نحن اليوم نعيش أزمة خطيرة معقدة طالت العالم كلّه ومنعت التواصل الفعلي بين الجميع، وشلَّتْ قدرات الجميع، وأولها الدول العظمى التي كانت تتباهى بقوتها وأسلحتها الفتاكة وقدرتها على إلحاق الهزيمة بالجميع، لكنها وقفت حائرة مشلولة في مواجهة عدو خفيّ لا يُرى بالعين المجردة...

الحاجة أم الاختراع، جملة مشحون بالمعاني المتعددة، كلها تؤكد عبقرية الإنسان في البحث عن حاجته، مادية كانت أو معنوية أو نفسية أو فكرية أو سواها، تظهر هذه الجملة التي قرأناها جميعا في مقتبل حياتنا، في الأزمات بقوة، ونحن اليوم نعيش أزمة خطيرة معقدة طالت العالم كلّه ومنعت التواصل الفعلي بين الجميع، وشلَّتْ قدرات الجميع، وأولها الدول العظمى التي كانت تتباهى بقوتها وأسلحتها الفتاكة وقدرتها على إلحاق الهزيمة بالجميع، لكنها وقفت حائرة مشلولة في مواجهة عدو خفيّ لا يُرى بالعين المجردة.

فقد أعلنت السلطات الأمريكية أن عدد قتلى كورونا فاق (30000) ثلاثين ألف شخص أمريكي، وانشغلت الحكومة الاتحادية والحكومات الفيدرالية بكيفية إعادة الحياة إلى ما كانت عليه، وهناك خوف وتردّد من أعلى سلطة تنفيذية بالإقدام على خطوة تعيد حركة الاقتصاد والناس إلى ما كانت عليه.

تعدَّدت أساليب وخطوات مواجهة هذا الفايروس الصغير، كوفيد 19، وظهرت الحاجة بقوة إلى مصل أو عقار لمواجهة هذا الفايروس وحتى الآن لم يُعلَن رسميا من قبل منظمة الصحة العالمية عن جهة أو دولة تمكنت من تصنيع مثل هذا العقار حتى تعود الحياة والعالم إلى ما كانا عليه قبل كورونا، وطالما تعثرت حتى الآن قضية العثور على مضاد حيوي، فقد لجأت الدول والحكومات والناس إلى أساليب أخرى لمواجهة الجائحة.

حكوماتنا الضعيفة بسبب الفساد أو سواه، ليس لديها سوى تمديد الحضر، وتعطيل حركة الرزق اليومي للفقراء من خلال حجرهم في بيوتهم، تم الإعلان عن دفعات مادية خجولة للعائلات المتعففة لكننا نسمع بالجعجعة ولا نرى طحينا، في العراق مثلا تفوق التكافل الاجتماعي كثيرا على ردود الفعل الرسمية ضد كورونا.

رأينا الكثير من حالات التعاون والمبادرات الإنسانية التعاونية التي تسر القلب والروح، وتعيد الأمل لنا بأننا شعب يمتلك القدرة على مواصلة الحياة بتعزيز قيم التكافل والتعاون الإنساني الذي أخذناه عن أسلافنا، ولا نعتمد على جهات رسمية عاجزة على القيام بواجباتها إلا ما ندر، لأسباب يعرفها الجميع، لذلك فإن سد حاجات الناس وخاصة الأساسية التي تسد الرمق وتديم الحياة بأدنى مستوياتها، تصدى لها أُناس أخيار كثير منهم ليسوا أغنياء، لكنهم ساعدوا الآخرين بحسب قدرتهم، والمهم لديهم أن يكونوا جزءاً من نظام تكافل اجتماعي راقٍ.

من هذه المساهمات التكافلية البسيطة في شكلها، والكبيرة في مضمونها ومردودها على الفقراء، ما رأيته بعيني قبل أيام وعشتهُ بنفسي، في الحيّ الذي أسكنه يوجد مخبز اسمها (مخبز بركات المصطفى)، ابتكر صاحب هذا المخبز طريقة بسيطة لكنها رائعة لاقت تفاعلا كبيرا من قبل الجميع لمساعدة العائلات المتعففة والفقراء.

تقوم فكرة صاحب المخبز على التالي: يقوم بتوجيه دعوة لكل شخص يشتري منه الخبز بشراء قرص مدوّر صغير وبألوان متعدد (قرص أخضر أو أحمر أو أزرق أو بنفسجي وبكل الألوان الأخرى)، سعر هذا القرص (ألف دينار)، بمعنى يمكنك أن تشري قرصا بأي لون كان مقابل ألف دينار، هذا القرص يتم تعليقهِ على لوحة كبيرة تتصدر واجهة المخبز، تكون هذه الأقراص متاحة للعائلات المتعففة والفقراء، ويكون متاحا لكل عائلة أن تأخذ قرصين، بمعنى تحصل على خبز بقيمة ألفيّ دينار (12 رغيف خبز)، وبعضهم يمكن أن يحصل على قرص واحد إذا كانت عائلته صغيرة.

الفكرة سهلة وبسيطة وناجحة أيضا، بل نسبة نجاحها كانت ولا تزال كبيرة، ففي كل يوم أذهب فيه إلى المخبز أرى لوحة الأقراص ممتلئة، وهذا يعني أن المتبرعين بشراء الأقراص الملونة كثيرون، والدليل امتلاء اللوحة بالأقراص على الرغم من أن العوائل المتعففة تأتي إلى المخبز وتأخذ ما تحتاجه من خبز بشكل يومي ومن دون مقابل.

مثل هذه المبادرات ليست معقدة ولا مستحيلة، بل سهولتها وشفّافيتها منحتها درجة نجاح كبيرة، ووثق بها الناس وتفاعلوا معها، حتى ذوي الدخل المتوسط أسهموا بشكل يومي بهذه الفعالية التكافلية المتميزة، فبدلا من أن يشتري خبزا بألفيّ دينار يزيد المبلغ إلى ثلاثة حيث يشترى قرصا واحدا يعلّقهُ بنفسه في لوحة العائلات المتعففة، فيشعر بأنه قام بفعلٍ خيريّ جيد وساهم بتقليل الضغوط على الفقراء.

وهؤلاء الناس المتبرعون أسهموا في دحر هذا الفايروس الخطير، سواءً عرفوا بذلك أو لم يعرفوا، كما أنهم جعلوا من تعميم منظومة تكافلية ناجحة، أمرا ممكنا، وهو ما حدث من خلال هذه المبادرة البسيطة في إجراءاتها والكبيرة في معانيها ونتائجها، وسوف تنتهي هذه الأزمة وتختفي جائحة كورونا.

لكن مثل هذه المواقف الإنسانية الاجتماعية التكافلية لن تنتهي بل تبقى في سجل تجارب الشعوب، تقرأها الأجيال القادمة وتستفيد منها، وقبل ذلك تفتخر بها ويعلوها الزهو وهي تتذكر بأن الآباء الذين رحلوا كانوا يواجهون الأزمات والمصاعب بمبادرات سهلة في شكلها وإجراءاتها، لكنها كبيرة جدا في نتائجها.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
جزيل الشكر لك استاذ علي لتسليط الضوء على هذا الجانب الايجابي في محنة كورونا، مع التنويه بأن هذا المشروع من ابتكار "الشباب الرسالي" في كربلاء وقد شمل عدة مخابز في كربلاء وايضاً في بغداد. مع رجائي بتكرار مثل مبادرات كهذه2020-04-19