دورة حضارية جديدة. حيث يتنبأ مالك بن نبي ويتفاءل في إمكانية التخلص من الأسباب المساهمة في القابلية للاستعمار. وكل العقد التي أدت إلى الهزيمة الفكرية والنفسية للعالم الإسلامي، الحركة الداخلية وصمت الشعوب للبناء من الأسباب التي تعمل في إيقاظ الإنسان من سباته نحو رسم الأفق الممكن. ...

إن مشكلتنا الرئيسية فكرية، ومشكلة العالم الإسلامي المهزوم أمام تقدم الحضارة الغربية وصعود مجتمعات جديدة تملي التحرك للتغيير والبحث عن الوسائل الممكنة في دورة حضارية جديدة. حيث يتنبأ مالك بن نبي ويتفاءل في إمكانية التخلص من الأسباب المساهمة في القابلية للاستعمار. وكل العقد التي أدت إلى الهزيمة الفكرية والنفسية للعالم الإسلامي، الحركة الداخلية وصمت الشعوب للبناء من الأسباب التي تعمل في إيقاظ الإنسان من سباته نحو رسم الأفق الممكن.

فلا بد من إزالة العوائق المهدد للتقدم الإنساني من تقاليد وأعراف. وطقوس منغرسة في بنية العقل. الإنسان لا يستطيع السير بعيدا وهو يجر ما خلفه. أو يخيم على ضميره ظل من الضباب. فالحضارات في ساعة الميلاد تحملها روح الأقدام البريئة من الأفكار المسبقة. ومن كل عقدة، وبن نبي في فكره يضع الإسلام في تلك المهمة العليا، انه ذلك الإسلام الذي يولد في إطار جديد، وهو منفتح على المعتقدات كلها (1)، المطلوب في حل العقدة التشخيص العلمي والأدوية المناسبة في عيادة محلية وليس في صيدلية الغرب أو حضارات أخرى، والانكماش على الذات ليس علاجا يوصي به طبيب الحضارة.

ضرورة الاقتباس والانفتاح والتدافع، التغيير يبدأ من ذواتنا (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الرعد: 11. والمسلمون كالبنيان، ما يشد وحدتهم تلك المودة والرحمة وتلك الفكرة الدينية ناهيك عن القوة والكفاءة والإخلاص في العمل، فغالبا ما يذكر بن نبي تجربة اندونيسيا التي استوحت مسألة النهضة الاقتصادية من ألمانيا، واضع خطتها الدكتور (شاخت) الرجل الذي نهض باقتصاد ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية. إلا أنها نجحت في ألمانيا وفشلت في اندونيسيا رغم الاختلاف بين البلدين في الطاقات والإمكانيات المادية لدى الشعب الاندونيسي، إذن ما هي الأسباب؟ وهل يمكن أن يكون النموذج الألماني أو الياباني مقياسا للتقدم في العالم الإسلامي؟

تقدم الحضارة من أسباب داخلية وعوامل ثقافية تعكس روح الأمة. في اندفاعها واستثمارها للإنسان والطاقات. والمؤهلات البشرية والطبيعية. فالمسلم اليوم يوضع في حدود الأشياء. تلك الحدود التي لا تتسع لظروف الحياة المتغيرة. بينما الأفكار وحدها تستطيع مسايرة ظروف كالظروف القاسية التي أحاطت ببناء الاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية(2)، وغالبا ما يلجأ العالم الإسلامي للنماذج الناجحة في دول بعينها. بالأمس كانت ألمانيا. واليوم لا حديث للعالم الإسلامي إلا عن النهضة الصينية الجديدة. فالإنتاج الصيني سريع جدا، والمنتجات الصينية اكتسحت العالم، وقامت النهضة المنشودة وفق مخططات الإنسان الصيني من الاستثمار الواسع في كل القطاعات الحيوية. والحفاظ على الوحدة الثقافية للبلد.

أما في العالم الإسلامي فالنماذج التي تأهلت وتقدمت هي نتاج للجهد البعيد المدى. والسياسة الفاعلة التي جعلت الإنسان سيدا على الأشياء ومدبرا فعليا للوقت. وكل الأسباب التي اشترط أن يرسمها بن نبي للمسلم لأجل النهضة. لذلك وضعها في معادلة رياضية مركبة بين الإنسان والتراب والوقت، وشرح العوالم الثلاثة، عالم الأشخاص وعالم الأشياء وعالم الأفكار، وللعوالم اعتمارا محدودة بالزمان والظروف التي تصنع الأفكار وتطورها، والانسان باعتباره عنصرا فاعلا ونشيطا يمثل مشروعا. ما قبل الموحدين هو وضع الفرد الرافض للهيمنة وغير قابل للاستعمار. وإنسان ما بعد الموحدين. الفرد الذي ضعفت فيه الروابط الروحية. إفراز للمرحلة والتراجع الذي عرفته الحضارة الإسلامية. فالشرط الإنساني ينطلق من ثقافة ذات جذور أخلاقية غيبية أساسا، وهذا المدخل – كما يقول بن نبي في كتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) – يطرح مشكلة الأفكار كمعيار يؤسس لاتجاه الحضارة في عمق المسار التاريخي.

وهنا تبرز وحدة المشكلات بين اتجاه الحضارة الغربية من ناحية. واتجاه الحضارة الإسلامية من ناحية أخرى(3). لذلك ينبع التفكير من الثقافة. والفكرة التي غيرت من التاريخ حينما نادي سقراط بالفكرة المأثورة (أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك). كان يدرك أن النفس الإنسانية تنطوي على كنوز من المعرفة التي اعتراها النسيان بفعل الانغماس في الملذات والمحسوسات.

وعندما صاح ارخميدس (أوريكا) فان الرجل عثر على اكتشاف جديد. وسقوط التفاحة فوق رأس نيوتن منبه على منطق الصدفة في الاكتشاف العظيم للقوانين التي غيرت مجرى الفلك والفيزياء. قانون الجاذبية والنقلة النوعية في مجال العلم الطبيعي. فالقرن العشرون باعتباره عصر الطاقة والكهرباء والذرة والفضاء أضفى قيمة للوجود الإنساني. وعظمة العقل الصانع والخيال المبدع الذي ينم عن حركية العصر وقدرة الإنسان في السيطرة على الطبيعة. فالمشكلة عندنا في عمق الصراع الفكري هي مشكلة أفكار. والمجتمع النامي وهو على عتبة الخروج من هيمنة حضارة القوة والسيطرة.

لا يفتقر إلى الوسائل كما يقول مالك بن نبي في كتاب "مشكلة الأفكار". بل يفتقر إلى الأفكار(4). فقد صنف الأفكار إلى صنفين: الأفكار المميتة والأفكار الميتة. الأخيرة ليس لها جذور في الثقافة. ذاتية الإبداع. من صناعة المجتمع. قاتلة وهدامة لكل أشكال المقاومة والتقدم. حيث ترسخت هذه الأفكار في شكل تقاليد بالية وعادات غير أصيلة في جوهر الثقافة الإسلامية. أما الأفكار المميتة فهي وافدة من الحضارة الغربية أو حضارات أخرى لم تعد مقبولة لكنها وجدت تربة أخرى لاستنباتها، غير متطابقة وبناءة في نهضة عالمنا. فالمشكلة مشكلة أفكار. والعالم الإسلامي منذ انحطاطه ما بعد عصر الموحدين يواجه مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل. فتراثه الذي ورثه من عصور الحضارة الإسلامية غذا أفكارا ميتة. أما نماذجه الروحية التي تعود إلى العهد الأول فقد خانتها أفكاره الموضوعة التي خالفت عن نسق النموذج المطبوع الذي أرساه العصر الأول (5).

