هذا التحرك يأتي في وقت عملت كتائب حزب الله العراقي على السيطرة على منفذ القائم الحدودي مع سوريا بعد طرد القوة الحامية وادارة المنفذ. وهذا يؤكد ان الاتفاق يعبر عن ارادة أطراف داخل البلدين لإنقاذ الاقتصاد اللبناني عبر اغراق السوق العراقية في وقت لا تكترث...

"لبنان بلد مهم للعراق. الكثير من العراقيين يرتادون لبنان من أجل الدراسة والحصول على خدمات طبية وبالتالي تمتين هذه العلاقة بما يعزز مصلحة كافة الأطراف". "ناقشنا اتفاقية جديدة مع الجانب اللبناني وهي تحسين نوع الخدمات الصحية اللبنانية المقدمة للعراقيين الذين يرتادون المستشفيات اللبنانية". بهذه التصريحات غير المدروسة وغيرها تحدث وزير النفط العراقي احسان عبد الجبار اسماعيل والذي ترأس وفد وزاري عراقي وصل الى بيروت يوم الخميس 2 تموز ضم ايضا وزيري التجارة والزراعة.

واكدت صحيفة الاخبار التابعة لحزب الله اللبناني ان الزيارة جاءت تلبيةً لدعوة الحكومة اللبنانية بعد مشاورات بين البلدين بدأت مع تولي حسن دياب رئاسة الحكومة اللبنانية لبحث سبل مساندة الاقتصاد اللبناني في أزمته الاقتصادية الراهنة.

وتنقل الصحيفة التابعة لحزب الله الداعم للحكومة اللبنانية الحالية، معلومات تؤكد ان الجانب اللبناني طلب من مصطفى الكاظمي بعد توليه رئاسة الحكومة أكثر من مرة وضع وديعة ضخمة من الدولار في مصرف لبنان المركزي، الا ان الكاظمي اعتذر لعدم قدرة بلاده على ذلك، في ظل الظروف الماليّة الصعبة التي تمرّ بها جرّاء انهيار أسعار النفط عالميّاً، وانعكاس ذلك بشكلٍ مباشرٍ وقاسٍ على التدفقات الماليّة.

ويُنقل عن الكاظمي أسفه لمآلات الأزمة الاقتصاديّة في لبنان، وهو وجّه أكثر من رسالةٍ لبعض القوى اللبنانيّة، أبدى فيها رغبة بغداد بالوقوف إلى جانب بيروت في هذه الأزمة، واستثمار الموارد المتاحة. ويبدو ان ترجمة هذا الدعم هي الوصول إلى «تفاهمٍ» بين الطرفين، يتيح للبنان بأن يُصدّر منتجاته الزراعيّة إلى العراق، مقابل تلبية الحاجات النفطيّة اللبنانيّة.

تتحدث الصحيفة ايضا عما أسمته "الاهداف الكبرى" للزيارة، وهذا يشير الى محاولة حكومتي العراق ولبنان إيجاد منفذ انقاذ للاقتصاد اللبناني الذي يشهد انهيار كبير لعملته والتي فقدت أكثر من 75% من قيمتها. بفعل العقوبات وتبعات جائحة كورونا الاقتصادية، في وقت تسعى الحكومة إلى إتمام التفاوض مع صندوق النقد الدولي وفق خطتها الإنقاذية، من أجل الحصول على حزمة من المساعدات تنتشل لبنان من الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة التي يعيشها، والتي جوبهت بتريث من قبل الصندوق لحين قيام السلطات في لبنان بإجراء اصلاحات مالية واقتصادية جدية.

"الاهداف الكبرى" التي تحدثت عنها الصحيفة تشير الى رؤية اوسع لدى حكومات العراق ولبنان للتعاون بغية الالتفاف على العقوبات التي يعاني منها النظام المصرفي اللبناني عبر مقايضة النفط العراقي مقابل منتجات زراعية لبنانية، وفقا لما طرحة الكاظمي.

هذا الاتفاق الذي لازال في مرحلة المفاوضات ولم يصل الى حد توقيع مذكرة تفاهم. وبما ان الطرفين يبديان استعدادا كبيرا ليكون النقل البري هو الوسيلة الاساسية لنقل النفط والسلع الزراعية عبر سوريا، فقد اخذ حزب الله اللبناني على عاتقه التفاهم مع النظام السوري لإعفاء الشاحنات المتجهة بين العراق ولبنان من رسوم النقل بالعبور (الترانزيت) المرتفعة والتي يفرضها النظام السوري على البضائع المارة عبر اراضيه.

وهذا التحرك يأتي في وقت عملت كتائب حزب الله العراقي على السيطرة على منفذ القائم الحدودي مع سوريا بعد طرد القوة الحامية وادارة المنفذ. وهذا يؤكد ان الاتفاق يعبر عن ارادة أطراف داخل البلدين لإنقاذ الاقتصاد اللبناني عبر اغراق السوق العراقية في وقت لا تكترث فيه هذه الاطراف الى أوضاع البلدين، والحكومتين اللبنانية والعراقية تتجهان نحو الاقتراض الخارجي والمساندة الدولية. ونرى ان هذه المحاولة هي مغامرة تضع بغداد في مرمى العقوبات الاميركية في الوقت الذي تريد ان تصل فيه الى علاقات متوازنة الولايات المتحدة عبر الحوار الاستراتيجي الذي انطلق في حزيران الماضي.

وبالرغم من ان الانتاج العراقي من السلع الزراعية الاساسية بدأ يغطي حاجة السوق المحليةـ، الا ان هناك أطراف تستورد تلك السلع رغما عن السلطات العراقية بسبب تحكمها بالمنافذ الحدودية. والاولى بالحكومة العراقية الالتزام بحماية المنتج المحلي ولاسيما في القطاع الزراعي الذي يساهم بتشغيل ما يقارب من 20% من الايدي العاملة في العراق في وقت يعاني الاقتصاد العراقي من تبعات جائحة كورونا وانخفاض اسعار النفط. كما ان الاولى بها الحفاظ على العملة الصعبة من الدولار. وإذا كان الهدف -كما قال رئيس الوفد العراقي- جذب القطاع الخاص اللبناني، فالأولى بالحكومة التنسيق مع مجلس النواب لإقرار قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص الذي تم تدقيقه من قبل مجلس الدولة منذ كانون الاول 2017.

كل من الشعبين العراقي واللبناني يعاني من تخبط واضح لحكوماتهما وسط سيطرة فواعل غير حكوميين على السياسات العامة في البلدين. كما ان الشعبين يدركان ان تحرك الحكومتين العراقية واللبنانية هو خارج ارادتهما، وانه استجابة لالتزاماتهما تجاه أطراف داخلية منحتها الثقة سابقا في كل من العراق ولبنان ولهذا قوبل اللقاء بالرفض العام حتى وصل الامر الى مهاجمة محتجين لبنانيين قاعة الاجتماع في أحد مطاعم بيروت. اذ من غير المعقول ان ينقذ الغريق غريق آخر، ومن غير المعقول ان تتم التجارة بين البلدين باسلوب المقايضة خشية من العقوبات الاميركية والتفافا عليها بتوجيه من الارادة الايرانية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق