قبيل شروق الشمس هي قصة اراد فيها المؤلف فهم بواعث الخوف والقلق والكآبة التي يصاب بها الإنسان عندما يكون غريبا في الوسط المحيط به، وفي حالة مقاومة مستمرة له. الأنظمة الشمولية تستعبد الإنسان، ولكن الشخص الذي يقرأ كتابه، سيتحرر من الخوف ولا يمكن أن يكون عبداً...

في ديسمبر عام 1921، ضجّ المنضّدون بالضحك، عندما كانوا منهمكين في طباعة أول مجموعة قصصية ساخرة، لكاتب ناشيء اسمه ميخائيل زوشينكو، تحت عنون:" حكايات نزار ايليتش - السيد سليبريوخوف ". وقال مسؤول المطبعة: " لم أسمع طيلة عملي في هذه المطبعة عمالنا يغرقون في الضحك هكذا، هذا الكتاب سيلقى نجاحاً ".

صدر الكتاب في اوائل عام 1922 وتحققت نبوءة مسؤول المطبعة، ونفد الكتاب من السوق خلال عدة أيام، وأخذت دور النشر والمجلات تتسابق في نشر نتاجاته الجديدة. ولكنها عجزت عن ملاحقة الطلب المتعاظم عليها، فقد كان الناس يتلقفون كتاباته ويشغفون بقراءتها، ويجدون فيها لذة ذهنية لا تعدلها لذة، وترى كتبه في أيدي القراء في كل مكان: في المقاهي، وعربات القطار، وحافلات الترام. ويتحدث الناس عن قصصه التهكمية الساخرة، ويَرْوُونَها لبعضهم البعض، وكأنها قصص حقيقية حدثت فعلاً. ذاع صيت زوشينكو في انحاء البلاد، وبحلول منتصف العشرينات اصبح من أحب الأدباء الى الجمهور القاريء، وأكثرهم شهرةً وشعبية في روسيا.

ولم تقتصر شهرة زوشينكو على روسيا، فقد أصبح معروفا في الدول الغربية أيضا منذ أن نشرت مجلة " القرص الأحمر" البلجيكية قصته المعنونة " فكتوريا كازيميروفنا" مترجمة الى اللغة الفرنسية في عام 1923. وكان ذلك أول عمل أدبي (سوفيتي) ينشر في الغرب بعد ثورة اكتوبر. 1917. ثم تتابعت ترجمة أعماله الى أهم اللغات الحية في العالم.

إستطاع هذا الكاتب أن يبدع لنفسه اسلوباً خاصاً يميزه عن غيره من الأدباء، وانفرد بينهم بروح الفكاهة الساخرة وبالتهكم الشديد اللاذع الذي لا يضارعه احد في هذا الفن في الأدب الروسي حتى يومنا هذا..

وخلال خمسة أعوام (1926-1922) صدر لزوشينكو 25 مجموعة قصصية، بمعدل خمس مجموعات سنوياً، وصدرت من كل مجموعة خمس او ست طبعات متلاحقة. وبلغ إجمالي عدد طبعات كتبه 130 طبعة خلال تلك الفترة.

أثارت أعمال زوشينكو إهتمام الأوساط الأكاديمية. وصدر اول كتاب نقدي عن إبداعه في عام 1928. ضمن سلسلة (أساتذة النثر المعاصر). وفي الفترة من 1929 إلى 1932 صدرت أعماله الكاملة في ستة أجزاء.

أسلوب زوشينكو

وصف زوشينكو في اعماله الحياة اليومية، بمفارقاتها المضحكة، ولا معقوليتها، وظلمها، بلغة ووجهة نظر انسان شبه مثقف، طحنته سنوات الثورة والحرب الأهلية الروسية. بطل جديد، لم يقرأ نيتشة أو يسينين، وتحدث بلغة هجينة هي خليط من اللغة العامية والكليشيهات البيروقراطية للنظام القائم، والتي تترك اثرا سخريا مضحكا بسبب التنافر الصارخ بين الحقيقة والخطاب الحماسي المستخدم في نقلها.

تقع بعض احداث قصص زوشينكو في الشقق المشتركة بين عدة عوائل، حيث تسكن كل عائلة في احدى غرف الشقة. وثمة حمام واحد ومطبخ مشترك بين تلك العوائل، مما يؤدي الى مشاجرات كثيرة بينها لأتفه الأسباب، وتقع قصص اخرى في اماكن عامة مثل عربات القطار أو الترام أو المسرح أو المستشفى. وهذه القصص تشكل بمجموعها بانوراما واسعة وشاملة لكل جوانب الحياة اليومية في روسيا خلال العشرينات من القرن الماضي.

لا نجد بين ابطال وشخصيات قصص الكاتب، قادة الحزب و بناة (الجنة) الإشتراكية المزعومة، وغيرها من الموضوعات الرائجة في اتلك السنوات، وهي الموضوعات التي كتب عنها زملاؤه في جمعية "اخوان سرابيون" فسيفولد ايفانوف، فيدين، تيخونوف. في حين ان شخصيات قصص زوشينكو بعيدة عن ايديولوجيا الثورة.

في مقاله "عن الكوميديا في أعمال تشيخوف"، صاغ زوشينكو مفهومه عن السخرية: " السخرية من الأكاذيب والغباء والنفاق والخنوع والغطرسة.

سخّر زوشينكو في اعماله من البيروقراطية والفساد والنفاق. وقد قدّر القاريء العادي اسلوب زوشينكو التهكمي هذا، وابدت النخب الفكرية القديمة والجديدة اعجابها بدقة تصوير الكاتب للواقع الجديد، الذي تراجعت فيه مفاهيم الانسانية والرحمة لآماد طويلة قادمة، في حين راى فيه البلاشفة خطرا على نظامهم الاستبدادي..

لغة جديدة وبطل جديد

جرى خلال سنوات الحرب الأهلية تغيير ديموغرافي لم يسبق له مثيل نتيجة لنزوح السكان بأعداد غفيرة من منطقة الى أخرى بحثا عن الأمان ولقمة العيش، وادى ذلك الى اختلاط اللهجات وظهور لغة هجينة. وكان زوشينكو أول من لاحظ ذلك بنظرته الثاقبة.

أبطال قصص زوشينكو هم أصدق ممثلي الأمة الروسية الجديدة، التي أخذت تتشكل بعد ثورة اكتوبر1917، وتتكلم بلغة تختلف كثيراً عن اللغة التي كانت سائدة في العهد القيصري.

في روسيا القيصرية كان لكل شريحة اجتماعية خصائصها ومعاييرها الثقافية والاجتماعية المميزة – النبلاء، العمال، الفلاحون، العسكريون، رجال الدين – وكان المنتمون الى كل شريحة من هذه الشرائح، يتحدثون بلغتهم أو الفاظهم الخاصة، التي تميزهم عن غيرها، كما نلاحظ ذلك في الأدب الروسي الكلاسيكي، الذي سجل هذا التمايز بدقة مذهلة.

كانت هذه الشرائح تتعايش قبل الثورة، ولكنها تحافظ على اعرافها واساليب حياتها، ولا تندمج بغيرها. وما ان تسمع الواحد منهم يقول بضع عبارات حتى تعرف الشريحة التي ينتمي اليها: هل هو فلاح ام اقطاعي، عامل ام رجل دين؟. ولكن هذه الشرائح المغلقة على نفسها، والمعزولة عن بعضها البعض اختفت سريعا بعد انتصار الثورة البلشفية وتشكل – في الظروف الجديدة - مجتمع شبه متجانس اجتماعيا وثقافيا ولغويا..

ابطال زوشينكو - مهما تباينت انتماءاتهم الاجتماعية والمهنية - يتحدثون جميعا بلغة واحدة جديدة في تكوينها المعجمي، وهي تختلف عن لغات الشرائح القديمة، فهم يتحدثون بلغة مشتركة زاخرة بالألفاظ العامية الشائعة والعبارات الجاهزة الدخيلة عليها من القاموس الحماسي الدعائي للبلاشفة، وهذه اللغة هي لغة الراوي الذي هو البطل الرئيسي في أغلب أعمال زوشينكو.

مشاركة الكاتب في الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية، والمهن العديدة التي مارسها قبل تفرغه للأدب، ساعدته على معرفة الأوساط الأجتماعية المختلفة وخصائصها اللغوية والثقافية وعاداتها واعرافها وقيمها الأخلاقية والروحية.

الكل لاحظ لغته غير العادية والغريبة. وقال الكاتب زمياتين: "أن زوشينكو يستخدم اللغة المحكية بمهارة في بناء الجمل: ترتيب الكلمات، وصيغ الأفعال، واختيار المترادفات – كل هذا من دون أي خطأ". وقد شبه مكسيم غوركي لغة زوشينكو بـ" خرز معجمية متنوعة ".

أدب الفقراء

في عام 1927 وبناء على طلب ادارة مجلة "بيغيموت" الفكاهية الساخرة كتب زوشينكو سيرته الحياتية الحافلة بالتهكم ويقول فيها: " هناك وثيقتان مختلفتان عن مكان وتأريخ ولادتي، ويبدو ان احداهما مزيفة، ولكن يصعب معرفة أيهما حقيقية، لأن الوثيقتين كلتاهما رديئتان. وجوابا عن سؤال حول اكثر المهن المثيرة للاهتمام، التي مارسها في حياته يقول: "مدير البريد والتلغراف، مربي الأرانب والدجاج، شرطي الحراسة، والآن أمارس مهنة متواضعة وهي الكتابة، ويبدو أنها المهنة الأخيرة في حياتي. واشعر بالأسى لأنني توقفت عندها، فهي مهنة سيئة جداً... اللعنة... انها المهنة الأسوأ من بين اثنتي عشر مهنة مارستها لحد الآن ".

ينحدر زوشينكو من عائلة نبيلة، إيطالية الجذور، وان كانت غير ميسورة. وسعى الى الإنسلاخ عن طبقته، وكان يشعر – على نحو حاد - بذنب لم يرتكبه. وجاء في رسالة له الى مكسيم غوركي: "عندما اجلس الى طاولة الكتابة احس بذنب ما او ذنب ادبي – ان صح التعبير- انني اتذكر الادب القديم ادب ما قبل الثورة. شعراؤنا كتبوا عن الزهور والعصافير، في وقت كان ثمة ملايين الناس الأميين البؤساء... كل هذا يرغمني على إعادة النظر في عملي من جديد، وأتجاهل وضعي المريح والمحترم".

هكذا ولد نثر زوشينكو، الذي أطلق عليه خصومه اسم أدب الفقراء. وجاء في مقال له بعنوان " عن نفسي، وعن النقد، وعن عملي": "ثمة رأي يقول ان المطلوب اليوم هو تولستوي الاحمر، الذي يروج له بعض دور النشر غير الحذرة، ولكن الوسط الذي يعيش فيه الكاتب الان – يتطلب بالطبع ليس تولستوي الاحمر. المطلوب اليوم شكل ادبي جديد صغير، ارتبط في السابق بتقاليد ادبية سيئة ". أي أن زوشينكو يطالب ليس بكتابة روايات حماسية طويلة لتجميل الواقع البائس، على النحو الذي يريده البلاشفة، بل نصوصاً قصيرة مكتوبة باسلوب سهل يفهمه القاريء العادي، ولكن القصص القصيرة التي كانت تنشرها الصحف الروسية في العهد القيصري لم تكن تحظى بإحترام النقاد والنخب الثقافية الى أن جاء تشيخوف ورفع القصة القصيرة الى مصاف الفن الرفيع. الأسلوب الجديد فرض على زوشينكو متطلبات لغوية مبتكرة. كتب زوشينكو ذات مرة يقول:" أنا أكتب بإيجاز جدا" وبعبارات قصيرة، مفهومة من قبل الفقراء. ربما هذا هو السبب ان لدي الكثير من القراء.

زوشينكو والنقد الأيديولوجي

على الرغم من الشعبية الواسعة لزوشينكو، التي لم يكن يحظى بها أي كاتب روسي آخر والتقييم الأيجابي لأعماله، والاعتراف بموهبته الكبيرة من قبل كبار الأدباء، الا أنه اصبح منذ منتصف العشرينات هدفا للهجوم والاساءة والتجريح، حين شرع ستالين بتشديد قبضته على السلطة وتضييق الخناق على حرية التعبير وفرض الرقابة على المطبوعات.

كان الرقباء والنقاد البلاشفة، يقيّمون النص الادبي من حيث الاهمية الاجتماعية – السياسية، حسب المنظور البلشفي، وليس حسب قيمته الفنية والجمالية. وكان غياب ايديولوجية واضحة لدى زوشينكو قد أتاح لهؤلاء مبرراً لتخوينه ووضعه في خانة أعداء الثورة والبناء الإشتراكي. وربما كان أقوال زوشينكو نفسه، هو الذي شجع النقاد الماركسيين على التمادي في الاستخفاف بنتاجاته والصاق التهم به. فقد كتب زوشينكو في سيرته الذاتية المنشورة في عام 1922 تحت عنوان " عن نفسي، وعن الأيديولوجيا وعن بعض الأشياء الأخرى " يقول: " لست شيوعياً، ولا أنتمي الى أي حزب، وليست لدي أية أيديولوجيا ".

الموضوعات الصغيرة عن الحياة اليومية، وتصوير الانسان الغارق في مستنقع الحياة البائسة ومشكلاتها، مع التركيز على جوانب الحياة القبيحة والسلوك الانساني المتخلف أدى أن يرى النقد الرسمي في اعماله ارتباطا بأعداء الثورة. ومقارنة الراوي في قصصه بالإنسان الصغير بمعناه السلبي. كتب زوشينكو معظم قصصه بضمير المتكلم (أنا)، وكان ضيق افق الراوي يفسر كتطبيق فني لمزاج المؤلف المعادي للثورة وتتناقض مع الشعارات الثورية عن اعادة بناء العالم وصوغ انسان جديد. واتهمه النقد الرسمي بتشويه الواقع واصطناع لغة لا يتكلم بها أحد في المجتمع السوفيتي.

رسائل الى الكاتب

ورداً على هذه المزاعم نشر زوشينكو في عام 1929 كتابا فريدا في بابه اطلق عليه اسم "رسائل الى الكاتب". كان الكاتب يتلقى يومياً عشرات الرسائل من القراء. وقد اختار من بينها حوالي خمسين رسالة لنشرها في هذا الكتاب مع تعليقاته عليها. وكانت هذه الرسائل – بصرف النظر عن تباين أصحابها من حيث الموقع الاجتماعي والمهنة، مكتوبة باللغة التي يكتب بها زوشينكو، والتي اعتبرها النقاد البلاشفة لغة غريبة عن الانسان السوفيتي الجديد. وكتب زوشينكو في هذا الصدد يقول: "انهم يفكرون في العادة – يقصد النقاد البلاشفة - انني اشوه اللغة الروسية الجميلة لجعل الجمهور المحترم يضحك. انني اكتب باللغة التي يتحدث ويفكر بها رجل الشارع ".

الساخر الحزين

في عام 1926 جاء مريض شاحب الوجه، منهك القوى، الى عيادة طبيب نفسي مشهور. كان المريض يشكو من كرب لا يعرف سببه، ومن اللامبالاة، ويعاني من الأرق وفقدان الشهية للاكل. بعد فحصه، نصحه الطبيب بقراءة القصص الفكاهية، وخاصة قصص زوشينكو، لأنها أفضل علاج لحالته. وأضاف الطبيب يقول: " ربما سيبدو لك كاتباً بروليتارياً بسيطا لكنه كاتب فكاهي كبير. تنهد المريض بحزن وقال: " دكتور – أنا زوشينكو ".

قال الشاعر والكاتب الروسي كورني تشوكوفسكي (1969-1882) لزوشينكو: "ميشا - أنت أسعد رجل في الإتحاد السوفيتي. لديك الشباب، والشهرة، والموهبة، والمال. وعلى 150 مليون شخص هم سكان البلاد ان يشعروا بالحسد منك ". كان زوشينكو محل إعجاب النساء بوسامته وأناقته ومجده الأدبي، ولم يكن بوسعهن مقاومة سحره الجذّاب، وسلوكه المهذب كجنتلمان من طراز رفيع. ولكن الرجل الساخر الذي أسعد ملايين القراء لم يكن سعيدا في حياته قط، وعانى من الاكتئاب المزمن بعد أن فشل في التأقلم مع الواقع السوفيتي المرير.

ثمة بين مؤرخي الأدب الروسي من ارجع كآبة زوشينكو الى حرمانه من العطف والحنان بعد وفاة والده وهو ما يزال صبيا يافعا، وحياة الفاقة التي عاشها مع والدته، وثمة من يرى ان سبب كآبته هو تسممه بالغاز السام حين تعرض الوحدة العسكرية التي كان يقودها الى هجوم ألماني بالغاز السام خلال احدى معارك الحرب العالمية الأولى. تصرف زوشينكو خلال هذا الهجوم يدل على حرصه على سلامة جنود وحدته أكثر من اهتمامه بسلامته الشخصية حيث نبه الضابط الشاب جنوده بضرورة ارتداء الواقيات في حين أنه نسى نفسه، وترك الغاز السام أثراً بالغاً على صحته، واعفي على اثرها من الخدمة العسكرية في الجيش القيصري. ولكننا نرى أن كآبته ناجمة عن بؤس الواقع السوفيتي الذي لا مكان فيه لمثقف يفكر، ولا لكاتب يكشف عن زيف البروباغاندا السوفيتية عن الحياة السعيدة في دولة العمال والفلاحين. وقد جاهد زوشينكو للتغلب على كآبته وكتب يقول: " حاولت تغيير المدن والمهن. أردت الهروب من هذا الكرب الرهيب. شعرت أنه سوف يدمر حياتي". "

قال الشاعر العظيم اوسيب ماندلشتام - الذي عرف بالنقد اللاذع لزملائه الأدباء، ولم يسمع منه أحد مديحاً لكاتب أو شاعر، ولم يستثن من نقده الجارح حتى الشاعرة الكبيرة آنّا أخماتوفا، قال ماندلشتام عن زوشينكو: "لدينا الكتاب المقدّس عن العمل والشغيلة (يقصد أدب زوشينكو) ولكننا لا نقدره، وندوس على مؤلف الكتاب بأقدامنا في الوحل. إنني أطالب بإقامة تمثال لزوشينكو في كل مدينة، وفي كل بلدة، او في الاقل تشييد نصب تذكاري له في الحديقة الصيفية، كالنصب الذي اقمناه لجدنا كريلوف.

كان يبحث باستمرار عن طرق للعلاج من الحزن الثقيل الذي كان جاثماً على صدره. والحياة التي عاشها " سيد الضحك " لم تكن سعيدة قط، بل مأساة إنسانية مؤلمة.

لم تكن الكآبة تفارق زوشينكو الا عندما يندمج بكل جوارحه في أجواء القصة التي يكتبها. كان الضحك سلاحه لمواجهة الحزن والكرب ومقاومة الوسط المحيط به. وصف زوشينكو في يومياته كيف غرق في ضحك شديد عندما شرع ذات ليلة ً بكتابة قصة "الحمّام العمومي" وكتب يقول:

"منذ السطور الأولي غرقت في نوبة ضحك شديدة، واخذت أضحك بصوت أعلى فأعلى، الى ان وقع القلم والدفتر من يدي. وشعرت بألم في بطني من شدة الضحك. جاري أخذ يدق الحائط الفاصل بيننا. أنه موظف حسابات وعليه أن يستيقظ في وقت مبكر غدا. ويبدو أنني أيقظته من النوم. صرختُ معتذراً: عفواً بيوتر الكسيفيتش !. مرة اخري تناولت القلم والدفتر وواصلت الكتابة. وضحكتُ مرة أخرى وأنا أدفن وجهي في المخدة. وبعد عشرين دقيقة كنت قد أنهيت كتابة القصة. وأنا آسف لأنني كتبتها بهذه السرعة. اجلس وراء طاولة الكتابة لأعيد كتابتها بخط جميل، وانا لا أزال أضحك. وغداً عندما أقرأ القصة في مكتب تحرير المجلة، لن أضحك. بل سأكون كئيباً ومتجهماً".

البحث عن علاج للكآبة

في عام 1927 تمت مصادرة احد اعداد مجلة " بيغيموت " بسبب نشرها قصة زوشينكو المعنونة " حكاية مزعجة" التي تتحدث عن الرعب الذي ساد جو حفلة عائلية، بعد أن اتصل احد اصدقاء العائلة من تلفون عمومي مدعيا انه يتحدث من الكرملين. كانت تلك مزحة ثقيلة، أفسدت جو الحفلة، وأخذ المدعوون، يغادرون الحفلة خفية الواحد بعد الآخر، تاركين صاحبة الشقة نهباً للقلق والخوف، ولم يعد أحد منهم يسأل عنها أبداً خوفاً من الشبهة.

مع اشتداد الرقابة الأيديولوجية الصارمة على المطبوعات تم الإغلاق التدريجي لمعظم المجلات الفكاهية، التي كان الكاتب ينشر فيها، ولكنه لم ييأس، بل واصل العمل بهمة ونشاط. في هذا الوقت كان قد أصبح كاتبا معروفا في الغرب. ولكن كان لذلك جانبه السلبي أيضاً، فالسلطة السوفيتية كانت تنظر بعين الريبة الى كل كاتب أو شاعر ينشرُ له نتاج ما في الغرب الرأسمالي، رغم أن كتب زوشينكو المترجمة الى الألمانية دخلت في القائمة الهتلرية السوداء، وأحرقت ضمن الكتب الأخرى في القائمة.

في عام 1933 نشرت مجلة "اكتوبر" النصف الأول من روايته المعنونة "الشباب المستعاد" وهي قصة عالم روسي من علماء الفلك لم يظهر عاطفة نحو الاشتراكية القائمة بالبلاد دون ان يدري سببا لذلك. كان هذا العالم يرنو الى شبابه، ويريد ان يستعيد صحته وحيويته ونشاطه في سن الشباب. وبذل جهودا كبيرة في هذا السبيل، واخيرا وفق في ذلك كله بفضل قوة ارادته. في هذه الرواية وضع زوشينكو امامه مهمة التغلب عل كآبته وتعليم الآخرين كيف يفعلون ذلك. وقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، أسهم فيه بعض كبار العلماء الروس.

طريقة للتحرر من الخوف والعبودية

"قبيل شروق الشمس" من أجمل وأعمق مؤلفات زوشينكو، وتعد نقطة تحول في إبداعه الأدبي، تخلى فيها عن أسلوبه التهكمي الساخر، وأخذ يكتب بأسلوب جاد ومختلف عن كل نتاجاته السابقة. وكان الكاتب نفسه يعد هذه الرواية أهم ما كتبه خلال حياته الإبداعية، وحاز على إعجاب كل من اطلع عليها من اصدقائه المقربين قبل نشرها. كتبت الرواية في خضم الحرب العالمية الثانية عندما كان الإتحاد السوفيتي يخوض الحرب ضد ألمانيا الهتلرية. ولكن هذه الرواية ليست عن الحرب، بل كيفية إنقاذ البشر من الخوف والعبودية، واستبعاد إحتمال نشوب حروب جديدة. نشرت الفصول الأولى من الرواية في مجلة " اكتوبر" عام 1943، وتم منع نشر فصولها اللاحقة، ولم تنشر الرواية كاملة الا في عام 1972.

"قبيل شروق الشمس" هي قصة اراد فيها المؤلف فهم بواعث الخوف والقلق والكآبة التي يصاب بها الإنسان عندما يكون غريبا في الوسط المحيط به، وفي حالة مقاومة مستمرة له. الأنظمة الشمولية تستعبد الإنسان، ولكن الشخص الذي يقرأ كتابه، سيتحرر من الخوف ولا يمكن أن يكون عبداً، بل سيكون حراً، وقادرا على السيطرة على نفسه، والتحكم في لا وعيه وغير قابل للتضليل الدعائي.

الجزء الأكبر والأفضل من الكتاب فصول صغيرة عن سيرة حياة المؤلف. قصص الهزائم المأساوية التي تعرض لها، هزائم الحب، والفشل المهني، وطائفة من القصص المذهلة عن الحرب العالمية الأولى حيث كان ضابطا برتبة ملازم اول. نصوص رائعة تكشف عن سبب مخاوفه اليوم. وهذا ما اغضب السلطة، لأن زوشينكو ينخرط في تحليل معاناته في وقت تخوض فيه بلاده حربا ضارية ضد المانيا الهتلرية. ولكن الكاتب يرى ان الانسان الحر هو الذي بوسعه الحاق الهزيمة بالعدو، وليس العبد الخائف. حقا كانت هناك هوة شاسعة بين نثر زوشينكو العبقري وبين ما كان ينشر خلال سنوات الحرب من أعمال أدبية هزيلة ذات طابع دعائي.

تم منع نشر الجزء الثاني من الرواية بأمر من ستالين شخصيا. وشنت الصحف المركزية حملة شعواء ضد الكاتب اتهمته بالجبن والتهرب من الحرب. رغم أنه تطوع في الجيش السوفيتي منذ اليوم الأول للعدوان النازي على بلاده، ولكن طلبه رفض، لعدم لياقته للخدمة العسكرية. ولم يتهرب من الحرب قط طوال حياته، فقد سبق وأن حصل على أربعة أوسمة حربية لشجاعته الفائقة خلال الحرب العالمية الأولى، ولم يشفع له حتى إنضمامه الى الجيش الأحمر خلال الحرب الأهلية (1920-1918). كما أنه كتب عشرات المقالات المناهضة للهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية. وكان من ضمن الأدباء والفنانين الذين أجلتهم السلطة من لينينغراد المحاصرة الى مدينة (ألما – آتا) في عام 1941، وهي المدينة التي قصفتها الطائرات الألمانية ووقعت قنبلة على البناية التي كان يسكنها ونجا من الموت بأعجوبة.

المقاتل السوفيتي الذي خرج من الحرب منتصرا، خيل اليه أنه قد تحرر من الخوف، ولكن مثل هذا الشخص الحر لم يكن مرغوبا فيه على الإطلاق من قبل النظام الشمولى.

القراء الأذكياء الذين يقدرون الأدب الرفيع يقولون أن رواية " قبيل شروق الشمس " افضل ما انتجه زوشينكو، حيث سبق زمنه بمائة عام، كما هوالحال دائما مع الأعمال الأدبية العبقرية.

حكاية القرد الذي اغضب ستالين

في عام 1946 اعادت مجلة " زفيزدا" الأدبية نشر قصة زوشينكو المكتوبة للاطفال "مغامرات قرد " بدون موافقة المؤلف. وكانت القصة قد نشرت قبل ذلك بعام في مجلة فكاهية للاطفال بموافقة الرقابة، ودون أن تثير الانتباه أو النقد. ولكن اعادة نشر القصة، أثارت هذه المرة موجة عارمة من المقالات التحريضية ضد الكاتب في كبريات الصحف والمجلات المركزية. مقالات أشبه بتقارير المخبرين السريين. فما الذي حدث؟

الشعب الروسي المستاء من الإجراءات القمعية الستالينية، لم يجد أمامه سلاحاً سوى التذكير بماضي " القائد العظيم، أبو الشعوب". واطلق الروس على ستالين لقب " ماسح الاحذية " فقد كان ستالين في يفاعته يمارس هذه المهنة – وليس في ذلك غضاضة – ولكن أن يكون "ماسح الاحذية" زعيما مطلقا للامبراطورية السوفيتية، فهذا أمر يثير السخرية. وكان كل من ينعت ستالين بـ" ماسح الاحذية" يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين خمس الى عشر سنوات.

" قصة" مغامرات قرد " تسرد حكاية قرد هرب من حديقة للحيوانات، عندما قصفت الطائرات الألمانية تلك الحديقة ودمرت القفص الذي كان يحتجز فيه قرد صغير، فهرب القرد ليقع بين أيدي البشر، الذين أذاقوه من العذاب والألم ما جعله يتمنى العودة الى القفص. وقد وردت في القصة فقرة اثارت غضب ستالين: "هذا هو الكلب جالس، صغير الحجم، بني اللون على غرار ماسح الأحذية ". وليس من الواضح ان كان الكاتب قد فعل هذا عن قصد أو بدون قصد، ولكنه تطابق مصادفة مع ما هو شائع بين الناس". وعلى اية حال فقد كانت تداعيات ذلك مدمرة لزوشينكو. حيث تم حظر نشر اي نتاج جديد له، وفصل من اتحاد الكتاب السوفيت، ومر الكاتب بفترة عصيبة من حياته، لأن منعه من النشر لم يكن مجرد قطع مورد رزقه، بل الحكم عليه بالموت ككاتب. واعتزل الحياة في منزله في ضواحي لينينغراد، ثم استبدله بشقة صغيرة ليعيش من فرق السعر ولو الى حين.

كانت معاقبة زوشينكو وسيلة لترهيب كل من تسول له نفسه نقد النظام، او حتى التفكير في ذلك. وجمع ستالين أبرز الأدباء في اجتماع حاشد، انتقد فيها ما سماه بالانحراف عن الخط الأيديولوجي للحزب والدولة في مجال الآداب والفنون، واستشهد بنتاجات زوشينكو كأبرز دليل على هذا الإنحراف وقال: "لا ينبغي على المجتمع ان يعيد بناء نفسه وفقا لزوشينكو، بل على زوشينكو ان يكيّف نفسه وفقا للمجتمع، وان لم يفعل ذلك، ليذهب الى الجحيم.! ". ثم صدر في اغسطس 1946 قرار من الحزب – أعده سيء الصيت جدانوف، مسؤول القسم الأيديولوجي في الحزب - بتشديد الرقابة على المطبوعات، وتضمن القرار وصفاَ مهيناً وجارحاً لزوشينكو، أدي الى تردي حالته النفسية وتحطيمه معنوياً. وربما يتساءل البعض، لماذا لم يقم ستالين بتصفية زوشينكو، كما فعل مع بيلنياك وكولتسوف وبابل وماندلشتام وعشرات غيرهم من كبار الكتاب والشعراء؟. أغلب الظن أن شعبية زوشينكو كانت كاسحة، وإعدامه كان سيقابل باستنكار واسع في الداخل والخارج. لذا فضّل ستالين تصفيته بالتجويع وتحطيمه معنويا، وقد وفق في ذلك الى حد كبير.

زوشينكو والطلاب الإنجليز

بعد وفاة ستالين تم قبوله مجددا في عضوية اتحاد الكتاب السوفيت في 23 حزيران 1953، وكان يمكن أن يسترجع حياته المهنية، ولكن وقع حادث عابر لم يكن بالحسبان، قلب حياته رأساً على عقب. كانت الرقابة الأيديولوجية المتزمتة شديدة كالسابق. ففي 5 مايو 1954 تم دعوة زوشينكو والشاعرة آنّا أخماتوفا الى لقاء مع عدد من الطلبة الإنجليز في مقر فرع اتحاد الكتاب في لينينغراد. سأله احد الطلبة عن رأيه في الاتهامات الموجهة اليه، والى الشاعرة " آنّا أخماتوفا " في قرار الحزب لعام 1946، فأبدى زوشينكو عدم موافقته على الإتهامات الموجهة اليه. وأجابت آنا أخماتوفا أنها تؤيد هذا القرار، وكانت مضطرة الى ذلك لأن ابنها الوحيد كان معتقلاً في سيبيريا..

وبدأت مرحلة جديدة من اضطهاد زوشينكو وتضيق الخناق عليه، ففي 28 مايو 1954 نشرت صحيفة، "لينينغرادسكايا برافدا" تقريرا عن اجتماع عقده فرع الحزب في لينينغراد جرى فيه توجيه نقد لاذع الى زوشينكو لمعارضته العلنية لقرار حزبي. وفي 15 يونيو عقد في مقر اتحاد الكتاب اجتماع لمحاسبة زوشينكو، وطلبوا منه الاعلان عن ندمه على ما صرح به للطلبة الإنجليز، وطلب العفو من الحزب واتحاد الكتاب، ولكن الكاتب المعتز بنفسه وكرامته القى كلمة، دافع فيها عن نفسه وفند الاتهامات الموجهة اليه بشجاعة، وقال أنه على استعداد لتحمل عواقب اعتراضه على ما جاء من وصف مهين لشخصه وأعماله في قرار الحزب لعام 1946.

وكان لكلمته تأثير بالغ في نفوس معظم الحضور ما عدا قادة اتحاد الكتاب الذين تربعوا على منصة ادارة الجلسة – المحاكمة. وساد الصمت في القاعة للحظات، وكان من الواضح أن زوشينكو قلب الطاولة على من أرادوا اذلاله، وان معظم الحضور يتعاطف معه. وهنا قطع رئيس الجلسة "قسطنطين سيمونوف" الصمت وقال: "يبدو أن زوشينكو يستدر العطف" ولم يحقق الاجتماع الغرض الذي انعقد من اجله. وكان نتيجة ذلك، اشتداد الحملة الصحفية الرسمية ضد زوشينكو ومنعه من النشر وحرمانه من راتبه التقاعدي. ولم تقتصر الحملة الجديدة غل الصحف والمجلات بل ساهمت فيها ايضا الاذاعة السوفيتية. وهي الاذاعة الوحيدة التي كانت متاحة للمواطنين السوفيت بعد مصادرة أجهزة الراديو من السكان مع بدأ الحرب الروسية الألمانية في منتصف غام 1941. وبطبيعة الحال كانت هذه ضربة عنيفة وجهت الى زوشينكو. ثم اختفى اسم الكاتب تماما. ولكن أصدقاؤه القدامى من الكتاب (تشوكوفسكي، تيخونوف، ايفانوف، كافيرين) دافعوا عنه، وتمكن زوشينكو بشق الأنفس من نشر كتاب واحد يضم مختارات من أعماله في ديسمبر 1957. وقد تعمدت دار النشر الحكومية التي نشرت الكتاب استبعاد روائع زوشينكو واختيار اعماله الأقل جودة، لإعطاء فكرة خاطئة عنه للجيل الجديد.

قضى زوشينكو السنوات الأخيرة من حياته مريضا ومحطما نفسيا وفي فقر مدقع بعد حرمانه من راتبه التقاعدي، وبطاقته التموينية، وكان معظم أصدقائه القدامى يخشون من زيارته مخافة الشبهة، ولولا صديقه الوفي كورني تشوكوفسكي لمات جوعا. ونظرا لمنع كتاباته اضطر الى ترجمة روايات أجنبية عديدة على امل الحصول على ما يسد رمقه، ولكن دور النشر اشترطت عليه أن لا يذكر اسمه كمترجم على اغلفة تلك الروايات. واضطر الى ممارسة مهنة صنع الأحذية التي تعلمها في شبابه. وعندما توفى في تموز 1958 رفضت السلطات في لينينغراد دفنه في مقبرة الكتّاب، فتم دفنه في مقبرة الضاحية التي سكنها في سنواته الأخيرة.

زوشينكو اليوم

كان الظن ان أعمال زوشينكو، التي رسمت صوراً ساخرة عن مناحي الحياة اليومية السوفيتية، ستذهب مع انهيار الإتحاد السوفيتي، فالحياة في روسيا اليوم تغيرت تماما منذ ذلك الحين. ولكن هذا لم يحدث. وما زال زوشينكو أحب الكتّاب الى الجمهور، ويقبل الناس على قراءة رواياته وقصصه إقبالاً لا يجده كاتب آخر من الكتّاب المعاصرين، وتصدر بين حين وآخر طبعات جديدة من أعماله الكاملة، متضمنة يومياته ورسائله المتبادلة مع الكتّاب الروس ومع أصدقائه وأقاربه، كما تصدر عشرات الكتب الجديدة، التي تتحدث عن ذكريات الأشخاص الذين التقوا به في مراحل حياته المختلفة. اضافة الى اطروحات دكتوراه عديدة عن الخصائص الفنية لإبداعه. وقد ترجمت أعماله الى أهم لغات العالم، واجتازت إمتحان الزمن، وهذا شأن كل أدب عظيم، فهو جديد أبداً.

* جودت هوشيار، كاتب عراقي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق