تنطلق هذه المقالة من أطروحة مركزية مفادها أن تثبيت مولد الإمام المهدي في الوعي الديني، وفق النصوص الروائية المعتبرة، ليس تقريرا لواقعة ولادة فحسب، بل هو تثبيت لمنطق استمرار الحجة الإلهية، وتحويل مفهوم الانتظار من حالة شعورية إلى برنامج أخلاقي عملي يقوم على الورع، والانضباط الذاتي، ومحاسن الأخلاق...

مقدمة

يثير موضوع مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إشكالية معرفية وأخلاقية تتجاوز حدود التأريخ السردي إلى سؤال المعنى والوظيفة: هل يمثل المولد حدثا زمنيا يُستعاد في إطار الاحتفاء الشعائري فحسب، أم أنه يؤسس لبنية أخلاقية دائمة في الوعي الديني والسلوك الاجتماعي؟ تتأكد أهمية هذه الإشكالية في زمن تتراجع فيه المعايير الضابطة للسلوك، وتضعف فيه المرجعيات القيمية، ويتنامى فيه الشعور باليأس والعبثية لدى الأفراد والجماعات. 

وتنطلق هذه المقالة من أطروحة مركزية مفادها أن تثبيت مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الوعي الديني، وفق النصوص الروائية المعتبرة، ليس تقريرا لواقعة ولادة فحسب، بل هو تثبيت لمنطق استمرار الحجة الإلهية، وتحويل مفهوم الانتظار من حالة شعورية إلى برنامج أخلاقي عملي يقوم على الورع، والانضباط الذاتي، ومحاسن الأخلاق، بما يجعله قابلا للتحليل بالاستعانة بمفاهيم علم النفس وعلم الاجتماع الحديثة، مع الالتزام الصارم بمرجعية النصوص الروائية ومنهج الثقلين (١).

عرض تحليلي

تؤسس الرواية الإمامية لموضوع مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بوصفه حقيقة عقدية ذات امتدادات أخلاقية واضحة، إذ تحدد النصوص المعتبرة زمان الولادة وتربط الواقعة بوظيفة الإمامة باعتبارها امتدادا للهداية الإلهية. وقد ورد تحديد ولادته في النصف من شعبان من سنة خمس وخمسين ومائتين، مع التأكيد على استمرار نسل الإمامة وعدم انقطاع الحجة (١). وهذه الدلالة لا تقتصر على التوثيق التاريخي، بل تفتح أفقا أخلاقيا عميقا، مفاده أن وجود الحجة الإلهية في كل عصر يحمّل الإنسان مسؤولية دائمة في السلوك والاختيار، لأن ميزان الحق قائم، وليس معلقا بظهور محسوس أو حضور علني.

ويتفرع عن هذا المعنى أصل عقدي راسخ يتمثل في قاعدة عدم خلو الأرض من حجة، ظاهرة كانت أو مستورة، وهي قاعدة تؤدي وظيفة أخلاقية قبل أن تكون كلامية. فوجود الحجة، ولو في حال الغيبة، يعني أن المرجعية القيمية لم تُرفع، وأن التكليف مستمر، وأن الإنسان لا يُعذر بالانحراف بحجة غياب القيادة الظاهرة (٢). وبذلك يتحول زمن الغيبة إلى زمن اختبار أخلاقي مكثف، تتجلى فيه حقيقة الالتزام بالنص والمنهج، لا بالشخص المشاهد.

ويتعزز هذا المعنى بالآيات التي تربط الوعد الإلهي بالاستخلاف والتمكين بشرط الإيمان والعمل الصالح: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (سورة القصص: ٥)، و**﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾** (سورة النور: ٥٥)(٣). وتكشف هاتان الآيتان عن معادلة أخلاقية دقيقة، تجعل العمل الصالح شرطا موضوعيا لتحقيق الوعد، وتمنع تحويل الانتظار إلى حالة سكون أو تبرير للفساد والانحراف. 

وتبلغ الرؤية الأخلاقية ذروتها في النصوص الروائية التي تعيد تعريف مفهوم الانتظار، فتخرجه من كونه حالة نفسية إلى كونه ممارسة أخلاقية واعية، كما في النص المشهور: «من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر» (4). فهذه الرواية تؤسس لمنهج سلوكي واضح، يجعل الورع أساس ضبط الشهوات والدوافع، ويجعل محاسن الأخلاق معيارا في العلاقات الاجتماعية. وبهذا المعنى يتحول مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى نقطة انطلاق لمشروع أخلاقي دائم، لا إلى ذكرى زمنية منفصلة عن الواقع العملي.

وعند الاستعانة بمفاهيم علم النفس الحديث، يمكن فهم هذا المنهج في إطار مفهوم "الضبط الذاتي"، الذي يعد من المرتكزات الأساسية في بناء الشخصية المتوازنة، ويقصد به قدرة الفرد على تنظيم سلوكه وانفعالاته وتوجيهها نحو أهداف عليا، وتأجيل الإشباع الفوري لصالح القيم بعيدة المدى. وقد أشار عبد الستار إبراهيم إلى أن الضبط الذاتي يمثل جوهر النضج النفسي، وأن ضعفه يؤدي إلى الاندفاعية والفوضى السلوكية (5). وبإسقاط هذا المفهوم على معنى الانتظار، يظهر أن الورع الذي تؤكد عليه الروايات ليس مجرد وعظ، بل هو بناء نفسي قائم على إدارة الدوافع والانفعالات، وضبط الاستجابات السلوكية وفق معيار ثابت.

كما يبرز مفهوم "تأكيد الذات" بوصفه مهارة نفسية تقوم على التعبير المتزن عن المواقف والحقوق دون عدوان أو خضوع مرضي، وهو ما تناوله عبد الستار إبراهيم ضمن حديثه عن بناء الشخصية السوية (6). ويمكن ربط هذا المفهوم بالانتظار الإيجابي، لأن المنتظر الحقيقي لا يعيش حالة الانكسار واليأس، ولا ينزلق إلى العنف والفوضى، بل يتمتع بثبات نفسي، وقدرة على التمسك بالحق ضمن ضوابط أخلاقية واضحة.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإن تحويل مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى وعي أخلاقي جمعي يسهم في بناء ما يسميه علم الاجتماع بالضبط الاجتماعي، أي المنظومة القيمية والمعيارية التي تضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع وتحافظ على توازنه. وقد بيّن مؤيد زيدان أن الضبط الاجتماعي يمثل آلية أساسية في منع الانحراف والتفكك الاجتماعي (7). ومن هنا، فإن المجتمعات التي تجعل ذكرى المولد مناسبة لتفعيل قيم الورع، والعدل، واحترام الحقوق، تكون قد حولت المناسبة الدينية إلى أداة تربوية واجتماعية فاعلة.

ويكتسب هذا الفهم عمقا إضافيا من التحليل اللغوي لمادة "مهد"، التي تدور في اللغة حول معنى البسط والتمهيد والتوطئة. فقد نصت المعاجم على أن المهد هو الفراش المبسوط والمهيأ، وأن الفعل يدل على التهيئة والتوطئة (8). وهذا المعنى اللغوي يمنح بعدا رمزيا بالغ الدلالة، إذ إن مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يمثل تمهيدا أخلاقيا وتاريخيا، وتهيئة للنفس والمجتمع ليكونا صالحين لاستقبال العدل الإلهي، لا مجرد حدث ولادي منفصل عن مسار القيم.

خاتمة

تبيّن من خلال هذا العرض التحليلي أن مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يمثل تأسيسا أخلاقيا متكاملا، لا مجرد واقعة تاريخية أو مناسبة شعائرية. فهو يثبت استمرار الحجة الإلهية، ويؤكد بقاء معيار الحق، ويحوّل الانتظار إلى مشروع عملي يقوم على الورع، وضبط النفس، ومحاسن الأخلاق، والانضباط السلوكي. كما أظهر التحليل أن توظيف مفاهيم علم النفس الحديث، كالضبط الذاتي وتأكيد الذات، ومفاهيم علم الاجتماع، كالضبط الاجتماعي، يسهم في تعميق الفهم الوظيفي للانتظار، دون أن يمس بمرجعية النصوص الروائية أو يستبدلها بمقاربات بشرية مستقلة. وبناء عليه، فإن إحياء ذكرى المولد ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد العهد الأخلاقي، وبناء الإنسان الواعي المسؤول، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على أساس العمل الصالح والاستقامة السلوكية، تمهيدا لتحقق الوعد الإلهي بالاستخلاف والتمكين.

المصادر والمراجع

١) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج١، ص٥١٤.

٢) محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (الشيخ الصدوق)، كمال الدين وتمام النعمة، ج١، ص٤٣٧.

٣) سورة القصص: ٥؛ سورة النور: ٥٥.

4) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٤٠؛ محمد بن إبراهيم النعماني، الغيبة، ص٢٠٥.

5) عبد الستار إبراهيم، العلاج النفسي الحديث قوة للإنسان، ص٢٢٧.

6) عبد الستار إبراهيم، العلاج النفسي الحديث قوة للإنسان، ص١٢٧.

7) مؤيد زيدان، علم الاجتماع القانوني، ص٧٦.

8) فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج٢، ص٢٤٢؛ مرتضى الزبيدي، تاج العروس، ج٥، ص٣٢٩.

اضف تعليق