شهدت فترة ما بعد عام 2003 توجه جديد في النص المكتوب للدراما العراقية، فلم يعد ذلك النص الذي يعبئ الآراء للسلطة الحاكمة أو يسير على هواها في اقل تقدير، بل عمد الكتاب إلى الغور في مضمار المسكوت عنه في بنية النص الدرامي العراقي، والذي تجسد من خلال كشف ويلات الحروب التي خاضها الشعب العراقي التي لازالت قائمة لحد ألان ومخلفاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي انعكست على اغلب أفراد المجتمع العراقي.

المقدمة:

شهدت فترة ما بعد عام 2003 توجه جديد في النص المكتوب للدراما العراقية، فلم يعد ذلك النص الذي يعبئ الآراء للسلطة الحاكمة أو يسير على هواها في اقل تقدير، بل عمد الكتاب إلى الغور في مضمار المسكوت عنه في بنية النص الدرامي العراقي، والذي تجسد من خلال كشف ويلات الحروب التي خاضها الشعب العراقي التي لازالت قائمة لحد ألان ومخلفاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي انعكست على اغلب أفراد المجتمع العراقي، ومن الشخوص التي سلطت الدراما العراقية الضوء عليها، الشخصيات المبدعة ثقافيا وعلميا وإبداعيا والتي تخرج من مطحنة الحرب ورجالاتها خائرة القوى مصابة بالجنون أو العصاب وتنتهي بالفناء في اغلب الأحيان بسبب ثورية هذه الشخوص او مواقفها الأيدلوجية تحاربها المؤسسة الحاكمة أيا كان شكلها، وكانت نصوص الكاتب حامد المالكي مثل الحب والسلام اخراج ثامر مروان أو فوبيا بغداد اخراج حسن حسني تحمل لنا في طياتها هذه الشخصية الإبداعية والتي تنتهي بالانهزام أمام هذه المؤسسة المفضي إلى الموت او الجنون، والانهزامية هنا صفة قسرية لحقت بهذه الشخصيات بسبب وحشية التعامل السياسي او الاجتماعي معها مما أدى إلى هذه الانهزامية القسرية عليها.

والمشكلة التي لاحظها المؤلف تتلخص بعملية التعامل مع هكذا شخصيات جديدة على النص الدرامي العراقي إخراجيا.. وما هي المعالجات الفنية التي تبرز هذه الشخصية إخراجيا، واضعا مشكلة البحث تحت التساؤل التالي.. ما هي الكيفية التي تمت بها المعالجة الإخراجية للشخصية الانهزامية في الدراما التلفزيونية العراقية.

المبحث الأول: الشخصية، تعريفاتها، أنواعها

1- الشخصية بين الماهية والنوع:

تعد الشخصية من المنظومات المهمة التي يقوم عليها البناء الدرامي فهي التي تقود الفعل وتؤجج الصراع وتحدث الذروات وتؤدي إلى التطهير، أن كل التيارات الفنية سواء الكلاسيكية أو الحديثة تمردت على البني الأرسطية واستطاعت ان تختلف مع البناء الأرسطي في اغلب تفصيلاته، إلا الشخصية بقيت هي المحور الذي ترتكز عليه كل البنى الدرامية.

إن الدراما والبرامج التلفزيونية تعتمد على الشخصية، سواء كانت ممثلاً أم مقدماً أم متسابقاً فهي تقود الصراع مع باقي عناصر البناء الدرامي نحو النهايات المفترضة، وقد عرفت الشخصية بانها " الواحد من الناس الذي يؤدون الأحداث الدرامية المكتوبة او على المسرح في صورة الممثلين "، ويعود إبراهيم حماده ويعرفها في مؤلف أخر بأنها "المصدر الأساسي لخلق سلسلة من الأحداث التي تتطور من خلال الحوار والسلوكيات العامة والخاصة "، إبراهيم حماده المنظر الدرامي جعل من الشخصية المقود الذي يسير بالأحداث، وهذا صحيح ولكنها هي الحامل لكل تفصيلات البناء الدرامي فهي التي تكشف الفكرة وتؤجج الصراع ونتعرف إلى الجو العام من خلالها وهي التي تؤدي إلى التطهير او التنوير أو التغيير، اما الباحثة ميسون ألبياتي فانها ترى في الشخصية وتنظيمها الدينامي" ذلك الانتفاء في التنظيم الدينامي للشخصية الإنسانية الذي يستخدمه الفنان المسرحي لتقديم أفكار مجردة او صور ذهنية او أراء معينة متوخيا وضعها في قالب جمالي ملي بالتشويق وميسور الفهم من قبل المتفرج "، ترى البياتي إن هناك تنظيماً دينامياً يقود الشخصية لتقديم أفكارها المتنوعة إلى المتلقي، ويرى المؤلف إن التنظيم الدينامي ليس بالضرورة أن يكون متفقاً عليه مسبقاً من قبل المخرج والبطل، بل هو وليد من الشخصية نفسها احيانا.

أما علماء النفس فقد تعرضوا إلى الشخصية وفق المعطيات النفسية لها وقسموها على أنواع عديدة وقد اختار المؤلف منها الشخصيات المضطربة لتعلقها بموضوع البحث:

1-الشخصية البارانوية: أساس هذه الشخصية مبني على الشك في اغلب محاورها فهي على النقيض أو الضد من جميع الأطراف، قريبة كانت أم بعيدة، منفصلة أم متصلة، وتبني على هذا الأساس عداءاتها من خلال إفراطها في الإساءة للآخرين ومرد ذلك التأثيرات الاجتماعية منذ الطفولة ومثال ذلك شخصية كاليكولا للكاتب الفرنسي البيركامو.

2-الشخصية الهستيرية: وهي شخصية غالبا ما نجدها عند الفتيات فهي شخصية مثيرة للجدل متناقضة تبدي الحب للآخرين وتضمر عكس ذلك أي ان داخلها لا يمتلك أي حب أو حنان للآخرين ومثال ذلك شخصية ريفان كبرى بنات الملك لير في فيلم الملك لير أخراج المخرج الياباني اكيرا كيرا ساوا) (.

3-الشخصية النرجسية:وهي "شخصية تنفرد في قراراتها وأهواءها"( ( وكلمة النرجسية اوnersissus بالانكليزية جاءت من اللفظة اليونانية المرتبطة بالأسطورة التي تروي ان شابا كان يجلس أمام بركة ماء فأعجبته صورته، فظل ينظر إليها إلى أن مات ، ومن هذه الشخصيات شخصية ( كريون ) في مسرحية انتيغونا للكاتب الاغريقي سوفوكليس، حيث كان الإصرار على القرار هو المسيطر على هذه الشخصية.

4- الشخصية السايكوباتية: وهي الشخصية التي تمارس النصب والخداع والاحتيال والسحر والكذب كما انها دائمة السخرية من الآخرين والنصب عليهم ومثال ذلك شخصية ياغو في مسرحية عطيل للكاتب الانكليزي شكسبير.

5- الشخصية الانعزالية: وهي الشخصية لتي لا تقبل الحياة بشكل مباشر، بل تعاني من صدمات عدة جعلتها لا تستسيغ شيئا من الحياة ولا تهتم لها أو للموت وغالبا ما تكون هذه الشخصية غريبة الأطوار، مثال ذلك شخصية الغريب في رواية البير كامو (الغريب).

6- الشخصية السادية:تعد هذه الشخصية من الأنواع التي يتميز بها الشخص بنمط شديد من السلوك الوحشي والعنف مع الآخرين بهدف السيطرة واحتقار الناس كما في شخصية رومولوس العظيم للكاتب السويسري دورينمات حينما كان يقسو على الحيوانات الأليفة ويعذبها كما يشـــاء أو حتى شخصية ياغو في عطيل، من خلال التقسيمات أعلاه يرى المؤلف ان الشخصية الانهزامية هي من إرهاصات الشخصية الانعزالية، لاسيما أذا كانت تحمل إبداعا ما .

وقد قسمت سامية احمد علي وزميلها شرف عبد العزيز في كتابهما الدراما في الإذاعة والتلفزيون الشخصية في الدراما الى ستة أنواع:

1- الشخصية البسيطة: وهي التي تظهر خاصية سائدة واحدة خلال الفترة الدرامية لظهورها وربما لا تكون هذه الخاصية سائدة طوال العمل، بل تحتوي خواص أخرى متماشية مع الخاصية السائدة ومثلها شخصيات كثيرة موجودة في الأعمال الدرامية التلفزيونية.

2- الشخصية المركبة: وتسمى أيضا التركيبية وعادة ما يكون حضورها شاخصا وسط الأحداث، وهو خليط غير متكافئ ذو خواص متعددة، وهي غالبا ما تظهر خاصيتين أو أكثر من الخواص القوية أم المتعارضة أم المتصارعة، وهذه الخواص ليست متكافئة القوة، تعاني من صراعات كبيرة داخل بنية الحدث، ونلاحظ في اغلب الشخصيات الانهزامية التي قدمتها الدراما العراقية أنها شخصيات مركبة من الإبداع الثقافي أو العلمي والقهر السياسي أو الديني الذي يوصلها إلى الموت أو الجنون وقد حفلت أعمال روائية ودرامية كثيرة بهكذا شخوص افرغ الكتاب جزءا من شخصياتهم الحقيقية فيها مثل رواية الوشم للربيعي ومسلسل فوبيا بغداد للكاتب حامد المالكي والمخرج حسن حسني.

3- الشخصية المسطحة: غالبا ما تكون هذه الشخصية مساعدة، إذ لا تمتلك من الخواص ما يميزها عن الشخصيات الأخرى وتكون معالمها ذات شكل ولون واحد، والشخصية المسطحة هي التي تخلو من الخواص السائدة، وهي ما تكون ثانوية خالية من الصراع وهي حلقة وصل مابين الأحداث والشخوص ونراها موجودة في اغلب الأعمال الدرامية بكثرة.

4- الشخصية الدائرية: وتكاد تكون شبه حقيقية وتقترب بحضورها لتمس الواقع بشكل مباشر من خلال علاقاتها بالشخصيات الأخرى، فضلا عن علاقة الشخصية بذاتها، وهي شخصية رئيسية في القصة او الدراما التلفزيونية.

5- الشخصية الخلفية:ويكون حضورها لغرض معين ولا تدخل في حيثيات ذلك الغرض وليس لها اهمية في الحبكة ولكن أهميتها تكمن في قيادتها لسيارة أو فتح باب، وربما لا تحمل اسما او قليلة التصوير وهي موجودة بكثرة في الأعمال الدرامية التلفزيونية العراقية والعربية والعالمية.

ويرى المؤلف أن الشخصية الانهزامية شخصية رئيسيه في القصة أو العمل الدرامي والصراع عميق فيها وتصعب قراءتها، وغالبا ما تكون هذه الشخصية ضبابية المعالم وتتكشف صراعاتها مع الآخرين أو مع نفسها من خلال مشاهدة منفردة ذات طابع يكون في قالب التداعي أو الاستذكار سواء كان من خلال الصورة أو الحوار أو الاثنين معا، أو تمرير سلسلة من التداعيات أو الأسئلة ويكون عصيا عليها إيجاد إجابة لها، وهي تعكس حالة مركبة بين الماضي والحاضر والمستقبل أو ما هو كائن أو يكون وربما هي إسقاطات المنظومة العلائقية الداخلية أو الخارجية لها، وتنتهي الى حالات من الجنون أو الموت وهي شخصية غالبا ما تكون مبدعه أو لديها ثراء علمي تحاربها المؤسسات الدينية أو الاجتماعية وهي بهذا إحدى تجليات الشخصية المركبة، وفي الدراما العراقية نجد هذه الشخصية في شخصية دكتور هيثم (حسن حسني) في مسلسل فوبيا بغداد، وكما بين المؤلف بان النهاية لها أما الجنون أو الموت وهي بذلك نتاج الواقع المعاش المليء بالآلام والخيبات، لذا فهي انهزامية، والانهزامية هنا ليست وليدة النشأة بل هي انهزام قسري مما عانته هذه الشخصية من صراعا وخيبات أدت إلى هذه النهاية المفجعة، وقد خلفت وراءها ارث علمي وثقافي مميز.

2- سمات الشخصية في الدراما التلفزيونية

وتعد الشخصية من أهم عناصر العمل الفني، وهي الركيزة الأساسية التي يبني عليها المؤلف الحكاية، واهم ما في الشخصيه سماتها التي يتوخى فيها الحذر، لذا يعد اختيار السمات الأساسية العامة للشخصية أساسا مهما في العمل الفني، ويقسم محمد حسين الشخصية إلى سمات طبيعيه واجتماعيه ونفسيه وآخرون يعطونها تقسيمات أخرى،غير أن المؤلف يحاول أن يختار تلك السمات ذات العناوين الواضحة وهي:

1- السمة البايلوجية:وهي اللبنة الأساسية التي تنبع من عمق الشخصية وهي اللبنة الأولى التي تميز لنا جنس الشخصية، ذكر – أنثى – طفل – شيخ – عجوز – حيوان – إنسان، وهنا تدخل عملية الوعي في اختيار نوع الجنس لما لها من أهمية كبيرة، فهي التي تميز أرادات المؤلف والمخرج وهي الوسيلة التي يمكن من خلالها أن تعلن حضورها السلبي أو الايجابي من خلال تأثيراتها على المتلقي دون الوقوع في فخ الكلائش الجاهزة .

2-السمة المادية: وتقوم هذه السمة بتحديد السمات العامة للشخصية دون الوقوع في المبالغة التي لا مبرر لها، ودائما ما تكون الشخصية ذات قدرات تقع ما بين السمات العامة و الخاصة، فالعامة هي خط حول سير الشخصية، أما السمات الخاصة فهي الثوابت التي تتحدد من خلال الشكل الطول، القصر، البدانة، الصوت ..الخ، أو حتى قصور نفسي تتصف به، فهي تحتاج إلى أداء تمثيلي في وضعها العام والخاص، وهنا لابد للكاتب أن يكون داخل سياق سمات هذه الشخصية بتشوهاتها الخلقية كما في الشخصية الإشكالية أو تشوهات نفسيه كما في الشخصية الانهزامية التي أسس وتطرق المؤلف لها مسبقا .

3- سمة الطابع العام للشخصية:وهي التي تتحدد بما يتناسب وأحداث العمل الدرامي، من حيث حضورها وتنقلاتها سواء كانت متوافقة ام متناقضة فيما بينها وبين نفسها، أو بينها وبين الآخرين، وهذا كله يساهم في سير ونمو الأحداث واندفاعاتها إلى أمام .

4- السمة النفسية: تعد هذه السمة نتيجة محصلة للسمات البايلوجية والسيسيولوجية، فهي نتاج للظروف أو الحوادث أو المواقف التي تمر بها الشخصية بأنواعها المشوهة والمتأزمة، وتعد هذه السمة من أهم الصور التي توضح الإبعاد المرئية للشخصية وتشكل ملامحها الجسدية والسلوكية، وهنا يرى المؤلف أن الشخصية الانهزامية في الدراما التلفزيونية نتاجا طبيعيا لهذه السمة.

المبحث الثاني: تجسيد الشخصية الانهزامية في عناصر اللغة االتلفزيونية

تقسم الدراما التلفزيونية إلى ثلاث أقسام المسلسلة والسلسلة والتمثيلية ولكل واحده من هذه الأقسام خصائص تختلف الواحدة عن الأخرى وعلى الرغم من هذا الاختلاف في الشكل يبقى المضمون الأساس لهذه الأقسام، تبقى المعالجة للشكل العنصر المهم بين هذه الأقسام إذ "أن الذي يميز المسلسل عن البرامج التلفزيونية الأخرى طبيعته غير محدودة الحبكات تجري في نفس الوقت وتؤدي إلى التطورات الأخرى" وصولا إلى النهاية.

ويتألف الخطاب المرئي من عدد كبير من المفردات السمعية والمرئية التي تبني كيانه العضوي وتعطيه معنى ودلاله بتمازجها بمنظومة جماليه موجهه إلى المتلقي يسعى صانعوا العمل الفني من خلالها وفي تعاملهم مع نصوص يكون أبطالها من الشخصيات الانهزامية إلى أبرازها من خلال تفعيل المفردات السمعية والمرئية ومن هذه المفردات:

1- السرد: اتفق أكثر المنظرين أن هناك عدة أنواع للسرد كل واحد له اشتغالاته الخاصة وقد أوجزها الباحث فارس مهدي في أطروحته اتجاهات وانساق السرد السينمائي في الدراما التلفزيونية بما يأتي:

ا-التتابع: يقوم المخرج في هذا الشكل من السرد على بناء منظومة من الإحداث على أساس تتابع إحداث القصة جزء بعد آخر من دون أن يكون بين هذه الأشياء من قصه أخرى، أي يكون السرد أفقيا مستقيما من الحاضر الى المستقبل مثل مسلسل حليم.

ب-الدائري أو اللا خطي: ويقوم المخرج هنا بمعالجة المادة الدرامية من اخذ نقطه من الحاضر وينطلق بها إلى النقطة نفسها وهناك عوده طويلة واحده مثل مسلسل دموع في عيون وقحة.

ج- ألاسترجاعي أو ألاستباقي: اي البدء بزمان متقدم ومن ثم العودة إلى الماضي على شكل تداعيات ويكثر هذا في الشخوص التي مرت بمواقف أو أزمات نفسية أو اجتماعية مثل مسلسل رسائل من رجل ميت للكاتب حامد المالكي والمخرج حسن حسني، أما ألاستباقي فهو استباق أزمنة لم تأتي بعد.

د– ألتناوبي: وهو أكثر صيغ البناء السردي إثارة وتشويق ويضفي جمالية على العمل، إذ يقوم على سرد أجزاء من قصة ثم سرد أجزاء من قصة أخرى ومثل هذا السرد يحيط بسرد يكمل ويدفع السرد الأخر، إذ انه يحتوي على منظومتين أو ثلاثة من ألحكي أو القص مثل فيلم التعصب لجريفث إذ يعالج أربعة مواضيع في آن واحد .

2-الإضاءة: تعد الإضاءة من العناصر المهمة في المنجز المرئي، إذ تضفي الإضاءة على الصورة دلالات، أما كعنصر مستقل أو بمساعدة العناصر الصورية الأخرى، فهي تكشف المكان أو تدل على الوقت مثل الليل أو النهار، كذلك الإحساس بالبرد والحر مثل نار الموقد على الجدران أو كما قلنا سابقا لها دلالات على مرور الوقت، وكذلك تلعب دورا مهما في التكوين من خلال التباين بين الظل والضوء لتعبر عن دلالات الخير والشر،وتستطيع أيضا التمهيد أو التنبؤ بالفعل الدرامي، أو اختزال بعض الأحداث الغير مرغوب فيها مثل مشاهد القتل أو العنف غير المبرر.

أن كل ما يهم البحث في الإضاءة ليس معرفة الأغراض التقنية لها بل الفنية، ففي السابق كانت الإضاءة في الأعمال الدرامية عبارة عن تنوير كامل للصورة ولا تميل لخلق تأثيرات خاصة وإن توافرت فبالحد الأدنى، "وقد يكون مرد ذلك صغر شاشة التلفزيون أو عدم الاستقبال الجيد او ضعف الإشارة".

ومن مدلولات الإضاءة كما بين المؤلف هي الدلالات النفسية حيث تستطيع خلق "جو درامي سيكولوجي يكشف عن بعد الشخصية السيكولوجي. وحالات القلق والترقب من خلال التحكم في شدة التباين والتوزيع الاضائي داخل عناصر المشهد "، حيث نرى في مسلسل فوبيا بغداد للمخرج حسن حسني شخصية البطل ( الدكتور هيثم ) تحتل أماكن ضوء خاصة على الشخصية أو خلفها لإبراز حالات القلق والتشظي داخل الشخصية.

3-اللون: يعد اللون من العناصر المهمة في العمل الدرامي إذ لا يخلو جزء من أجزاء الصورة من اللون، "إذ يمتلك منظومة علامية تساعد المخرج على إضافة معاني جديدة في معالجته الإخراجية ".

واللون له دور كبير في التكوين إذ إن معالجة اللون عند المخرج تركز على سيادة الشخصية ضمن التكوين من خلاله ففي فيلم عمر المختار نرى المخرج يعطي ألوان فاتحة بيضاء للمجاهدين الجزائريين دلالة على النقاء والجهاد، كذلك تستطيع الألوان أعطاء دلالات طبيعية لكشف المكان أو البيئة، وكذلك للون دلالات نفسية فالشخصيات التي تلبس ملابس ذات خطوط سوداء وبيضاء متقاطعة توحي بالقلق والخوف، وله دلالات فكرية و دلالات اجتماعية فاللون الأسود للمكتئبين والألوان المبهرجة تدل على أمراض الزهو، وكثيرا ما نشاهد ارتداء الشخصيات الانهزامية للألوان المتقاطعة البيضاء والسوداء دلالة على القلق الذي تعيشه كما في مسلسل رسائل من رجل ميت للمخرج حسن حسني.

4- التصوير: من أهم العمليات الإبداعية التي يتعامل معها المخرج في تحويل السيناريو الى معادل مرئي هي الصورة.

والتصوير يتشكل "من خلال أحجام اللقطات حركات الكاميرا، زوايا التصوير واستخداماتها، إذ ان لكل من الأحجام، والحركات، الزوايا، واستخداماتها دورا مهما في إثارة الانتباه ". ولا بد عند دراسة التصوير التطرق إلى التمفصلات المكونة له ومنها:

ا-حركات الكاميرا.. وتعد حركات الكاميرا من أهم عناصر اللغة السينمائية ولها دلالاتها الخاصة، ويورد مارسيل مارتن حركات الكاميرا بثلاث أنواع هي:

1-الترافلنج.. هي عبارة عن تحرك الكاميرا بينما تظل الزاوية بين خط محور العدسة واتجاه الكاميرا ثابتة، وتقسم هذه الحركة الى ثلاث أقسام أيضا:

أ – الترافلنج العمودي.. واستخداماته نادرة نوعا ما.

ب- الترافلنج الجانبي.. واستخداماته وصفية أكثر الأحيان.

ج – الترافلنج إلى الخلف.. وهو الأكثر شيوعا لما له من دلالات ومعاني نفسية متعددة.

2- البانورامية.. "وهي عبارة عن حركة الكاميرا على محورها ألعامودي أو الأفقي دون نقل الكاميرا من مكانها"، ولها دلالات منها الوصفية التي تهتم بكشف مكان ما أو التعبيرية وله استخدامات غير واقعية الغرض منها الإيحاء بإحساس ما أو فكرة ما أو الدرامية والغرض منها إيجاد علاقات مكانية ما بين شخص ينظر و الشخص المنظور اليه.

3-الكرين.. وهو مزيج غير محدد بين الترافلنج والبانوراما ينفذ بآلة تشبه الآلة الرافعة، فإذا استخدمت هذه الحركة بجماليتها فإنها تعطي دورا في إدخال المتفرج في العالم الدرامي مثل فيلم الشيطان في الجسد حيث نرى الكاميرا تستدير على البطل والبطلة وكذلك فيلم وصية الدكتور مايوس التي أعطت الكاميرا فيها دلالات وصفية جميلة.

ب – حجوم اللقطات.. إن حجم اللقطة يتحدد من خلال الموضوع المراد تصويره ومن خلال " كمية المادة الداخلة ضمن إطار الشاشة "،وتقسم اللقطات إلى عامة، متوسطة، قريبة، قريبة جدا. فالبعيدة جدا تعطي تفصيلات عديدة ومتنوعة حيث يتطلب قراءة تلك التفصيلات وقتا أطول وذلك " لإتاحة الوقت المادي للمتفرج لأدراك مضمون اللقطة "، وتسمى تأسيسية أيضا حيث تكشف عن زمان ومكان الأحداث، إما اللقطة البعيدة فهي تظهر جسم الإنسان كاملا وتسمى لقطة كاملة أو عامة حيث أنها استهلالية أو تأسيسية وتساهم في كشف الزمان والمكان والإحداث، "إما اللقطة المتوسطة فهي تصور الجسم البشري من الرأس حتى الخصر أو منتصف الأشياء وتفيد في الانتقالات ما بين اللقطات البعيدة والكبيرة ولإعادة التأسيس"، أما اللقطة الكبيرة تصور من أعلى الصدر حتى نهاية الرأس وهنا لا يتم التعرف على المكان بسهولة بسبب ضخامة تفاصل هذه اللقطة وكذلك فأنها "تميل إلى رفع أهمية الأشياء وتوحي في الغالب بمغزى رمزي"، أما زوايا الكاميرا فلها أربعة استعمالات فزاوية الكاميرا الموضوعية هي التي يرى فيها المشاهد الموضوع، والذاتية فهي وجه نظر الممثل أو الشخصية في داخل العمل الفني، والزاوية الثالثة فهي وجهة النظر المشتركة للمتفرج والشخصية إلى الأحداث، أما الاستعمال الرابع فهو مستويات الكاميرا ومنها مستوى العين البشرية ويكثر استخدامها من قبل المخرجين الواقعيين وتحت مستوى النظر أي من الأسفل والمرتفعة أي أعلى مستوى النظر، ونلاحظ شخصية دكتور هيثم في مسلسل فوبيا بغداد للمخرج حسن حسني وقد أغرقها المخرج بزوايا عين الطائر دلالة على الاضطهاد الذي تعاني منه.

6-الأزياء والمكياج: الأزياء أو الملابس عنصران لا يقلان أهمية عن باقي العناصر في المعالجة الدرامية، فالأزياء تشكل توافقا ملحوظا مع طبيعية الديكور، وهي تحدد دلالات اجتماعية أو وطنية أو درامية، فيرى مارسيل مارتن أن الملابس تحدد:

أ‌- " نماذج وطنية: فالاسكيمو ملابسهم من جلود الدببة والمكســـيكي حرملته (البونشو) والعربي العقال..الخ

ب‌- اجتماعية: محددة بتفاوت التأنق في ملابس الناس المتانقون فملابس الطريقة الارستقراطية تختلف عن ملابس الطبقات العاملة ".

وكذلك الأزياء تعبر عن الصراع الدرامي من خلال تناقض الألوان فلها دلالاتها النفسية التي تؤثر في المتلقي، أما المكياج فيساهم في إبراز أو أخفاء أو تغيير وجه أو جزء من جسم الممثل وفق الضرورات الدرامية، وكذلك يهدف المكياج إلى تحديد الشخصية من خلال تغيير في ملامح وهيئة الشخصية، ويهدف أيضا إلى تغيير أو أخفاء ما تسببه الإضاءة من تشويهات وتغيير ما تكتشفه آله التصوير من عيوب، فضلا عن انه يسهم في تغيير العمل وإبراز تشوهات ما يتطلبها العمل الفني وهذا ما نلاحظه في اغلب الأبطال الانهزاميين من استخدامهم مكياج لوجه شاحب ومتعب.

7- التكوين: يبذل مخرج العمل الفني جهودا مضنية في ترتيب وبلورة الشكل النهائي للصورة من خلال تنظيم وترتيب عناصر الشكل داخل الإطار، ويعبر جوزيف مارشللي عن التكوين الجيد بأنه" ترتيب العناصر المصورة في وحدة مترابطة ذات كيان متناسق".

ولا يختلف التكوين عن مجمل الأعمال الفنية فهو يتكون من الخط والشكل والكتلة والحركة وهذه العناصر تدخل في أطار اللقطة ولها دلالاتها المختلفة أيضا، ولو تأملنا مسلسل رسائل من رجل ميت للمخرج حسن حسني لوجدنا وجود تشكيلات هائلة من الخطوط المتقاطعة دلالة على حالة المريض والبطل الانهزامي المضطربة.

8- الاكسسوار والديكور: الاكسسوارات هي الملحقات الموجودة داخل المشهد، عدا الديكور والملابس وتعني بالعربية مكملات المنظر وتكون مرتبطة بالشخصيات وداعمة للأحداث كالمراوح والأزهار والسكائر والحقائب ولها دلالاتها النفسية والدرامية ولو لاحظنا شخصية الدكتور هيثم في مسلسل فوبيا بغداد للمخرج حسن حسني لوجدناها تحمل حقيبة دائما وقد وظف المخرج الحقيبة هنا ضمن دلالتين الأولى أن المثقف يحمل كتبه فيها والثانية دلالة عن الوطن الذي يرتحل معه أين ما ذهب، كذلك للاكسسوارات دلالات زمانية مثل الساعة ودقاتها أو تاريخية مثل السيوف والرماح.

أما الديكور فبنوعيه الداخلي والخارجي له "دلالات ينبغي ان تؤخذ بالحسبان فهو يساهم في الحدث ويعاون في خلق الجو النفسي العام ويشترك في تكوين اللقطة من خلال ارتباطه بعلائق مع الشخصيات والأزياء والإكسسوار والإضاءة". وللديكور وظيفتان في العمل الفني، وظيفة درامية والأخرى جمالية، "فالدرامية تكمن في إيصال المعنى الدرامي وعدم الخلط بين العلامات المرسلة للمشاهد والجمالية تكمن في تكثيف الاشتغال الجمالي المنبثق أصلا وابتداء عن طريق القص الدرامي".

9- الزمان والمكان: الزمن في الدراما التلفزيونية له دور مؤثر جدا، ويقسّم البناء الزمني الى:

ا-الزمن المركز: وهو الاستخدام المعتاد للزمن في المنجز المرئي.

ب- الزمن الحقيقي: وهو الزمن الاعتيادي المعاش وقد حاولت عدة أفلام عرض الزمن الحقيقي بكامله لإغراض درامية مثل فليم الحبل لـ هيتشكوك.

ج- الزمن الملغي.

د – الزمن المقلوب:المبني على العودة إلى الوراء ونلاحظ أن الدراما النفسية تعتمد عليه كثيرا .

إما المكان فأنه يسهم في تعميق المعنى الدرامي، إذ انه يوصل معلومات شأنه شأن الإضاءة والملابس والماكياج.ويعد مكونا فاعلا وضروريا في تطور السرد، ولا يمكن إن نتخيل أحداثا دون مكان يؤطرها، يرتبط المكان بعلاقة مع الأحداث حيث لا توجد أحداث بدون أمكنة، ليس هذا فحسب فان المكان يرتبط بالشخصيات وكما هو علوم فان البيت امتداد للإنسان فكل ما فيه يرتبط بالإنسان، أن الصورة التلفزيونية في كليتها تحتوي على المكان فلا يمكن أن تكون صورة تلفزيونية ما لم تحتوي على امكنة. وتورد الباحثة سهى طه سالم العبيدي "يعتبر المكان منظومة من الإشارات الدالة على حقائق موضوعة أو تداعيات ذهنية، ويكون الموضوع الافتراضي في بناء عوالم وتكوينات صورية من الحياة الواقعية المعاشة وبين الصور والتراكيب المتخيلة"، وتتم معالجة المكان بطريقتين:

أ‌- "أما أن تكتفي بان تعيد بناؤه وتجعلنا نجول فيه بحركة الكاميرا.

ب‌- أو نخلق أبعاد جمالية تركيبية يدركها المتفرج من تراكب وتتابع اماكن جزئية قد لا تكون لها أي علامة مادية بينها".

1.-المونتاج: من العمليات المهمة في العملية الدرامية هي العملية المونتاجية، والتي يعني بها إزالة اللقطات غير المرغوب بها واستثمار اللقطات المؤثرة بما يحقق الاستمرارية للعمل الفني.وينبغي على المؤلف"ان يجمع اللقطات بحرص وعناية لتحقيق التماسك داخل المشهد"، ويقسم المونتاج الى، طولي و عكسي و متوازي ومتناوب، فالطولي يتضمن سلسلة من المشاهد مرتبة منطقيا، والعكسي يقوم بقلب النظام الزمني لمصلحة جزئية زمنية محضة وذات قوة درامية فائقة كما في مسلسل فوبيا بغداد للمخرج حسن حسني فنرى العمل يعتمد على الفلاش باك كثيرا لتبيان الحالات النفسية للبطل الانهزامي، أما المتوازي يقوم على حدثين أو أكثر يتقدمان معا بإدخال شرائح من كل منهما في سياق الأخر بقصد إظهار دلالة من مواجتهما، كما في فيلم التعصب لجريفث، أما ألتناوبي مبني على تواقت دقيق بين حدثين يراكبهما التوليف وينتهيان في اغلب الأحيان الى الالتقاء في نهايات العمل الفني .

11- العناصر الصوتية: الصوت يساهم مع الصورة في تفسير مضمون اللقطة، فالوظيفة الرئيسية للصوت هو دعم ما تحمله اللقطات من معان.

"ويمكن استخدام الصوت بعدة معالجات فاما أن يصدر الصوت من داخل الصورة أو خارجها أو قد يكون متآلفا أو متضامنا معها ومعبرا لها وقد يناقضها أو قد "يدخل كعنصر إيجاز للأحداث الدرامية من خلال تكثيف المعلومات أو قد يستخدم كرمز في الأحداث الدرامية"، وتقسم العناصر الصوتية إلى عدة أنواع:

1-الحوار: وهو وسيلة التخاطب بواسطة اللغة أو الإيماءة أو الأصوات الأخرى ويعرف ارسطو اللغة بأنها "التعبير عن أفكار الشخصيات بواسطة الحوار".

ويقسم الحوار إلى أنواع منها المتزامن الصورة مع الصوت، وغير المتزامن صوت مع صورة أخرى، وهو أما ثنائي أو مونولوج، وله دلالات منها الكشف عن الصراع الداخلي للشخصيات والتعبير عن كوامن النفس أو كشف أبعاد الشخصيات والأحداث وتصعيد الصراع ولو تابعنا بطل مسلسل رسائل من رجل ميت للكاتب حامد المالكي والمخرج حسن حسني لوجدنا في حواراته الصراع الأيدلوجي الذي أوصله إلى النهايات المفجعة والتي نراها في الأبطال الانهزاميين.

2-المؤثرات الصوتية: ولها دور مهم في خلق الجو العام للأحداث ومنها "أصوات الطبيعية والجمادات والأصوات الإنسانية والحيوانات والطيور "، ونلاحظ في اغلب الاعمال الدرامية " كلما زادت سرعة إيقاع الصوت زاد التوتر عند المستمع وبالعكس".

والأصوات تقسم إلى نوعين منها طبيعية ومنها صناعية، وقد تشير المؤثرات إلى دلالات مكانية مثل صوت قطار أو صوت سيارة أو زمانية مثل صوت الديك او دقات الساعة أو نقيق الضفادع.

وتعتبر الموسيقى من أهم العناصر الصوتية فهي لا تقم مضمون تلك اللقطة بل تعمق ذلك المضمون، وهي أما مؤلفة للعمل الدرامي أو يتم اختيارها من المكتبة الصورية، ويضيف كرم شلبي عدة وظائف للموسيقى منها :

أ‌- "تعطي دلالات تاريخية او حقبة تاريخية معينة.

ب‌- تكون بديلة عن المؤثر الحقيقي مثل صوت الرعد وانفجار القنابل.

ج- تستخدم بنجاح عند الذروة ( القمة الدرامية ) والمواقف المتأزمة" )).

3- الصمت.. هو صوت ساكن، وقيمة تعبيرية بالغة لو أحسن استخدامها، للصوت مدلولات مثل الموت والغياب و القلق والعزلة والاحتضار، وطالما نشاهد الشخصيات الانهزامية تميل إلى الصمت دلالة على القهر الروحي الذي تعانيه، وقد يرافق الصمت الحركة البطيئة (slow motion ) لإضافة وقع لهذا المؤثر.

مؤشرات الفصل:

1- يستطيع الكاتب بناء شخصيته الانهزامية في نصه من خلال إسقاط المنجز الإبداعي وإسقاطات الحروب في البعد النفسي للشخصية المركبة.

2- قد يعمد المخرج إلى التوظيف الدرامي والدلالي والجمالي لعناصر اللغة التلفزيونية في معالجته الإخراجية لتبيان التشظيات النفسية والفكرية لها .

3- يشتغل السرد الدرامي لاسيما (التداعي الحر) في تبيان اغلب حالات الهذيانات والقلق للشخصية الانهزامية .

الفصل الثاني: تحليل العينة والنتائج والاستنتاجات:

اسم العينة: الحب والسلام.

تأليف: حامد المالكي

إخراج: ثامر سحاق

تمثيل: اياد راضي، الاء حسين، كاظم القريشي، هناء محمد، عبد الجبار الشرقاوي، سعد محسن، لورا اسعد، رنا ابيض.

إنتاج: قناة السومرية تاريخ العرض:2..9

المتن الحكائي:

يتناول مسلسل الحب والسلام شخصية جمال عبود العراقي الذي يشارك فى الحرب مع ايران لكن يظن الجميع فى عائلته انه مات، فتتزوج زوجته من شقيقه فيجد جمال نفسه فى حيرة أمامه خيارين الحرب او الحب والسلام هل يتواجه مع أخيه و وزوجته ام يتركهما في سلام، ثم تسير الأحداث فنرى هروب البطل تركيا ويتعرض فيها الى العديد من المشاكل ثم يتزوج من امرأة سورية تعمل معه ثم يغادر معها الى سوريا والتي يخوض فيها حكايات عديدة ومنها يعود الى العراق حيث يتعرض الى الاعتقال، الأحداث تسير بتيار الوعي عبر تداعيات البطل الراقد في مستشفى الأمراض النفسية الى طبيب نفسي يعد الى بحث علمي ولكن الأحداث في النهاية تخالف السياق العام لها، حيث نجد رأي أخر لمدير المستشفى عكس الذي نقله البطل.

المؤشر الأول - يستطيع الكاتب بناء شخصيته الانهزامية في نصه من خلال إسقاط المنجز الإبداعي وإسقاطات الحروب في البعد النفسي للشخصية المركبة:

لو تابعنا المشهد السابع من الحلقة رقم (3)، نلاحظ في هذا المشهد ان البطل جمال عبود والذي احد دوره (اياد راضي) جالس في الموضع العسكري ماسكا بيده رواية خريف البطريك ثم يدخل عليه احد الضباط في وحدته العسكرية يسأله عن الرواية، فيحدثه عنها ثم ينتقل الحوار للحديث عن الحرب لنتلمس من خلالها ثقافة البطل التي كانت تندد بالحرب وويلاتها فنراه يقول:

الصورة الصوت

1- لقطة عامه للبطل جمال عبود وهو واقف والضابط جالس من زاوية مستوى النظر وهو يتحدث إلى الضابط

جمال

الضابط

جمال

الضابط

جمال

بالنهاية سيدي المثقف يرفض الحروب

جمال.. انته رافض حربنه

نعم سيدي.. رافض حربنه واي حرب

بس حربنه هاي مقدسه

هذا كلام تلفزيون.. بس الحقيقة غير هاي

فمن خلال الحديث عن موضوعة رواية خريف البطريك ومن خلال الحوار الجريء للبطل نستنتج الرفض المدوي لموضوعة الحرب التي استنزفت برجالاتها وإرهاصاتها كل القوى الفكرية والجسدية للبطل المثقف والتي تقوده بطبيعة الحال إلى الاحتراب الفكري والجسدي مع السلطة الحاكمة والتي نتيجتها تؤول إلى انتهاكات فكرية وثقافية وجسدية له، وبالنتيجة سقوطه منهارا مليء بالأمراض النفسية والجسدية التي تحوله إلى جسد هامد ليس له سوى الاستذكارات المريرة العبرة عن انهزامية روحية قسرية سببها وحشية التعامل السلطوي معه.

المؤشر الثاني - قد يعمد المخرج إلى التوظيف الدرامي والدلالي والجمالي لعناصر اللغة التلفزيونية في معالجته الإخراجية لتبيان التشظيات النفسية والفكرية لها:

مما لاشك فيه أن لكل مخرج أسلوبه الخاص في معالجة النص الدرامي الذي بين يديه، ولكن المعالجة الإخراجية للنص من غير الممكن أن تهشم كل القواعد الدلالية والجمالية سواء كانت في التكوين أم الإضاءة أم باقي المفردات السمعية والمرئية، ولكن الإبداع والفرادة يكمنان في كيفية توظيف تلك الجماليات في تلك اللقطة ولو تابعنا المعالجة الإخراجية لعينة البحث لوجدنا التوظيف الجمالي للعديد من المفردات السمعية والمرئية.

فلو لاحظنا المشهد السادس من الحلقة رقم (9) نلاحظ أن البطل جالس على منصات احد الموانئ التركية بعد هروبه من وطنه العراق في حديثة مع زميله عبدو المصري، نلاحظ ان المخرج قد وظف اشتغالات متنوعة تبين التشظيات النفسية للبطل والتي تدعم الحوار فقد كان المكان في المشهد مأزوما من خلال الأمواج المتلاطمة للبحر، وكذلك وضع المخرج بكرات الحبال الكبيرة في المقدمة ومن خلالها اظهر لنا الشخصية دلالة على الروح المنقبضة بالحبال الموصدة فضلا عن زى البطل الأسود الذي يزيد من رمزية المشهد وكذلك كان للحوار دورا مهما في انتاج الحل الاخراجي وصولا الى انتاج المعنى المؤثر في المتلقي وكما نرى:

الصورة الصوت

1- لقطة كاملة ومن خلال زاوية عين الطائر للبطل وهو جالس على دكة قرب احد الموانئ في حديث مع عبدو المصري

 

جمال

عبدو

 

قطع

2- لقطة متوسطة لجمال من زاوية أخرى اقل انخفاضا من الزاوية السابقة.

جمال

عبدو

عبدو انه بعد ما ارجع للعراق

ازي يبني.. طب واهلك وامراتك وبلدك

هو هذا المعذبني.. بس من يصير الوطن سبب لآلامك ومعاناتك.. يصير عذاب مو وطن

المؤشر الثالث - يشتغل السرد الدرامي لاسيما (التداعي الحر) في تبيان اغلب حالات الهذيانات والقلق للشخصية الانهزامية:

لقد وظف مخرج الحرب والسلام التداعيات بصورة كبيرة لتجسيد الرغبات المعطلة للبطل والهذيانات التي أصابته جراء الاضطهاد الفكري الذي عاناه حيث نرى في المشهد الاول من الحلقة (3) وهو يتداعى بصوت متزامن مع الطبيب النفسي الذي يستمع لحكايته فنرى البطل اياد راضي يقول..(دكتور شلون الحياة خارج المصحة.. هل لازال الوحوش اقصد البشر يتعاركون على اشياء تافهة.. نعم حتى الحروب أسبابها أشياء تافهة) ثم تتكرر هذه التداعيات في المشهد السادس من الحلقة (24) ولكن بطريقة الحوار اللامتزامن (بعد يومين هربت من بغداد.. هربت من نظرات نادية المنكسرة التي لن أنساها ما حييت.. هربت من تشبث أمي ببيت عبود الخرب.. لاج لان تموت فيه)، لقد شكل التداعي بنوعيه سواء المشارك بالأحداث او المعلق عليها سواء كان متزامنا او غير متزامن نسبة كبيرة من هذه الحلقة وسائر حلقات المسلسل وهي تقانة تشتغل عليها اغلب الأعمال السير ذاتية ذات الشخصيات القلقة او الانهزامية.

النتائج:

ا- حفلت العينة بالمضامين الأيدلوجية التي كشفت سموم الحرب وويلاتها والتي استطاع المخرج من توظيفها في بناء الشخصية الانهزامية التي هي من نتاج الحروب.

2-وظف المخرج المفردات السمعية والمرئية وفق اشتغالاتها الدلالية النفسية لابراز الشخصية الانهزامية.

3- اعتمد العمل في اغلب سروده على التداعي الحر والتي تكثر مع الاعمال التي تقدم شخوص ذوي عاهات نفسية.

الاستنتاجات:

1- الشخصيات الانهزامية أحدى اسقاطات الحروب والقهر السياسي وهي نتاج أيدلوجي لهذه الإسقاطات يوظفها المؤلفون في نصوصهم كمدونة أبداعية تكشف زيف العصر الذي يعيشونه.

2- كل العناصر السمعية والمرئية تشتغل منفردة او مجتمعة لإبراز تلك الشخصية.

3- تيار التداعي الحر ومنذ تشكلاته الأولى في الرواية الحديثة وصولا الى الدراما التلفزيونية يشتغل على تبيان الجزء الكبير من ماهية الشخصيات النفسية عامة والانهزامية خاصة.

......................................................................................
المصادر:
المصادر من الكتب العربية والمترجمة:
1. أرسطو طاليس، فن الشعر، تر: حمادة إبراهيم، القاهرة، المكتبة الانجلو مصرية، 1982.
2. إقلاديوس،أنيس فهمي، السينما والمسرح وأمراض النفس، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982.
3. بوجز،جوزيف، فن الفرجة على الأفلام، ت وداد عبد الله، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب،1995.
4. جانيتي،لوي دي، فهم السينما، تر: جعفر علي عباس، بغداد، دار الرشيد للنشر، 1981.
5. حماده، إبراهيم، طبيعة الدراما، القاهرة، دار المعارف، 1977.
6. حماده،إبراهيم، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، القاهرة، دار الشعب، 1971.
7. حيدر،نجم عبد،علم الجمال آفاقه- تطوره، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة،199..
8. الدوري،عياض، اللون ودلالاته في الدراسات التاريخية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2..9.
9. سلمان،عبد الباسط، التشويق ورؤيا الإخراج في الدراما السينمائية والتلفزيونية، القاهرة، الدار الثقافية للنشر، 2..1.
1.. الشاروني،يوسف، مع الدراما، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1989.
11. شلبي،كرم، الإنتاج التلفزيوني وفنون الإخراج، جدة، دار الشروق للنشر، 1988.
12. علي،سامية احمد، وزميلها، الدراما في الإذاعة والتلفزيون، القاهرة، دار الفجر للنشر والتوزيع، 1999.
13. مارتن،مارسيل، اللغة السينمائية، تر:سعد مكاوي، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 1964.
14. مارشللي،جوزيف، التكوين في الصورة السينمائية، ترجمة هاشم النحاس، القاهرة، الهيئة المصرية للتأليف والترجمة، 1983.
محمد حسين، فن كتابة السيناريو، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2..5.
15. المهندس،حسين حلمي، دراما الشاشة بين النظرية والتطبيق، القاهرة، الهيئه الصرية للتاليف والترجمة، 1989.
المصادر من الرسائل والاطاريح:
16. ألبياتي،ميسون، الأبعاد الثلاثة للشخصية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 1988.
17. الجعفري،عبد القادر، التوظيف ألأعلامي لحضارة العراق قبل الميلاد في الدراما التلفزيونية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 2..2.
18. الربيعي،ماجد عبود، دور عناصر التركيب الشكلي في تعميق المعنى، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة،2....
19. ألعبيدي،سهى طه سالم، التركيب الصوري ودلالاته في العرض المسرحي العراقي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 2..5.
2.. علوان،علي صباح، المعالجة الإخراجية للسيرة الذاتية في الدراما التلفزيونية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 2....
21. علوان فارس مهدي، اتجاهات و انساق السرد السينمائي في الدراما التلفزيونية، أطروحة دكتوراه غير منشوره، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 1999.
22. العزاوي،علي يوسف طاهر، المعالجات الإخراجية للأعمال التاريخية التلفزيونية للمخرج فيصل الياسري، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 2..6.

اضف تعليق