فقدان بوصلة الفكر. ولى العالم الإسلامي وجهه شطر الغرب مقتفيا نماذجه في السياسة والاقتصاد والثقافة. وانقسم المفكرون بين دعاة الليبرالية ودعاة الاشتراكية بل إن النماذج القومية عندنا راحت بالفعل تتبنى خيارات معينة في النهضة. وطرح البدائل كأنها حقائق حتمية في عملية بناء الأمة. لا حديث إلا عن الجماهير والطبقات الاجتماعية والصراع والتغيير. تيار اليمين واليسار. المحافظين والمتشددين. والآن نسمع الصقور والحمائم... الانقسامات من خصائص المرحلة الآنية. لكن بن نبي يلقي اللوم أكثر في نسيان الأصول. والفكرة الدينية التي أعلت من الحضارة. فالفكرة المسيحية قد أخرجت أوروبا إلى مسرح التاريخ. لقد بنت عالمها الفكري انطلاقا من ذلك. ومع عصر النهضة استعادت اكتشافها العالم الإغريقي. فتعرفت على سقراط باعث الأفكار. وأفلاطون المؤرخ لتلك الأفكار. وأرسطو مشترعها. غير أن هذا العالم الذي التقت به ثانية وهي تقتفي أثر الحضارة الإسلامية. قد اكتسى منذ (توماس الاكويني) صبغة مسيحية(6).

فالدين مكون أساسي للنهضة والتوازن الفردي والجماعي. والعاطفة الدينية الصادقة والنابعة من التربية والمعرفة درجة أسمى في عملية تكوين الإنسان على مكارم الأخلاق والعلم بالفضائل. يعود بن نبي إلى سياق الأمثلة من التاريخ الإسلامي. يضرب الأمثلة في صفاء الفكرة التي أوجدت الإنسان العربي مهيئ لتقبل الرسالة الإسلامية. ووجدت المجتمع تواقا للحرية والتحرر من الاسترقاق والاستعباد. من الأمثلة بلال بن رباح. ولا يكتفي مالك بن نبي بالمثال من تاريخنا بل يمنحنا الأمثلة من الفلسفة القديمة، أسطورة الكهف عند أفلاطون والسعي نحو الانعتاق من قيود المعرفة السطحية الجاهزة. وتلك الظلال المنعكسة على الكهف، ورغبة الفيلسوف في إزالة القيود والتحرر من السجن والارتقاء نحو عالم الكمال والحقيقة. عالم المثل والنماذج الصادقة في تحقيق العدالة والسعادة.

ومن حكاية "روبنسون كروزو" يترك بن نبي انطباعا في مدى قيمة الإرادة الذاتية للتغلب على صعوبات المحيط بالتفكير المفيد. وصناعة أشياء للبقاء. ومن حي ابن يقظان للفيلسوف ابن طفيل تفكير جديد بالعقل يقود الإنسان إلى إدراك اليقين والحقيقة. إن الأصالة ذاتية وعينية وهي مستقلة عن التاريخ. والفكرة إذ تخرج إلى النور فهي إما: صحيحة أو باطلة. وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان. لكنها بالمقابل. يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها. حتى ولو كانت صحيحة (7). بل حتى العالم التجريبي الذي يمتلك الفكرة العلمية اليقينية. تكون مبادئه الأولية مبنية بطرق استدلالية قابلة للتحقق. وتجاربه صادقة ونتائجه برهانية متينة.

إنني اعتقد أن مالك بن نبي تأثر كثيرا بالمنهج العلمي. والفكرة الأكيدة انه تسلح باليات علم الاجتماع. الذي ظهر في الغرب نتيجة الاحتكاك بالعلوم الطبيعية. ودون الدخول في علمية العلوم الإنسانية والنماذج النظرية في دراسة الواقع الاجتماعي والنفسي والثقافي. فان مسألة تغير قواعد البحث من ضرورات تجديد الفكر. ومن إرساء ثقافة تعنى بالإنسان وتستثمر الأشياء. وتُحسن تدبير الوقت. وكثيرا ما يستعمل بن نبي كلمة الملاحظة والسنن والمقارنة وضرب الأمثلة. ولا ينكر أن للغرب مزايا تتجلى في قدرته على إرساء حضارة ذاتية. عندما استطاع أن يستثمر منجزات الحضارات السابقة. لكن بالتفكير في ذاته. بلغته الخاصة وثقافته. ومن يدعي أن الأفكار تموت وتتلاشى للأبد. فهناك زمان يعود الناس يبحثون عن حلول لأزماتهم في الفكر المنسي. لماذا يقرأ الألمان هيجل وكانط ونيتشه؟ ولماذا يعود الناس اليوم إلى قراءة الفلسفة اليونانية والإسلامية؟ وما هي مزايا العودة في قراءة التراث الأدبي العالمي في عصر ما؟.

العودة إلى الوراء لأجل التفكير في قيمة الإنتاج الفكري الإنساني. رواد الابستيمولوجيا يعتبرون الأفكار نتاج للتراكم في الخبرة الإنسانية. وعمل دؤوب للفكر كنشاط وقوة متجددة ومتطورة. إذن لماذا لا يعاد قراءة مالك بن نبي؟ وهل ينطوي فكره على الجدة في تناول مستجدات القرن الجديد؟

يعتبر مالك بن نبي من أعلام النهضة الإسلامية الحديثة. فيلسوف مشكلات الحضارة. إنتاجه غزير. رؤيته تقدمية واستشرافية للمستقبل. حمل الرجل هموم بلده الجزائر. وهموم العالم الإسلامي. لذلك يقرأ من قبل الكل دون خلفيات فكرية وعقائدية. محلل المشكلات بروح رجل يؤمن بثقافته العلمية المحصلة في بلاد المستعمر. وثقافته الواسعة في المجال الديني وتاريخ الأمة. يقر أن التغيير يبدأ من الذاتي نحو أفق رحبة. من الازدهار والتطور إذا فهم الإنسان الغاية من وجوده. ونبل الرسالة الإسلامية التي رفعت الإنسان إلى أسمى الدرجات. وإذا كان البعض يعتبر أن أفكاره متجاوزة. فذلك راجع إلى سوء تقدير لما يحمله من أنوار وفكر ثاقب في فهم ظروفنا وواقعنا. أو أن هؤلاء الناس ارتموا بالفعل في أحضان المشروع الغربي الذي أصبح بديلا عن ثقافتهم.

أو يمكن القول ببساطة أن فكره جاء في عصر الاستقطاب وصعود الفكر القومي. وبوادر الاتجاهات الإسلامية ذات المرجعيات المتباينة. وما يطرحه من أفكار جديدة باليات مغايرة عن السائد في أدبيات التيارات على أنواعها. لكن بالمقابل لا تخلو الدعوات من إعادة قراءة أفكاره على ضوء ما قدمه من حلول ناجعة. لذا فالنجاة من حافة الهاوية عند بن نبي لن تكون إلا إسلامية الحداثة. واحتمال كهذا ممكن من الوجهة التاريخية (8). فالأمر يستلزم أن يغير الإنسان ذاته. ويتأمل في طبيعته ورغباته وطموحاته نحو رسم مستقبل مشرق للعالم الإسلامي. والكف عن التبعية للفكر الاستشراقي ومخلفات الاستعمار في الثقافة والسياسة والاقتصاد.

* كاتب من المغرب

........................................
هوامش:
(1) محمد بن عيسى. نفس المرجع. ص21
(2) مالك بن نبي " تأملات " دار الفكر بدمشق،الطبعة الأولى 2002 ص 60
(3) عمر كامل مسقاوي " مع صحبة مالك بن نبي " الجزء 2 ص823
(4) عمر كامل مسقاوي " مع صحبة مالك بن نبي " ج2، ص825
(5) مالك بن نبي " مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي " ترجمة بسام بركة واحمد شعبو. دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى 2002 ص 12 (كلمة المقدم عمر كامل مسقاوي في حق مالك بن نبي).
(6) ماك بن نبي " مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي " ص 41-42
(7) مالك بن نبي. نفس المرجع. ص102-103
(8) عمر كامل مسقاوي " مع صحبة مالك بن نبي " ج1، ص 45
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق