لا تقتصر المشاكل السياسية في النظام السياسي في عراق ما بعد عام 2003 بالجانب الحكومي او البرلماني او حتى القضائي من حيث الشكل، وانما المشكلة اكبر من ذلك رغم ان السلطات الثلاث التي سادت في العراق أصابها خلل كبير قسم منها راجع لشخوص وقسم اخر راجع الى مشاكل بنيوية اصابت مجمل النظام السياسي في العراق بعد التغيير من النظام الاستبدادي.

أتصور ان المشكلة في العراق لا تنحصر فيمن يتولى هذا الموقع او ذلك - دون ان يبرأ ذلك من تصدى للسلطة- كما هو التركيز في الاغلب عند كل مناسبة يراد بها ان يكلف هذا الشخص او ذاك رغم أهمية كفاءة ونزاهة واستقلالية الأشخاص الذين يتبوؤون مناصب عليا في الدولة، خصوصا عندما يكون الشخص وكيلا عن حزبه او جهته السياسية وبالتالي تنفيذ اجندات حزبه ويتجاوز ذلك الى مسائل هدر المال واستغلال السلطة.

أتصور ان المشكلة في العراق هي مشكلة بنيوية تتعلق بمجمل النظام السياسي والدستور واغلب من هم بالسلطة الآن يعلمون جيدا ان الدستور كتب بطريقة الطوائف وبظروف مستعجلة لذا فان الحديث عن الإصلاح السياسي لا قيمة له إذا لم يشمل اصلاح مجمل النظام السياسي، اغلب القوى لا تريد ان تخوض في صراع الإصلاح السياسي خشية ان تفقد مواقعها ونفوذها ومكتسباتها التنفيذية السياسية والمالية.

فمن هنا يتساءل الكثير منا اين الخلل الذي أصاب الدولة العراقية؟ ورغم مرور ما يقارب عشرون عاما ولا تزال مهمة إصلاحه ليس باليسيرة رغم الاحتجاجات الشعبية ومطالب سياسية ودينية وشعبية بإصلاح الخلل الذي أصاب مجمل النظام السياسي في العراق بعد التغيير.

الكثير يذهب الى ان الإصلاح السياسي يتم مع تغييرات على مستوى الشخصيات وبعض القوانين الإجرائية مثل ما حصل بعد احتجاجات تشرين عام 2018 وبدأ بعد انتخابات تشرين الأول عام 2021، ان الموضوع اعقد من ذلك بكثير وان هناك خلل كبير في النظام السياسي وكل مخرجات العملية السياسية وهذا الخلل في بنية النظام السياسي يعني ان الخلل يكمن بالآتي:

أولاً: في شكل النظام السياسي القائم على أساس النظام النيابي، خصوصا وان العراق عاش طوال عقود حكم استبدادية ولم يرتقي بعد مع المواطنة السياسية والاجتماعية ولا يزال يعد اشبه بكانتونات طائفية وقومية.

ثانياً: هناك خلل في الدستور العراقي النافذ يعني حتى مع التجربة البرلمانية هناك تعقيدات منها الاخذ بالتوافقية المحاصصاتية ضمنا ومن ذلك ما جاء في تفسير المحكمة الاتحادية والتي هي بدورها قد تكون جزء من المشكلة البنيوية بحكم الخضوع للإملاءات السياسية والضغوطات الحزبية من هنا وهناك، واحيانا تكون تفسيراتها ذات ابعاد توازنية يعني مرة تحكم لصالح هذا الطرف ومرة أخرى لذلك الطرف حسب كل مرحلة برلمانية.

ومن المشاكل البنيوية التي اصابت مجمل النظام السياسي غياب القانون واستبدال الحكم الرشيد بالفوضى السياسية والتغول الحزبي والمليشياوي، ومن دلائل ذلك ما جاءت به التسريبات المنسوبة لرئيس وزراء سابق في العراق كان من المفترض ان يكون اكثر الشخصيات شعورا بالمسؤولية تجاه الشعب وقواه الاجتماعية والسياسية والدينية.

وكذلك هناك خلل في جملة التشريعات الضابطة للمجالين السياسي والاجتماعي ومنها قانون الأحزاب السياسية الذي جاءت بنوده مع ما تريده الأحزاب والكتل السياسية او لا يعمل به أصلا اذا ما كانت بعض بنوده لا تنسجم مع ما تريده تلك القوة خصوصا في الفصل ما بين الجانبين السياسي والعسكري.

جملة من التشريعات شرعت بقياسات حزبيه وبالتالي أصبحت جزء من المشكلة وليس الحل وهذا يشمل الدستور نفسه الذي شرع امتيازات معنية على حساب العدالة الاجتماعية تصل حتى الى مرحلة المفاضلة في منح الشهادات العليا، وصرف راتبين في وقت واحد وما الى ذلك.

ومما تقدم فان تشخيص الخلل أولى مقدمات الإصلاح، وان الإصلاح السياسي يحتاج الى إرادة وطنية وتقديم تنازلات حزبية وشخصية لصالح بناء الدولة وحل مشاكلها البنيوية، وما لم تحل المشاكل البنيوية المتعلق بالنظام السياسي تظل بعض التغييرات السياسية والقانونية حاجة وقتية وآنية لا تحل المشكلة.

ولحل المشاكل البنيوية في النظام السياسي العراق بعد التغيير نحتاج الى احد الامرين: اما تعديل دستوري شامل وبإرادة وطنية يرسم هذا التعديل لمرحلة جديدة من الحكم الرشيد، وسيادة القانون، وتقنين التعددية الحزبية، تحقيق التحول الديمقراطي الحقيقي، او بتغيير شعبي شامل، والامر الأول ايسر من الثاني واقل كلفة بشرية، لكنه يحتاج الى توافر للإرادة الوطنية والشعبية والشعور بخطر الإبقاء على الوضع السياسي والدستوري الراهن.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001– 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق