لقد تأخر لبنان كثيرا عن الركب وها هو يلتحق أخيرا بسوريا والعراق وليبيا وتونس ومصر واليمن فبدونه لا يكتمل الحريق العربي. فماذا يريدون من دولة لا تعرف كيف تتعامل مع نفاياتها، دولة لا تستطيع انتخاب رئيسها وهي منذ شهور بدون رئيس دولة مالم يوافق السعوديون والفرنسيون والأمريكيون على ترشيح ذلك الرئيس الذي يصغي جيدا ويلتزم بما يوجه له.

الاحتجاجات التي انطلقت منذ أسابيع بنيات سليمة من أجل تحسين الخدمات البلدية والقضاء على الفساد، تعمل قوى خارجية على حرفها عن أهدافها الحقيقية وتحويلها الى حرب بالنيابة مدفوعة الثمن تدفع بالمحتجين السذج نحو افتعال معارك الشوارع مع رجال الأمن واثارة النعرات الطائفية والدينية.

فالاحتجاجات الحالية فرصة ذهبية لإنهاء فترة الهدوء التي تمتع بها لبنان بعد حرب الطوائف في ثمانينيات القرن الماضي التي حولت مدنا لبنانية وأجزاء كبيرة من العاصمة بيروت الى خرائب وقتل وتهجير الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين من مناطق سكناهم. انهم يحاولون اعادة الكرة بجيل جديد من المغفلين ربما لم يعوا حقيقة ما جرى حينها ولا عواقب النزاع الطائفي لو انفجر اليوم. فلو حدث واندلع نزاعا حقيقيا أو مفتعلا فلن ينتهي النهاية نفسها التي حافظت على لبنان موحدا بل سيأخذ مسار حروب البلقان بين مكونات يوغسلافيا السابقة في التسعينيات وسيكون ما جرى في العراق أثناء احتلاله عام 2003 مجرد حادث عابر.

واذا ما زالت ذاكرة البعض سليمة لحد اليوم فان الحرب الطائفية التي حدثت في الثمانينيات قد أمكن وقفها بوساطة سعودية وفرنسية وأمريكية أما حروب اليوم الطائفية فتتم بتخطيط واشراف ودعم وتوجيه الدول الثلاث ذاتها. ان مشروع الشرق الأوسط الجديد ما يزال يحتل الأولوية في السياسة الأمريكية الخارجية رغم تكاليفه الباهظة المادية والبشرية التي تكبدتها الولايات المتحدة خاصة في العراق وأفغانستان.

فاذا كانت الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيات أول حرب طائفية تشهدها المنطقة فالشرق العربي اليوم زاخر بالحروب الطائفية بدءا بالعراق وحاليا سوريا واخيرا في اليمن. أما البلد ذي الطائفة الواحدة والدين الواحد وغير المرشح لنزاع طائفي فانهم يصدرون له نزاعا طائفيا يحقق لهم الاهداف ذاتها التي تحققها النزاعات في أي مكان آخر في هذا الكون. ولنا في ليبيا مثالا حيا فالمجتمع الليبي أحادي الدين والمذهب وبعد اسقاط نظامه أتوا بخلايا القاعدة وأخواتها وزرعوها هناك ولم يمر وقتا طويلا قبل ان ينتشر الارهاب كالفطر وتتحول البلاد الى ساحة حرب حقيقية لا يعرف فيها من يقاتل من. وليس ذلك فحسب بل انتقل الارهاب من هناك كالنار في الهشيم الى مصر والجزائر وتونس والمغرب وهكذا تتحول بلدان الشرق والمغرب العربي الى ساحات للحروب الطائفية. وليس من المستغرب بعد هذا ابداء المخاوف المشروعة عن مصير البلد الجميل لبنان وشعبه الرائع مركز الاشعاع الثقافي والابداع الفني والطبيعة الخلابة.

ان أموالا وشعارات وزيا موحدا وحركات نمطية شاهدناها في "الثورات الملونة" قد وزعت على مجموعة من المشاركين ينشطون تحت اسماء منظمات المجتمع المدني للانضمام للمحتجين لإطلاق الشعارات الموصى بها. ومع ان انطلاق الاحتجاجات قد ركز على الفساد ونقص الخدمات البلدية لكن الايادي الخفية تدفع بها باتجاه آخر ظاهره الاصلاح وباطنه غايات اسقاط النظام تمهدا لتخريب العلاقات اللبنانية – اللبنانية. فالمجتمع اللبناني ذي الثمانية عشر طائفة وأقلية دينية يعتبر نموذجا مثاليا للتعايش السلمي والتآخي بين مكوناته، لكنه بنفس الوقت مشروعا محتملا للنزاعات المسيحية – الاسلامية والاسلامية – الاسلامية بين السنة والشيعة والدروز دون ان نتجاهل الفلسطينيين فقد كانوا طرفا في نزاعات الماضي.

اما الجهات التي تدفع تلك الاموال وتدفع باتجاه حرف الاحتجاجات عن أهدافها التي خرجت للساحات من أجلها فهي نفسها الجهات التي دفعت لشباب " ميدان " في أوكرانيا ومهدت للانقلاب على السلطة الشرعية في البلاد واحلال عملاهم بدلها. اثارة الشارع اللبناني واضعاف السلطات الأمنية والعسكرية المحدودة بعددها وامكانياتها سيمهد لدخول داعش وحليفاتها لبدء حربها ضد الطائفة أو المكون الذي اختير لها وليس من المستبعد أن يكون المستهدف هو الطائفة الشيعية وحزب الله اللبناني بكونهم كما يزعمون امتدادا للنفود الايراني وللهلال الشيعي.

الاحتجاجات التي بدأت ضد الفساد هي احتجاجات مشروعة وما دامت سلمية وعقلانية فعلى السلطات اللبنانية التعامل معها ايجابيا واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحقيق مطالب المحتجين الممكنة دون ابطاء وفتح قنوات الحوار مع ممثلي المتظاهرين والتحدث اليهم بكل صراحة ومسئولية حول المطالب التي تحتاج مزيدا من الوقت والموارد. وبدون شك فان المحتجين ذوي النوايا الحسنة سيتفهمون الموقف وينهوا تجمعاتهم والعودة كل الى اعماله. لكن الآخرين الممولين والمدفوعين من أطراف مشبوهة فسيصرون على الاستمرار واثارة التوترات لإجبار السلطات على استخدام العنف لإيجاد المبررات للتدخل الخارجي. وهو ما حدث بالفعل فقد قام البعض بالاعتداء على رجال الامن اضطر هؤلاء على الرد مما عقد الوضع السياسي والامني اضطر على اثره تدخل الاتحاد الأوربي.

ففي الثالث من الشهر الجاري قام سفراء الاتحاد الأوروبي بالسفر الى لبنان والاجتماع مع رئيس الوزراء تمام سلام أعربوا خلاله عن دعمهم لجهوده في المحافظة على استقرار الحكومة وعملها وعلى ضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإقرار التشريعات الملحة بما في ذلك قانون انتخابي جديد تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية جديدة. وايدوا التحقيق الذي أجرته وزارة الداخلية لمحاسبة من أقدم من القوى الأمنية على الإفراط في استعمال القوة وأدانوا في الوقت نفسه العنف ضد قوى الأمن وأعمال التخريب التي تضر بالطبيعة السلمية للتحركات الاحتجاجية ويبدو حتى الآن ان الوضع السياسي الداخلي والأمني ما يزال تحت السيطرة.

لكننا لا نعرف ما يخطط خلف الكواليس، فقد يغتالون سعد الحريري ويتهمون حزب الله وقد يطلقون صاروخا باتجاه اسرائيل وعندها تحل اللحظة التي تنتظرها اسرائيل لشن الحرب التي تستعد لها منذ نهاية حربها السابقة قبل سنوات ولم تحقق أهدافها. وعندها يتفجر الموقف فيدخل لبنان النفق المعد له ولن يخرج منه الا وقد انقسم على نفسه الى اقطاعيات تحكمها الفوضى الدائمة. وحتى ذلك الحين فلابد لدماء بريئة كثيرة أن تجري وعندها ترفع الانخاب احتفالا بموت العقل وانتصار الغابة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق