آراء وافكار - مقالات النبأ

فارس الصف

للنجاح ضريبة معروفة يدفعها الناجحون دائما، بعضهم يستغرب إجبارهم على دفع هذه الضريبة، وآخرون يفعلون ذلك، أي يدفعون الضريبة من دون انزعاج أو استغراب أو تبرّم، لأنهم جربوا النجاح أكثر من مرة ودفعوا ضريبته أكثر من مرة أيضا.

لماذا يوضع الإنسان الناجح في دائرة الاستهداف؟، ولماذا يتعرّض للتسقيط، بدلا من التشجيع والمراعاة والدعم، هذه أسئلة واقعية يجيب عنها المجرِّبون بوضوح عبر المثل الشعبي المعروف (العين ما تحب الأرجح منها)، أي أن الإنسان جُبل بالسليقة على عدم الاعتراف بمن يفوقه ذكاءً أو مهارةً أو قدرات أو حتى قوة جسمانية.

الصغار عمرا هل يشتركون مع الكبار في هذه الحالة، وهل هذا الصراع بمثابة قانون ثابت، هل كراهية الناجح من قِبَل الفاشل أمر لا يقبل التصحيح أو التغيير؟؟

فارس الصف فعالية تحفيزية معمول بها في مجتمعات معينة، وهي صفة تميّز أحد الطلاب عن غيره، تُمنَح من مشرف الصف لأحد الطلاب كونه متميزا ومتفوقا في درجاته أو علاماته في الامتحانات، وأتذكّر أنني شخصيا حصلتُ عليها في الصف الرابع الابتدائي (في ستينيات القرن المنصرم)، ومن محاسن الصدف أن يحصل عليها ابني أيضا حين كان متميزا بين أقرانه وهو في الصف الثالث الابتدائي.

هنا أريد أن أقص عليكم تفاصيل فوز ابني بصفة فارس الصف وما رافق ذلك من أحداث لا تزال وسوف تبقى راسخة في ذاكرتي وذاكرته، وفارس الصف عبارة عن شريط أبيض شفاف طوله نصف متر، مكتوب عليه باللون الأسود أو الأحمر (فارس الصف)، ويتم ربطه على قميص الطالب من الأمام، فيزهو به أمام أقرانه أثناء الدوام في المدرسة.

في ظهيرة يوم معتدل من أيام الخريف الخوالي، فتحتُ باب البيت بعد أن سمعتُ أصوات كأنها تغريد البلابل لعدد من الأطفال بين الثامنة والتاسعة من العمر، أول شيء رأيته ابني مرفوعا إلى الأعلى من قبل مجموعة من الطلاب الأطفال، وهم يتصارخون مبتهجين بابني الذي حصل على شارة (فارس الصف)، كانوا يرفعونه بأيديهم فوق أكتافهم عاليا، وكان وجهه الصغير المشعّ يبدو ضاجّا بالفرح والخجل وربما بشيء من القلق أيضا.

ثقافة التحفيز والانتخاب

دنوتُ من جوقة الأطفال وتلقَّفتُ جسد ابني الصغير، وأنزلته الأرض وقبّلته قبل أن أسأل عن سبب رفعه إلى الأعلى من قبل أقرانه، وحين سألتُ لم يجبني هو بل ظل صامتا، فيما بادرت أفواه الأطفال الآخرين بأصواتهم المغرّدة فرحا وحبورا (لقد حصل على شارة فارس الصف)، لحظتها تذكَّرتُ ضريبة النجاح، وركّزتُ في وجوه الأطفال الصغار، لم أرَ بينهم حاسدا ولا ناقما ولا كارها، كانوا بوجوه مُضاءة بالبراءة والفرح.

ذهب الأطفال إلى بيوتهم، ودخلنا أنا وابني بيتنا، ثم طلبتُ منه أن يشرح لي كيف حصل على فارس الصف فقال: جمعتنا المعلمة (مشرفة الصف) في صفنا، جلسنا في مقاعدنا، ثم شرحت لنا كيفية التصويت بشكل سري في أوراق صغيرة لنختار أفضل طالب من بيننا، وقامت بتوزيع مقصوصات ورقية صغيرة علينا، ثم طلبت منا كتابة اسم الطالب الذي نرشحه كفارس للصف، وأكدت على السرية وحرية الاختيار، أنا شخصيا لم أكتب اسمي بل رشَّحتُ اسم طالب آمنتُ بأنه ذكي ومتميز في صفّنا.

بعد أن أكملنا الاختيار وطوينا القصاصات وسلمناها للمعلمة، طلبتْ المعلمة من أحد الطلاب أن ينهض نحو السبورة ليكتب أسماء الطلاب والأصوات لمعرفة الفائز بفارس الصف، وبالفعل تم فرز الأصوات، وفي النهاية حصلتُ على 24 صوتا من بين 28 طالبا هو عدد طلاب صفّنا، فطلبت مني المعلمة أن أنهض وأتقدم نحو السبورة وأقف أمام الطلاب وأشكرهم على ثقتهم بي، وفعلتُ ذلك مرتبكا بفرحةٍ وبمشاعر لا أستطيع وصفها.

التعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر

الآن أتساءل لماذا لا نعثر على منافسات من هذا النوع بين الكبار؟، بل وهي غائبة حتى بين الصغار، أليست هذه الفعالية تنمّي روح المنافسة المشروعة بين الناس، وإذا تعلموها صغارا، فإنها سوف تنمو معهم وترسخ في تفكيرهم وتتجسد في سلوكياتهم أيضا، إنها ببساطة ثقافة التطلع والسعي نحو النجاح، في ظل معايير تنافسية عادلة، أو يجب أن تكون كذلك.

ولكن غيابها أو قلّتها، أو عدم العمل بها، يشكل خسارة تربوية للطلاب وربما للمجتمع كله، كما أنها تُظهر لنا أن ضريبة النجاح التي قد يدفعها الكبار، ليست موجودة في عالم الصغار، وقد رأينا كيف رفع الصغار الطالب الذي حصل على فارس الصف فوق رؤوسهم، ولم يحسدوه أو يبغضوه، بل نظروا إليه على أنه مثلٌ لهم في النجاح والتميّز.

ثقافة تشجيع المتميزين يجب أن تعود بقوة في مجتمعنا، بدءًا من الطفولة صعودا إلى الشباب، وحتى الكبار، كهولا أو أكبر، يجب أن لا نستثنيهم من التحفيز والتشجيع على روح المنافسة والنجاح بشرف، فكما يُقال، الفشل بشرف خير من النجاح بالغش، وقيم النجاح والفشل هذه يجب أن يتعلّمها أطفالنا، فالتعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر، (خذوهم صغارا)، وعلّموهم على أن النجاح يجب أن يشجع الآخرين ولا يستثير حسدهم أو كراهيتهم.

اضف تعليق