من جهة، لدينا حمية البحر الأبيض المتوسط الشهيرة طبياً، والمفضلة لدى خبراء التغذية. ومن الجهة الأخرى، لدينا حمية الكيتو الشهيرة، المعروفة بتقليص الكربوهيدرات.

ويدّعي أنصار الكيتو أنّ النظام الغذائي يقلّل الشهية، ويذوّب دهون البطن، ويعزّز الحدّة الذهنية.

وأظهرت الدراسات تحسّنًا قصير المدى على الأقل بنسبة السكر في الدم لدى الأشخاص الذين يتّبعون حمية الكيتو أيضًا.

أما بالنسبة لحمية البحر الأبيض المتوسط، فقد ربطتها الأبحاث بتقليل مخاطر الإصابة بالسكري، وارتفاع الكوليسترول، والخرف، وفقدان الذاكرة، والاكتئاب، وسرطان الثدي، بالإضافة إلى أنها تساهم بفقدان الوزن، وتقوية العظام، وصحة القلب، كما أنها تُطيل العمر.

وقارنت تجربة سريرية جديدة خاضعة للرقابة، أجريت خلال الجائحة، بين النظامين الغذائيين من خلال الطلب من 33 شخصًا يعانون من مرض السكري باتباع النظامين، واحدًا تلو الآخر، لمدة ثلاثة أشهر.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى، تلقى المشاركون إما وجبات صحية تعتمد على حمية الكيتو أو حمية البحر الأبيض المتوسط، ثم اتبعوا خطط الوجبات بأنفسهم.

وراقب الباحثون وزن المشاركين، ومستويات السكر في الدم (الغلوكوز)، وعوامل الخطر القلبية الوعائية، ومدى الالتزام بالنظام الغذائي.

وقال الدكتور والتر ويليت، الباحث الرائد في مجال التغذية، وأستاذ علم الأوبئة والتغذية بكلية تي أتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد، غير المشارك في الدراسة، إنّ "الحميتين حسّنتا التحكم بنسبة الغلوكوز في الدم بدرجة مماثلة، وفقدت المجموعتان في الدراسة الوزن ذاته".

ورغم ذلك، عندما فحص الباحثون أثر الحميتين على مستويات الدهون في الدم التي تساهم بالإصابة بأمراض القلب، كان النظام الغذائي المتوسطي الأفضل، وفق ما خلُصت إليه الدراسة المنشورة في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية.

وتتبعت الدراسة البروتين الدهني منخفض الكثافة، المعروف باسم الكوليسترول "الضار"، والدهون الثلاثية، وهي نوع مختلف من الدهون في الدم تساهم أيضًا بتصلّب الشرايين.

وأدت حمية الكيتو إلى زيادة كبيرة بنسبة الكوليسترول بلغت 10%، بينما خفّضت حمية البحر الأبيض المتوسط الكوليسترول الضار بنسبة 5%، وفقًا لما ذكره الدكتور فرانك هو، رئيس قسم التغذية بكلية تي أتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد، غير المشارك في الدراسة.

وأشار هو إلى أن "الفرق بين النظامين الغذائيين كبير للغاية، وقد يكون له عواقب طويلة المدى على أمراض القلب والأوعية الدموية".

ووجدت الدراسة أنه في حين أنّ الحميتين خفضتا الدهون الثلاثية، فإن نظام كيتو الغذائي كان له تأثير أكبر.

وقال هو إن "تقليل الدهون الثلاثية ليس بالأهمية ذاتها لارتفاع الكوليسترول الضار"، مضيفًا أن "ارتفاع الكوليسترول الضار يشكّل عامل خطر أقوى وأهم بكثير لأمراض القلب والأوعية الدموية من مستويات الدهون الثلاثية".

وتابع: "لذا في حين تمتع النظامان الغذائيان بفعالية كبيرة للسيطرة على نسبة السكر في الدم على المدى القصير، أعتقد أن القضية الرئيسية تتمثل بالأثر الطويل المدى المحتمل لحمية الكيتو على أمراض القلب والأوعية الدموية".

ورأى مؤيدو حمية الكيتو أنها تحقّق نجاحًا سريعًا لجهة إنقاص الوزن عن طريق وضع الناس في الحالة الكيتونية، ومفادها بدء الجسم بحرق الدهون المخزّنة كوقود.

لكن للوصول إلى الحالة الكيتونية، يتم تقليل الكربوهيدرات بشكل كبير بمعدل يتراوح بين 20 و50 غرامًا في اليوم. ويؤدي تناول الكربوهيدرات الإضافية إلى خروج الشخص من الحالة الكيتونية.

وغالبًا ما ينظر الناس إلى الكيتو على أنه نظام غذائي "للحوم" ويقومون بملء أطباقهم بمشتقات الألبان كاملة الدسم، والنقانق، واللحم المقدد، وأنواع اللحوم الأخرى المشبعة بالدهون، وكلها قد تساهم بالالتهابات والأمراض المزمنة.

ورغم ذلك، استخدمت الدراسة "نظامًا غذائيًا كيتونيًا مدروسًا"، يحد من تناول البروتين بكميات كبيرة ويركّز على الخضار غير النشوية، وفقًا لما أوضحه كريستوفر غاردنر، مؤلف الدراسة، وأستاذ أبحاث الطب في مركز ستانفورد لأبحاث الوقاية.

ويحظر نظام كيتو الغذائي تناول الحبوب والبقوليات والفاكهة بأنواعها باستثناء حفنة من التوت، فيما تشدّد حمية البحر الأبيض المتوسط على تناول الفاكهة، والخضار، والفاصولياء، والعدس، والحبوب الكاملة، والمكسّرات، والبذور.

ولفت الدكتور شيفام جوشي، أستاذ مساعد سريري للطب بكلية غروسمان للطب في جامعة نيويورك، غير المشارك في الدراسة إلى أنه بالإضافة إلى ارتفاع الكوليسترول الضار، فإن الأشخاص الذين اتبعوا حمية كيتو سُجّل لديهم "انخفاضًا بكمية استهلاك الثيامين، وفيتامينات B6 وC وD وE والفوسفور، والألياف" .

وأشار ويليت إلى أن الحبوب الكاملة والفاكهة تتمتع بفوائد صحية إيجابية، كما أن استبعادها من حمية الكيتو يثير بعض القلق بشأن الآثار الصحية طويلة المدى.

ما الرسالة الرئيسية المستفادة من الدراسة؟

وقال هو إن "الرسالة الأهم مفادها أن التقييد الشديد لبعض الكربوهيدرات الصحية ليس ضروريًا لتحسين التحكم بنسبة السكر في الدم وصحة التمثيل الغذائي للقلب"، مضيفًا: "يمكنك اتباع حمية البحر المتوسط، أو نظام غذائي معتدل منخفض الكربوهيدرات، أو نظام غذائي نباتي صحي للغاية. هناك خيارات مختلفة للأشخاص الذين لديهم تفضيلات غذائية مختلفة".

كيف تلتزم بحمية البحر الأبيض المتوسط؟

يُوصي الخبراء باتباع النظام الغذائي المتوسطي منذ اعتماده في التسعينيات. وما زال هذا النظام يحتفظ بمكانته رغم إضافة خطط غذائية جديدة ورائجة عليه. وإذا كنت تتّجه إلى اتّباع نظام غذائي نباتي، أو آخر مرن، فأنت تتّبع النموذج الغذائي المتوسطي من دون أن تعلم.

وقالت اختصاصية التغذية ميشيل دوداش، ومؤلفة كتاب "كتاب الطبخ المنخفض النشويات: وصفات سريعة وسهلة غنية بالبروتينات المرتفعة والسكر القليل، والدهون المفيدة لحياة صحية مديدة"، فإنّ النظام الغذائي المتوسّطي "معلوم أنّه أحد أكثر الأنظمة الغذائية الصحيّة في العالم".

وأضافت أنه ليس نظامًا غذائيًا لخسارة الوزن بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هو أسلوب حياة يعتمده سكان الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط.

وبالإضافة إلى الطعام والمكوّنات الموجودة محليّا في المنطقة، فإن لهذا النظام بعدًا أوسع يرتبط بالمقاربة المستندة إلى أسلوب الحياة، وقوامها تعزيز التمتّع بتناول الوجبات الغذائية مع أفراد العائلة والأصدقاء، ثم النهوض والتحرّك طوال النهار. فالمشي والتحدّث مع صديق عوضًا عن المراوحة في مكانك مشيًا على جهاز المشي، هو الأسلوب المتوسطي.

وفي المجمل، يتركّز هذا النظام الغذائي على مكوّنات نباتية، بينها الفاكهة والخضار، والمكسّرات، والبذور، والحبوب، بالإضافة إلى المأكولات البحرية التي تشكّل مصدر البروتين الحيواني الأساسي.

وأوضحت دوداش، التي اختبرت هذا النظام الغذائي من خلال الطبخ مع جدّتها اللبنانية وجدّة جدّتها، حين كانت طفلة، إنّه رغم أن اللحوم ومشتقات الحليب تشكلّ جزءًا من النظام الغذائي المتوسطي، إلا أنّه غني بالنباتات.

وعندما كبرت، عزّزت أسفارها عبر الدول المتوسطية مثل إيطاليا، وفرنسا، وكرواتيا وموناكو، وتذوّقها للأطعمة فيها، عشقها لأسلوب الحياة المتوسطية. ومجمل المقادير التي يتضمّنها النظام الغذائي المتوسّطي الذي يعتمد قليلًا على الأطعمة الجاهزة، تجعل أسلوب الحياة هذا يعتمد على نحو طبيعي بالحد الأدنى على النشويات. ويمكن البدء بإحداث تحوّل في عادات الطعام من خلال الاستعاضة بكمية كبيرة من مكونات المطبخ المتوسطي عن أكل النشويات مثل الخبز الأبيض، والأرز، واللحوم الحمراء، والغذاء المضاف إليه السكر.

وإذا كنت تسعى للتخفيف من كمية النشويات التي تتناولها، فأدخل نباتات أكثر، وألياف ودهون جيدة إلى نظامك الغذائي. أو ببساطة تناول كميات قليلة من الأطعمة الجاهزة، فهي قد تكون أسهل من تغيير أسلوب حياتك حتى يكون متوسطيًا.

ويمكنك تحويل وجباتك الغذائية إلى النظام المتوسطي من خلال اعتمادك الطبخ بزيت الزيتون البكر الممتاز. فهو يتميّز باحتوائه على نسبة قليلة من الدهون المشبعة (التي تسبّب الكولستيرول العالي)، وغني بالأحماض الدهنية الأحادية غير المشبَّعة التي تساهم في خفض مستوى الكولستيرول. وتعطيه متعددات الفينول اللون الأخضر المذهّب التي تساعد في مكافحة مجموعة من الأمراض.

https://arabic.cnn.com

اضف تعليق