شنت السعودية والإمارات المتحدة حملة غير مسبوقة على قطر بعد إنتهاء القمم التي أحياها ترامب في السعودية، عبر بث تصريحات منسوبة إلى أمير قطر في وسائل إعلام سعودية إماراتية إستتبعها حجب مواقع الصحف والقنوات والوكالات القطرية كافة من الإنترنت، وسواء كانت تلك التصريحات حقيقية أو مكذوبة بفعل فاعل، فإن الأجواء التي سادت خلال الأيام الماضية ما بين الدوحة والرياض تُنبأ بأن مستوى العلاقات الخليجية ستفتح صفحة من الصراع الحاد الذي قد لا يقف على حدود ما شهدته السنوات السابقة بعد أزمة سحب السفراء في آذار ٢٠١٤.

الصراع الخليجي لا يمكن أن يُفسر خارج سياق زيارة ترامب للمنطقة وتفاعلاتها ولا يُستبعد أن يكون هذا الصراع والتصعيد تنفيذا لأجندات ترامب الرامية إلى محاولة حسم ملف النزاع مع الإخوان المسلمينَ وراعيتهم الخليجية قطر، على قاعدة الإيفاء بالوعود الإنتخابية لترامب في البيت الداخلي الأمريكي.

ويعد ملف الإخوان في مقدمة الملفات التي يريد ترامب طي صفحتها ثم التفرغ للملفات الأخرى المتمثلة بمواجهة إيران في العراق والبحرين.

مستوى الصراع مع قطر يرتبط بإنفتاح من قبل ترامب على البوابة الخليجية، ويعكس حالة النجاح التي وصلت اليها دبلوماسية الشيكات السعودية بتحويل الأنظار عنها كمتهمة لرعايتها الإرهاب إلى الوجهة القطرية مستغلة ظروف الإدارة الأمريكية ومعاداتها للإخوان وعزمها إدراج الحركة على لائحة سوداء للإرهاب.

لم تهضم قطر ما حصل في القمم الثلاث ولم تتقبل أن تكون السعودية أول زيارة خارجية لترامب. إذ حادثة من هذا النوع كانت تعني، بالنسبة لقطر وأيضا تركيا التي لم يحضر أوردغان تلك القمم، التسليم بأهلية السعودية لقيادة مشروع حلف أو ناتو أو محور: خليجي ــ عربي ــ إسلامي في المنطقة. في حين بذلت قطر أموالا وجهودا متزايدة لتحجيم تلك القيادة، سواء في سوريا، حيث دعمت بقوة وثقل المسلحين والجماعات المحسوبة عليها لتضييق الخناق ومزاحمة وإضعاف الجماعات والمسلحين والفصائل المحسوبة على السعودية، أو في العراق حيث تعمل جاهدة على رعاية مؤتمرات سنية تحاول إنتزاع مشروعية تمثيل السنّة وقيادتهم بدلا من السعودية أو في اليمن، حيث تعقيدات الوضع الجيوسياسي هناك، وتتصرف قطر وفق آليات هادئة ترتكز على قاعدة إنخراط سعودي كبير يؤدي إلى الإنهاك والخسارة.

أو في ليبيا حيث لا يزال دعم قطر متواصل للأطراف الموالية لها في النزاعات الدائرة في البلاد، أو في مصر حيث تستمر الحرب على النظام وإنتزاع شرعية السيسي ووصفها له بالإنقلابي.

الهجمة الخليجية القاسية على قطر لا يمكن إعتبارها إلا في سياق النتائج المرتقبة في المنطقة بعد زيارة ترامب للسعودية وإسرائيل، خاصة إن وسائل الإعلام القطرية المكتوبة والمرئية عمدت العزف على نغمة واحدة خلاصتها إستهزاء وسخرية بالسعودية التي إستنفرت كل طاقاتها بشكل إستثنائي للتحضير لإستقبال ترامب؛ وعمدت أيضا أسلوب التشكيك في معطيات ونتائج ومخرجات هذه الزيارة وكان محور إهتمامها أن الزيارة لا يمكن أن تسفر أكثر من الخطابات والكلام والوعود وهذا ما أكدته زيارة ترامب لإسرائيل إذا لم يكن لديه أي نية لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بل عمل على التشديد على مصلحة إسرائيل وأولوية الدفاع عنها وإستمرار ضخ المساعدات العسكرية لها.

ما يمكن إستنتاجه من هذا الإنقضاض السعودي الإماراتي على قطر، أنه لم يكن وليد اللحظة الراهنة، بل ربما تم الإعداد له قبل مدة، والتهيئة لإطلاقه بصعقات سعودية إماراتية تحت ما يسمى الضرب تحت الحزام ضد قطر.

موقف قطر لا يحسد عليه ولا أظن أنها ستتجه للرد والتصعيد بل محاولة التبرير عن التصريحات النارية يعكس حالة من التراجع دبلوماسيا كما أن الدوحة ستفتح كل قنوات الإتصال الرسمية وغير الرسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية وستتشبث بتواجد أمريكي على الأراضي القطرية وإبراز الأهمية للقاعدة العسكرية الأمريكية (العديد والسلية)، وهذا يمكن إستقراءه من تصريحات الأمير تميم بن حمد في هذا المفصل إذ قال: "إن قاعدة العديد هي الفرصة الوحيدة لأميركا لإمتلاك النفوذ العسكري في المنطقة، في تشابك للمصالح يفوق قدرة أي إدارة على تغييره"، هذا التصريح يوضح إستياء قطري عن (تطنيش) ترامب لها كما يفتح الباب لها لإعادة علاقتها معها، رغم أن ترامب يؤيد إجراء سحب القواعد العسكرية من قطر والذهاب إلى الإمارات والسعودية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2017 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق