الكتاب والمطبوع بأشكاله وأحجامه المتعددة، يعد الوسيط الأكثر تأثيرا في مجال ترويج الأفكار، وربما يحتل الوساطة الأهم لاسيما قبل هذه المرحلة، أما اليوم فقد بدأت القراءة الإلكترونية تتطور على نحو مضطرد، وقد باتت القراءة الإلكترونية من أوضح وأهم أوصاف هذه المرحلة، علما أننا نتحدث عن المشهد الثقافي في العراق.

ولعل كثرة المطبوعات في هذا البلد، تعود لأسباب كثيرة منها رغبة الناس بطرح أفكارهم في كتب موثقة يعتقدون أنها تخلّدهم، كذلك تحسّن الوضع المالي الذي بات يسمح بتوفير المبلغ المطلوب لطبع كتاب بمواصفات معينة، ولعل السبب الأهم في التشجيع على طبع كتاب هو غياب الرقابة بشكل شبه كلّي.

تُرى هل نستطيع أن نجزم بأن كثرة المطبوعات اليوم تصب في صالح الثقافة، وهل يمكن أن يكون للمطبوعات تأثيرها الفعال في توسيع رقعة الثقافة والمثقفين، خاصة أننا نعيش في عصر (الموبايل) وتطبيقاته السريعة الواسعة، وعصر شبكات التواصل الاجتماعي، وهو عصر القرية العالمية، حيث الجميع يطلع على ثقافات الجميع، كأن العلم بات مجتمعا واحدا، في ظل متغيرات من هذا النوع هل يبقى المطبوع وخاصة الكتاب صامدا في قضية الفعالية والتأثير؟.

تقول جهات استطلاعية مهنية، أن العراقيين انفتحوا على المطبوعات بشكل كبير، حتى بات المطبوع اليوم من حيث الكم، يعدل أضعاف الأضعاف مما كان يتم طبعه قبل 2003، بل حتى في العهد الملكي لم يبلغ طبع الكتب والمطبوعات آنذاك نصف الكميات التي اجتاحت الأسواق اليوم، وإذا أضفنا للأسباب التي تم ذكرها الزيادة النسبية السكانية وعدد القراء، فإن الأمر يجعلنا نعتقد أن كثرة المطبوعات أمر يأتي في سياقه الطبيعي بما يناسب المتغيرات والزيادة في المال والأنفس في تعداد المجتمع العراقي.

ولا ضير في ذلك بطبيعة الحال، لأن زيادة إنتاج الكتب في بلد ما، لابد أنها تصب في صالحه، وهي خير دليل على ارتقاء الشعب، والدولة، بيد أن الأمر لا يتعلق بالكم دائما، وإنما هنالك عنصر النوع أو المضمون الفكري الثقافي الأخلاقي الذي تقدمه الكتب وعموم المطبوعات للقارئ، فالسؤال يتعلق بمدى فاعلية وندرة وجودة المضامين والأفكار المطروحة في هذه الكتب، فهل هي أفكار ومضامين تستحق ن يضمها مطبوع بين دفتيه؟.

تعليقات المعنيين على المنجز الفكري

نعم صار هنالك إقبال واسع للعراقيين على طبع الكتب حتى بات يشكل ما يقترب من الظاهرة، وهو أمر جيد كما ذكرنا سابقا لو لا بعض المشكلات التي تتعلق بطبيعة الأفكار والمضامين وعمقها، أما لماذا هذا الإقبال الكبير على طبع الكتاب أو المجلة وما شابه، فإننا نجزم بأن الأمر يقع تحت قضية التعويض عمّا مضى، ففي السابق كان طبع كتاب أمر غاية في الصعوبة، تشترك عدة عوامل مناهضة له، منها الخضوع لمقص الرقيب، والأسعار العالية لطبع الكتب، وأسباب أخرى.

أما اليوم بات على الشخصية العراقية أن تعوض ما فاتها، أو بالأصح أنها وقعت اليوم تحت هاجس التعويض عمّا مضى، وإعادة الاعتبار للذات، وطالما أن الناس ينظرون الى الكاتب والكتاب بنظرة متميزة تصل حد الاحترام والحسد، فمن باب إعادة الاعتبار للذات المهمشة، صار هنالك اقبال شديد على الطباعة، وكما ذكرنا ليس في الأمر ضير.

بيد أن الأمر يتعلق بما تقدمه هذه الكتب للقراء، فقد صرح بعض المهتمين والمعنيين بالثقافة والطباعة أيضا، بأن هنالك مضامين في بعض الكتب الجديدة لا تساوي سعر الورق الذي طبعت فيه!!، وهذا في الحقيقة تعليق قاس يدل على أن المضمون لم يعد يلقى الاهتمام المطلوب ولم ينل على أولوية المؤلف، والمشكلة أن أصحاب هذا الرأي ليس فردا واحدا، أو مجموعة بعينها، إنما هناك شبه إجماع على أن ما تحمله هذه الكتب من الأفكار لا يوازي قيمتها المادية.

من ناحية أخرى لابد أن تكون هنالك آلية معينة لتقييم ما تطرحه الكتب للقراء، فالحقيقة أن طريقة الطبع اليوم عشوائية، لا تخضع لمعايير الجودة الفكرية بأدنى درجاتها، فالمطابع الأهلية الكثيرة في العاصمة والمدن الأخرى، يمكنها أن تطبع بلا حدود ولا معايير ولا دقة في معرفة المضمون الذي يطرحه هذا المطبوع أو ذاك، قد يقول قائل، لا مشكلة في كثرة المطبوعات، دع الناس تطبع الكتب كي تعوّض عما فاتها في الأزمنة الماضية.

ولكن نحن نتحدث عن الفكر، وهو أخطر مؤثر على العقل باعتراف الخبراء المعنيين، بمعنى قد تنزل الى المكتبات مطبوعات تحمل مضامين رديئة أو متطرفة، أو تحمل قيما غير جيدة، أو تدعو للعنف، فهل هناك من راقبها؟، لا أظن ذلك، والسؤال الأهم أيضا، هل بحجة حرية الطباعة والرأي، مقبول أن نسمح للرث من الأفكار أن يتسلل الى عقولنا؟.

ضوابط طبع الكتب

بعد الفورة الطباعية والصخب الذي رافقها، لابد أن تكون هناك ضوابط ملزمة، ليس على الرأي أو الفكر، أو على الكتاب، وإنما على أصحاب المطابع الأهلية وسواها، فالمطلوب أن تضع لجنة من الخبراء في الطباعة السليمة، مجموعة من البنود والخطوات التي تتعلق بالسماح للمطبعة بطباعة هذا الكتاب أو ذاك.

منها مثلا أن تخلو مضامين وأفكار الكتاب من التطرف، وتخلو من الأفكار التي تسعى لتهديم البناء المجتمعي القائم على القيم الأصيلة المتعارف عليها، ولا يصح أن يتم طبع كتب او مطبوعات تحمل ما ينافي الأخلاق المتعارف عليها، ولا تدعو للكراهية، وتنبذ العنف والتعنيف، وتدعو الناس لاحترام بعضهم، وتدعو لحماية الحقوق المدنية.

هناك كتب تظهر في الأسواق، لا تخضع لمثل هذه المقاييس بحجة حرية الرأي، والحقيقة أن صاحب المطبعة لا يقرأ ما يطبعه، فالمهم لديه هو أن يحصل على الأموال مقابل الطبع، أما ما يحتوي عليه المطبوع فهذا ليس من شأنه، والحقيقة هذه الفقرة تعد من أخطر ما يمكن أن يقوم به الكتاب من حالات لنشر الأفكار المغرضة.

هل تجوز لنا الآن مطالبة من يهمه الأمر بتنظيم الطباعة وليس إقامة الرقابة الحدية عليها، أو وضع المضايقات العملية والقانونية ضدها، نحن ندعو بوضوح الى أهمية نشر الكتاب من حيث الكمية، ولكن ما ندعو له ونشدد عليه أيضا، أن يكون نوع الكتاب مهم ومفيد ويراعي الذائقة والقيم، ويقدم للقراء ما يمكن أن يطورهم ويمضي بهم خطوة الى الأمام.

في خلاصة هذه الكلمة ندعو الجهات المعنية الى جملة من الإجراءات التنظيمية للطباعة، ووضع حد لعشوائية الطبع، ولا ينبغي التدخل أكثر مما ينبغي، نحن نرفض الرقابة الصارمة على الرأي والفكر، ولكننا نقبل التنظيم، ووضع معايير تسمح للأفكار الجيدة بالوصول الى القارئ، أما من يضع المعايير الجيدة حتى لا تكون لجهة معينة سيطرة عليها وخاصة الحكومية، فهذا الأمر يمكن معالجته من خلال البرلمان مثلا، وتكوين لجنة من الخبراء المعنيين بالفكر والثقافة، تأخذ على عاتقها إدراج المعايير المناسبة والملزمة للمطابع كي تتم مواجهة المضامين المسيئة، على أن يكون هناك صمام أمام بعدم استخدام هذه المعايير لتحجيم الفكر والمطبوعات.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
نعم للأسف الشديد المطابع تدوركثيرا لطبع كتب خالية من المضمون
وعصفور التنوير الزائف كان ينشر كتبا لمدعي الإبداع ليدخلهم الى المتون
ويوزع الميزانية الضخمة على هؤلاء ويترك المبدعين الحقيقيين يحترقون في أتون
ولذلك نجد آلاف الإصدارات التافهة التي تفسد ذوق القراء ..وأمثال علي حسين عبيد على الساحة قليلون
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-21