والعلاقةُ بين الفلسفة (الثابت) والأداة (المُتغيِّر) هي التي تُحدِّد الرابطةَ بين المركز والأطراف في العلاقات الاجتماعية التي تَنعكس على اللغة، التي تَنعكس على الوَعْي، الذي يَنعكس على المَعنى. وهذه الانعكاساتُ المُتوالية تُمثِّل سلسلةً معرفيةً تُقَوِّي هَيمنةَ الإنسان على العناصر الوجودية التي يَعيش بها، وتُعزِّز سيادته...

(1)

أهميةُ الثقافة لا تَنبُع من قُدرتها على توليد أنساق فِكرية في الإطار الاجتماعي فَحَسْب، بل أيضًا تَنبُع مِن قُدرتها على فتح التاريخ الإنساني أمام الأسئلة، مِمَّا يؤدِّي إلى كسر العُزلة المفروضة على العقل، وتحريره من ضغط المُسلَّمات التي تكوَّنت بفِعل التراكمات الزَّمنية، وليس التراكمات العِلْمية.

والزَّمنُ سُلطة نِسْبِيَّة عَرَضِيَّة، والمعرفةُ المُستمدة من مُرور الزمن تعتمد على الآليات المُتَوَارَثَة الضاغطة، في حِين أنَّ العِلْم سُلطة مُطْلَقَة جَوهرية، والمُعرفة المُستمدة مِن قِيمة العِلْم تعتمد على المناهج الإبداعية الفاحصة. والتمييزُ بين هاتَيْن السُّلْطَتَيْن ضروريٌّ من أجل تكوينِ نظام اجتماعي يمتاز بالفاعلية والدافعية، ويعتمد على ماهيَّة المعرفة التي تَمَّ إثباتُها وترسيخُها وَفْقَ قواعد المَنهج العِلْمي، ولَيس سياسة الأمر الواقع.

والمجتمعُ لا يَستطيع إنشاءَ سُلطة معرفية قابلة للحياة، وقادرة على الانتشارِ في إفرازات البيئة وتأثيرات اللغة، إلا إذا فرَّق بين المَنهج والآلِيَّة، فالمَنهجُ فلسفة القواعد المَنطقية المُوصلة إلى حقيقة الأشياء وطبيعة العلاقات، والآلِيَّةُ أداة فَحْص الأشياء ووسيلة الكشف عن العلاقات.

والعلاقةُ بين الفلسفة (الثابت) والأداة (المُتغيِّر) هي التي تُحدِّد الرابطةَ بين المركز والأطراف في العلاقات الاجتماعية التي تَنعكس على اللغة، التي تَنعكس على الوَعْي، الذي يَنعكس على المَعنى. وهذه الانعكاساتُ المُتوالية تُمثِّل سلسلةً معرفيةً تُقَوِّي هَيمنةَ الإنسان على العناصر الوجودية التي يَعيش بها، وتُعزِّز سيادته على القيم العقلانية التي يَعيش فيها، وتدعم سُلطته على المُدْرَكَات الحِسِّية التي يَعيش معها.

(2)

الحياةُ الإنسانية مجموعة من التجارب الاجتماعية المُتشعِّبة والمُبعثرة بفِعل كثرةِ الأسئلة، وقِلَّةِ الوقت وعدم كفايته لإيجاد أجوبة حاسمة عن جميع الأسئلة. وبما أن عُمر الإنسان مَحدود، والأسئلة غَير مَحدودة، فلا بُد له أن يَستغل عاملَ الوقت، ويُدرِك أنَّه في سِباق معَ الزمن، مِن أجل تكوين منظومة (المَنهج / الآلِيَّة) التي تُناسب حياته الشخصية، وتتلاءم معَ قُدراته الذاتية التي تَقُوم على المُوَازَنَة بين نِقاط قُوَّته ونِقاط ضَعْفه.

والحياةُ الإنسانية شديدة التعقيد، ولا تتحرَّك وَفْقَ مسار خَطِّي بسيط، ومعَ هذا يُمكن إرجاعها إلى نَوَاتها الأوَّلِيَّة، كما يُمكن إرجاع الغابة إلى البِذرة، وإرجاع الطُّرُق الفرعية إلى الطريق الرئيسي. وطريقُ الإنسان في حياته يتكوَّن من نقاط مرجعية ومعالم ثابتة، لا تتغيَّر باختلاف الزمان والمكان، وهي: السؤال واللغة والوَعْي والمَعنى.

(3)

الغايةُ من تحديد معالم الطريق الرئيسي في حياة الإنسان هي حَصْرُ الدراسة والتحليل في بؤرة مركزية واحدة، وعدمُ إضاعة الوقت في العوامل الجانبية والروافد المتفرعة، وحمايةُ الوجود الإنساني من استنزاف القوى وإضاعة الجهود في معارك فِكرية هامشيَّة. وإذا سَيْطَرَ الإنسانُ على الفلسفة سَيْطَرَ على الأدوات ضمنيًّا، وإذا تَحَكَّمَ بالمناهج تَحَكَّمَ بالآلِيَّات تلقائيًّا. ونُقْطَةُ البِداية هي السُّؤال، لأنه مصدر المعرفة.

وأصلُ السُّؤال نشاط ذهني قائم على التأملات، يحتاج إلى وسيط للتَّعبير عَن نَفْسِه، والخُروج إلى حَيِّز الوُجود. واللغةُ وَحْدَها هي القادرة على التَّعبير عن السؤال وكشفِ مُحتويات الذهن. وينبغي التفريق -في بُنية العلاقات الاجتماعية- بين اللغة وإفرازاتها. فاللغةُ ذاتٌ اعتبارية، وسُلطة مُطْلَقَة، وكَينونة وجودية قائمة بذاتها. واللغةُ تسجيل للواقع، وانقلاب على الواقع، وصناعة لواقع جديد. وهذا يعني أنَّ اللغة تشتمل على عناصر التغيير الاجتماعي، لذلك كُل نشاط لغوي هو بالضرورة حراكٌ اجتماعي.

أمَّا إفرازات اللغة فهي أدوات الاتصال بين الناس، ووسائل التخاطب والتفاهم بينهم. واللغةُ هي مَنبع الوَعْي، وهي الوُجود الحُر والحَي الذي يستطيع التمييز بين الوَعْي الحقيقي والوَعْي المُزيَّف. وإذا امتلكَ الإنسانُ الوَعْيَ وَصَلَ إلى المَعنى. وقُوَّةُ المعنى تتجلَّى في اكتشافِ حقيقة الحياة الإنسانية، وتحديدِ العناصر الفِكرية المُكوِّنة لها، وتوضيحِ العلاقات التي تَربطها بذاتها ومُحيطها. والجديرُ بالذِّكر أنَّ الحقيقة لا تُصنَع، وإنَّما تُكْتَشَف، لأنَّ وُجودها سابق على وجود الإنسان.

* كاتب من الأردن

اضف تعليق