فقط لتحديد هويتنا، بل إنه يجد لنا عقبة نقيس من خلالها ونقارن نظامنا القيمي وقيّمنا بشكلٍ عام، ويلجأ سكان المدن مثلاً، في مسعاهم للبحث عن العدو، إلى أهل البوادي ويفعل سكان وسط المدينة الشيء ذاته من قاطني الضواحي والفقراء مع الأغنياء وحملة الشهادات مع الأميين وهكذا دواليك. ويهدف ذلك المسار إلى معرفة الفرد لذاته من خلال نقيضه. ويجب التفريق هنا بين وجود الأعداء الذين يشكلون خطراً على وجودنا بمحاولاتهم الحثيثة الانقضاض علينا وهي ظاهرة طبيعية معروفة منذ القدم وبين مسار خلق الأعداء وانتاجهم من خلال الشيطنة وتصوير الخطر المبالغ فيه وغيرها من الأساليب.

ولوجود الأعداء في حياتنا إيجابيات لا تعدّ ولا تحصى، من بينها على الأقل الاستفادة منه في تعزيز التماسك الاجتماعي بين الأفراد داخل المجموعة/الأمة الواحدة، فالبحث عن عدو خارجي يعزز اللحمة الوطنية ويقوي الشعور بالانتماء للجماعة المهددة بالخطر.، ولتبسيط الفكرة، يكفي أن نشرحها بالمقلوب، أي بالقول أنه على أي جماعة بشرية تعاني من مشاكل داخلية اللجوء إلى الحل الأسهل المتمثل في البحث عن عدوٍ خارجي مُسَلّم بخطره من طرف جميع أفراد المجموعة، ويُؤدي الدور الأساسي المرجو من انتاجه، أي أن تنسى الجماعة الخلافات البينية التي تعصف بها وأن تترك خلفها فكرة وجود منتصرين ومهزومين بين أفرادها بعد الخصومات التي تطرأ في كل مجموعة بشرية، وأن تبدأ الأمة بالنظر إلى نفسها ككتلة واحدة صلبة وموحدة أمام الخطر الماحق.

وينقسم الأعداء إلى قسمين: عدو داخلي وآخر خارجي. وفي حالة عدم وجود العدو الداخلي، تلجأ معظم الأنظمة عبر التاريخ للبحث عنه وخلقه لتبرير مختلف القرارات التي يتم اتخاذها والتي قد لا تحظى بشعبية كبيرة. ويتم خلال مسار خلق العدو الداخلي شيطنة الخصوم السياسيين المنافسين المحتملين على السلطة أو فئاتٍ اجتماعية بعينها. ومن بين الأمثلة على ذلك: تصنيف الدعاية النازية لليهود والغجر والمثليين والمعارضين السياسيين والأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية أو ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم بأنهم أعداء الأمة النازية الداخليين. وتتحجج الدعاية النازية بأن هؤلاء جميعاً يشكّلون خطراً على المجتمع الألماني.

ولعل أبرز الأمثلة في وقتنا الحاضر على الأعداء الداخليين ما تعكسه الصور النمطية في السينما الأمريكية والغربية عموماً عن السود أو العرب مثلاً. كل ذلك يُهيأ الأرضية المناسبة لتراكم الصور السليبة عن هذه الفئات ما يجعل منها "أعداء الداخل" بامتياز. ذلك العدو الذي يجب أن تتم تصفيته حسب درجة الخطورة التي يشكّلها دون أن يلقى أي تعاطف من طرف المجتمع المتفق أصلاً على خطورته. ويكفي التذكير هنا بمشاهد قتل السود في الأماكن العامة في الولايات المتحدة الأمريكية من طرف عناصر الشرطة.

أما العدو الخارجي فهو الأكثر شيوعاً وانتشاراً سواءً في عالم اليوم أو قديماً. وإذا كانت الحروب تستدعي إلى الذهن مشاهد المجازر والقتل والتدمير، فإن الخطاب يكاد يوازيها في مسار خلق الأعداء وانتاجهم. ويقوم الخطاب بدور المُهيء للأرضية قبل إعلان الحروب من خلال عمليات التبرير وتأجيج النفوس وتحضيرها لارتكاب البشاعات والقتل والدمار بإسم التخلّص من العدو الذي يستحق كل الشر الذي سيلحق به.

بعبارة أخرى، يُعتبر الخطاب انتقالا من مرحلة الأقوال إلى الأفعال. فالحروب العسكرية تبدأ بعدما تُفسِح المعارك الإعلامية والخطابية لها المجال. ولعل الجميع يتذكّر هنا خطاب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، كولن باول، في فبراير سنة 2002 بالأمم المتحدة وهو الخطاب الذي استخدم فيه وسائل العرض والاقناع الحديثة من صورٍ جوية واحداثيات لتبرير شن الحرب على العراق، مؤكداً أن بلاده تمتلك أدلة يقينية على امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل.

وقد لجأ باول إلى تكتيك شيطنة العدو الخارجي من خلال تضخيمه والمبالغة خطره بهدف خلق الاجماع حول قرار شن الحرب الذي كان قد اُتُّخِذ سلفاً ولم يتبقّ سوى البحث له عن حجج لتقبّله وهذا هو دور الخطاب السياسي والإعلامي. وهذا الأخير هو السلاح الأقوى والأقدر على تحديد وشيطنة الخصم وتحويله إلى عدو.

وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف الأمريكي، سام كين، أنه يكفي أن "ترسم على وجه عدوك الجشع والمكر والحقد والقساوة وغيرها من الصفات التي لا تتجرأ على وصف نفسك بها. قم بالتغطية على كل ملامحه التي قد تجلب التعاطف معه، قم بمحو كل آثار الحب في نظراته، حوِّل ابتسامته إلى تكشيرة قاسية، جرِّد عظامه من اللحم حتى تتركها ناصعة البياض، بالغ في تصوير خطر كل سماته الإنسانية حتى يتحول إلى وحش قاتل، إلى حشرة ضارّة، صوِّره كالشيطان بكل الأشكال الشريرة التي رآها البشر قط في كوابيسهم. عندما تكتمل هذه الصورة في أذهان الجمهور، حينها يمكنك قتل عدوِّك وتمزيقه وتقطيعه إرباً إرباً دون الشعور بالذنب أو الخجل، فالذي قمت بتصفيته ليس ببساطة سوى عدو الله، وهذه هي وظيفة اللغة.

ويبدأ مسار صناعة العدو من الغيرية باعتبار الآخر المختلف بأنه عدو يشكل خطراً على وجودنا كجماعة. ولا تزال هذا الأساليب متّبعة بشكل أو بآخر في عالم اليوم سواءً قامت بها المجتمعات بوعي أو بغير وعي أو الأنظمة التي لها أغراض من وراء ذلك، وحتى إن لم تخرج في الغالب عن نطاق الخطاب لتصل إلى مرحلة العنف، لكنها تُعدُّ مقدمةً للعبور نحو شيطنة الآخر وتصويره كعدو يستحق التصفية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق